انى لسعيد بما اتاحته لى جمعية الصداقة التونسية الفرنسية (*) من فرصة للمشاركة فى هذا الملتقى بمحضر عدد من جلة الضيوف الفرنسيين امثال الوزير " ديجو " وعضو الاكاديمية " موريس دريون " ورئيس جامعة باريس " روبار مالى " وجملة من المسؤولين عن التربية والثقافة بفرنسا ، وكذلك بحضور وزراء ونخبة من الجامعيين ورجال الفكر التونسيين .
ان ملتقاكم هذا ليكتسي اهمية عظيمة اذ يقوم شاهدا جديدا على التعاون التربوى والمبادلات الثقافية بين بلدينا ويطمح الى ان يكون دافعا الى التفكير العميق فى آفاق التعاون وأبعاده ومستقبله وفي المصاعب التى يواجهها ، وكذلك فى شروط النجاح لهذا الحوار الذى نواصله بين تونس وفرنسا ، وبصفة اعم بين الشرق والغرب .
واني أود بادىء ذى بدء أن أؤكد ، مثلما فعل السيد وزير خارجية تونس منذ حين على الاختيار الحضاري الذي صدع به الرئيس الحبيب بورقيبة وعلى المدلول الذى أضفاه على كفاح الشعب التونسي من اجل استرجاع سيادتة والظفر بحريته ، ذلك الكفاح الذى افضى الى ايجاد الظروف الحقيقية الدائمة لارساء الصداقة التونسية الفرنسية ، وفعلا فلقد كانت العلاقات بين تونس وفرنسا طيلة ثلاثة ارباع القرن علاقات مسيطر بمسيطر عليه بحيث كانت الصداقة والسلم مستحيلتين فى مثل تلك الظروف . ومع ذلك فقد كان بورقيبة صديقا لفرنسا ، فرنسا التى سنت حقوق الانسان لا تلك التى كانت تبرز وراء
وجه الحماية البشع . فبقدر ما كان معجبا بالثقافة الفرنسية كان يرى ويسانده في ذلك التونسيون - انه بدون استقلال وحرية وكرامه ، لايمكن اقرار تعايش سلمي بين البلدين ، بله اقرار تعاون سليم بينهما . ولم يكن ثمة من يرى باستثناء عدد من المعمرين والمستعمرين تناقضا بين تمسك بورقيبة بقيم الثقافة الفرنسية وبين ارادته الجامحة والمنصرفة الى تحطيم الحماية وتحرير تونس من نير الاستعمار الفرنسي والعمل على احياء الثقافة القومية .
ومن هذا الموقف استخلص المتطرفون الذين ربما قرأوا تاريخ " تيت ليف " شكلا حديثا من اشكال " الخداع البونيقى " وبلغ انفعال " المتفوقين "(1) اشده عندما كان بورقيبة فى احلك ساعات الكفاح يدعو بكل قواه الى تعاون صادق نزيه مع فرنسا .
وانفتحت الطريق فى وجه صداقة خالصة غداة الاستقلال الذى تم الظفر به سنة 1956 بعد كفاح وتضحيات استمرت خمسا وعشرين سنه كان نصيب بورقيبة منها عشر سنوات قضاها فى السجون فضلا عن السنوات الاربع التى قضاها في"الغربة" بمحض اختياره ، ولم تسفه تونس المستقلة منذ أكثر من 21 عاما رهان بورقيبة ، اذ ان التعاون بين البلدان قائم كاحسن ما يكون التعاون .
اني ساقصر حديثي - ان سمحتم - في مجال هذا التعاون على التربية والثقافة وسأتناول ذلك بصراحة وصدق بوصفي رجل ثقافة وتعليم ، بل بوصفي مواطنا تونسيا .
ان التحليل الصحيح الصادق لشروط النجاح الدائم للتعاون التربوى بين البلدين يفترض الاتفاق بخصوص الوسائل الملائمة للتوفيق بين مقومات الشخصية التونسية العربية الاسلامية وبين الثقافة الغربية التى تواجهها والتي لا يتعين عليها ان تتبنى اخلاقيتها وطريقة كينونتها ووجودها بل يحسن ان تتعايش معها فى تفاعل وتكافل . وهو يقتضى ايضا وبالخصوص فى النظام التربوي التونسي الاصيل تحديد مكانة اللغة الفرنسية ووظيفتها باعتبارها وسيلة اتصال بالمعاصرة واكتساب التقنيات والتكنولوجيا .
ولقد كانت سياستنا التربوية ، طوال سنوات الاستقلال العشرين عبارة عن مجهود متواصل للبحث عن توازن صحيح وناجع بين حرصنا على الاحتفاظ بذاتيتنا وبين طموحنا الى معانقة عصرنا بتحديد محتوى تربوى يساعد على تكوين اجيال تونسية بحق ، متفتحة على العالم الخارجي ، تتميز بالاستعداد النفسانى والقدرة الفكرية على انعاش ثقافتنا القومية واحيائها بعد ان حنطتها قرون الانحطاط وكبلها الاستعمار .
وانها لمهمة دقيقة ومفاوضة شاقة حتمها بالخصوص هذا " الارث " التربوى الذى خلفته الحماية إذ نظمت أو أبقت بسابق اضمار على ثلاثة انظمة مدرسية (الزيتونية والصادقية ، والليسي الفرنسي) فأفرزت بذلك انماطا ثلاثة من العقليات على الاقل ، بغض النظر عن الاميين الذين كانوا كثيرين ، فشروط المعادلة كانت ولعلها ما زالت الى اليوم ، غير مفهومة بنفس الصورة من قبل كل البيداغوجيين وكل المثقفين وحتى كل السياسيين . ذلك أن المنطق التعليمي المماشى للعصر والآخذ باسباب التقنية يمتزج بالمنطق التقليدى المحافظ . وهكذا تكون الاولوية فيما يبدو لطلب النجاعة ومقتضيات البناء الاقتصادى على حساب تأكيد الذات القومية التى لم يحدد بوضوح اطارها التاريخي والأيديولوجى . وبذلك يصطدم مفهوم للتعريب سلبى الى حد الوسوسة بميل عنيف وساذج الى كل ما هو او اوروبيى( Europocentrisme naif ) اى بتقليد لعادات الغير لا يخلو من خنوع ، وبتحذلق يدفع بالكثير الى الترطن بالفرنسية طلبا الى الظهور بمظر العصريين المتحررين المتطورين .
فما هى الاصالة التونسية اذن ؟ هل معناها الانغلاق داخل غل مانوى : شرق - غرب ، عروبة - فرنسة ، رجعية - تقدم . . . ام يجب ادراك المشاكل بصورة واعية وجعلها تنعكس على المستقبل ؟ أفلا يقتضى واجب المسؤول ان يختار عن روية ، وان يعد الحلول المواتية والصحيحة وان يتخذ القرارات الملائمة ؟
فنحن بصدد تحديد هذه السياسية التربوية المتوازنة ووضعها حيز التنفيذ ، اذ التحليل والفعل متكاملان وان هذه السياسية كفيلة بان تتيح لنا تجسيم هذا الاختيار الحضارى الذى قمنا به على صعيد وجودى وادرجناه في سياق مصيرى والذى يتعين تعميقه وصقله باستمرار على الصعيد الثقافي .
ان الامر لا يتعلق بمشكل اللغة فقط ، ولو انه فى حد ذاته مشكل شانك
ومعقد ، بل هو يتعلق خاصة بمشكل محتوى الثقافة ، والمراجع الحضارية ومفهوم مصير تونس ومنزلة التونسي باعتباره عربيا مسلما وباعتباره انسانا .
وان من الناس من لا ينفكون يتحدثون عن المعاصرة والتقدم والعلوم والتقنيات وعام 2000 انهم لا يدركون الا الجانب العلمي بل العلموى ، وحجتهم الدامغة هى النجاعة والنمو المادى . انهم ينسون ان أى سلوك واية معرفة وأي فعل لا بد ان يقتضى الخضوع الى نسق من القيم قائم الذات والى رؤية كونية خاصة ومراجع ايديولوجية معينة ، وانه لا يكفى ان يكون لنا تكوين علمي وان نتحدث معدة لغات للاضطلاع باصالتنا والاسهام فى تغيير العالم والنهوض بالانسان . ان الاقتصادوية ( Economisme ) والتقنوية ( Technophilie ) لا يشرحان كل شئ وهما لا يستطيعان بمفردهما مصالحة الانسان مع نفسه .
ويتضح اليوم اكثر فاكثر انه لا توجد حضارة واحدة ، بل حضارات ، كما انه لا توجد ثقافة واحدة مهيمنة بل ثقافات ، فكل الناس - باستثناء العنصريين والاستعماريين الذين لم يتعظوا بالاحداث - متفقون على ان الحضارة العالمية انما هي حصيلة اسهامات متعددة مختلفة تأتى من كل الشعوب ومن كل الثقافات . ولذا يتعين ان يتم تنظيم المبادلات الثقافية على أساس التعامل بالمثل : ان جدلية الاخذ والعطاء يجب ان تقود خطانا منذ الان ، فلكل شعب ذاتيته الخاصة وعبقريته القومية وان التعاون هو ايضا اثراء متبادل يفترض احترام الغير والتواضع والتسامح والاستعداد النفسانى والفكرى من قبل كل فرد وكل شعب للتعرف الى طرافة ما اسهم به الاخر وتقبله ان وجب الامر .
ولا يخفى اليوم على احد ان عهد " الغربوية " ( Occidento - centrisme ) ان جاز هذا التعبير ، قد ولى وانقضى ، وخوفا من ان يكون كل شعب نسخة طبق الاصل لغيره او فرعا ذاويا ثانويا فانه ينبغى له ان يقد ثقافته على قدر قياسه مع التفتح على الاخرين حتى لا يختنق بالانطواء على ذاته وينبغى لكل شعب ان يواصل البحث عن شخصيته ، وان يعمل على البقاء وفيا للارض التى انبتته واذا قدر للشعوب بان لا تأخذ بناصية تاريخها وان لا تنشد كمال ذاتيتها فانها تسهل انتشار الثقافات " الاخطبوطية " او الامبريالية التى توحى لها القوى الاقتصادية او العسكرية دائما بالقيام برسالة تمدينية او" انسانية " جديدة على مستوى العالم .
وفى هذا السياق يجدر ان نؤكد النزعة العدوانية واخطار التسطيح التى تنشرها على رؤوس الاغلبية الساحقة من الشعوب - لا الشعوب المتخلفة فحسب
- هذه الاجهزة السمعية البصرية ووسائل الاتصال الجماهيري التى تفرضها التقنيات العصرية والتي " تطرق " الضمائر وتطوقها لصالح قوى تجارية وسلطات مادية لا هم لها الا تجميع الثروات على حساب اكثر الناس ضعفا وسذاجة . ولقد لفتت الجلسة العامة لليونسكو سنة 1972 انتباه المسؤولين الى الاسقاطات الخفية المتعذر ادراكها والمتنزلة من الوسائل التكنولوجيا والبرامج المنعوتة بالثقافة والمذاعة " من فوق رؤوس الشعوب " - بأتم معاني الكلمة - والتى توشك ان تضر بطرافتها وان تستلب شخصية الامم .
ونحن لا ندعى - درءا لهذا الخطر - انه بوسعنا ان نبسط المظلات الواقية فى كل مكان ، بل انه ينبغى لنا ، اذا ما اتفقنا على تحليل هذه الظاهرة ، ايجاد البيداغوجية القادرة على تكوين شباننا بطريقة تمكنه من الاحتفاظ بذاتيته والامتزاج بالكثرة مع اجتناب عدوى هذه الاسقاطات "الثقافية " التى تصر على جرنا إلى "جناتها" جرا . ان مثل الروح كمثل الجسد ، إذا تحصن قاوم الجراثيم التى تسكنه وقدر على احتوائها اما اذا كان واهيا غافلا " مشوشا " من جراء عوامل اجنبية عنه ، فانه يضمحل ، وفى ذلك انبثاث المرض الثقافي واستشراؤه . ثم الموت .
هذا المشكل مطروح على كافة البلدان . ولقد استمعت شخصيا بمناسبة انعقاد الجلسة العامة لليونسكو التى اشرت الليها آنفا ، الى ممثلين لاقطار أوروبية كبرى " نشيطة" - بل "غازية " فى علاقاتها الثقافية مع العالم الثالث - يعبرون بدورهم عن شديد مخاوفهم ازاء إمكانية " اغتصابهم " فى سلامة ذاتيتهم القومية عن طريق هذه الحملات " الثقافية " التى تعدها الدولتان العظيمتان اللتان تسيطران على التكنولوجيا وتراقبان الفضاء ، طالما ان كلامنا متخلف بالنسبة الى غيره ! ومهما يكن من امر ، فانه يحق للاقطار النامية ان تضاعف من جهودها وتبصرها للمحافظة على ثقافتها وان تفكر بجد فى محتويات الانظمة التربوية المقدمة لشبابها .
وهكذا فاننا جميعا ، سواء انتمينا الى الضفة الشمالية او الضفة الجنوبية للبحر المتوسط ، نجابه معا نفس المشاكل وتتهددنا نفس الظواهر .
فينبغي اذن ان ينهض كل منا بحضارته ويخصب الفوارق القائمة بيننا وفي نفس الوقت يجب ان نتعاون ، اى ان ناخذ ونعطي وان نتكامل وان يثرى بعضنا الاخر ، وان نناضل معا ضد كل شكل من اشكال التلوث الثقافي ، وان نتمسك
بما نشترك فيه ، اى برؤية موحدة للانسان ، ووعى مماثل لمصيره ، وبفلسفة انسية .
والواقع ان التعاون القائم بين تونس وفرنسا يعد صيغة من صيغ التعاون بين الغرب والشرق ومظهرا من مظاهر الحوار بين الشمال والجنوب ، اذ يتعلق الامر بجبهة ثقافية مشتركة للوقوف فى وجة الاخطار التى تتهدد حرية الانسان وكرامته وكمال ذاته فى كل مكان .
وليس ادل على ذلك مما يعانيه تصورنا للتعاون الثقافي السليم ، من مقاومة الماسكين بزمام الامبريالية الثقافية الذين يعملون ما وسعهم العمل ، باسم الشمول او التقدمية او الحداثة ، على بيع بضاعتهم الثقافية التافهة وفرض ايديولوجياتهم على الشعوب ، شعوب العالم الثالث بالخصوص ، وابقائهم بهذه الصورة فى منزلة المستهلك .
واود من ناحية اخرى ، وفى نفس هذا السياق ، ان اتحدث قليلا عن لغتنا القومية .
ان لغتنا القومية هي العربية هذا امر لا ينازعنا فيه احد ولا يمكن أن نقبل فيه النقاش مع أحد . وينبغى لنا كما اكده منذ لحظات السيد الوزير "ديجو" نفسه ان نعلم ابناءنا بفرنسا لغتهم العربية حتى لا يتعرضوا الى الانتزاع الثقافي والاستلاب . ولكن احرى بنا ان نعلمها لابنائنا بتونس بوصفها اللغة الام ، اي ان نعلم كل المواد بالعربية حتى يتمكن الشبان التونسيون من اتقانها ، والاعتزاز بها . فيتيسر بفضلها وعن طريقها ظهور الكوامن الخلاقة فى مجموع المجتمع التونسي ، على غرار كل الشعوب التى تمتلك لغة قومية . وارى شخصيا - وارجو ان اكون مخطئا فى هذا التأكيد اننا لم ندرك هذا الهدف . ان الشبان التونسيين اليوم يقرؤون ويكتبون العربية ، لاجدال فى ذلك ، بل ان عددا منهم يقرؤونها ويكتبونها بصورة مرضية ، ولكن كثيرا منهم عاجزون عن الخلق بواسطتها ، كما ان عددا من بينهم يترطن فى حياته اليومية " بفرنسية - عربية " تنم عن فساد ذوق ، فلنصدع بها جلية اذن : ان اللغة الفرنسية هي اليوم مسيطرة واسعة الحضور رغم انها على هامش الثقافة القومية التى هى أساسا عربية اسلامية ومتوسطية ، وبإمكان هذه الظاهرة ان تكون ايجابية طالما لم تخنق أصالتنا ولم تتعرض لغتنا القومية بسببها الى المنافسة والاستصغار .
ولكن اذا تجسم هذا الحضور - كما يخشى او ... يؤمل البعض - فى نهاية بضع عشريات في انتقال السكان تدريجيا وبدون شعور الى اللغة الفرنسية عن طريق ظاهرة التغطيس (Submersion ) كما يسميها الاخصائيون ، التى قد تكون شبيهة بما جرى فى بلاد الغال ( la Gaule ) منذ ألفي عام ، واذا نزلت العربية الى مستوى لغة فلكلورية قد تجاوزها الزمن ، واذا احست الأجيال الصاعدة بان اللغة الفرنسية اصبحت منافسة للغة القومية التى هى وطننا العقلى والوجدانى أو هي كما يقول عنها " هدفير " مسكن الكيان " والتي بها يتفاهم العرب من المحيط الى الخليج وبأسبابها يتواصلون ، اذ ذاك يظهر شعور بالحرمان والكبت وينطلق من أعماق الجماهير احساس اساسه الدفاع الذاتى ويتراءى فى الافق رد فعل قوامه كره الاجانب وبذلك نكون قد سرنا نحو الهاوية من حيث اردنا المبالغة فى تأكيد " التفتح اللغوى " .
واجتنابا لهذه القطيعة المتمثلة فى الانتكاسات التى يعطينا عنها التاريخ اكثر من مثال سخرت جهودى - فى موضع المسؤولية الذي أنا فيه - مع عدد كبير من البيداغوجيين والمثقفين قصد تعزيز لغتنا وانجاز التعريب التدريجى للعلوم الانسانية فى مراحل التعليم - الابتدائى والثانوى والعالى - مع العمل على تحسين مستوى اللغة الفرنسية باعتبارها لغة اجنبية ووصفها اداة ناجعة في أيدى الاجيال الصاعدة تساعدهم على معانقة عصرهم .
واود ان اطمئن بعض المتخوفين وأوضح ان التعريب ليس مرادفا للتقهقر من حيث المحتوى مثلما ان الخصوصية ليست بالضرورة محافظة وتقوقع . ان بعضهم ، عن جهل او عن سوء نية ، لا يحجم عن التعبير عن خشيته من الرجوع الى القرون الوسطى والجمود والتحجر كلما سمع بتعريب الفلسفة او التاريخ وانا لا ارد هنا على المنبتين والمستلبين ثقافيا ، بل اريد ان اهدىء من روع ذوى النية الحسنة الذين يلاقون صعوبات فى تهدئة مخاوفهم من ان يتسم التعليم بطابع "القروسطية" نتيجة للتعريب .
ان اللغة العربية التى يتكلمها اكثر من مائة واربعين مليون عربي ، والتى تنقل تراثا حضاريا عربيا اسلاميا يمتد على مدى 14 قرنا ، والتي اعترفت بها كلغة رسمية وكلغة عمل منظمة الامم المتحدة واهم المنظمات الدولية هي قادرة مثل كل اللغات الحية على التعبير عن كل المفاهيم والدقائق وعلى تبليغ كل المعارف ، إذا ما قدر مستعملوها على اتقانها وارادوا ذلك . انها تنتعش وتثرى وتماشى العصر بفضل ما يبلغه الناطقون بها من مستوى ثقافى وملكات خلاقة وبفضل قدرتهم على جعلها لغتهم الناقلة للعلوم والمعارف .
ذلك انه عندما يدرس استاذ تونسى فى سنة 1977 مادة التاريخ او الفلسفة بالعربية ، فانه لا يعتمد فى تعليمه هذا على الكتب التى اصفرت على مدى العصور ، بل انه يحرص على نقل المعارف وافكار عصره بأكثر ما يمكن من الايجابية ، على غرار زملائه بأروبا وبأمريكا أو بآسيا ، الذين يباشرون التعليم بلغاتهم القومية . ولكى تطمئن القلوب فى هذا المجال فان مجرد الاطلاع على البرامح الرسمية الجديدة لوزارة التربية القومية يكون كافيا شافيا ، ثم ان الاساتذة التونسيين الذين يتولون اليوم تدريس الفلسفة او التاريخ ، هم اولئك الذين كانوا يدرسون هاتين المادتين بالفرنسية .
ان اللغة الفرنسية التى يتواصل تدريسها فى المرحلة الثانية من مدارسنا الابتدائية وفي معاهدنا الثانوية ، وبالطبع في معاهدنا العليا ينبغى ان تمكننا من ان نكون دائما فى حالة تفاعل واتصال مع العالم الخارجي ، فهى اداة مساعدة ووسيلة احتكاك بالواقع المعاصر وبمشاكل عصرنا .
كيف يمكن تحقيق هذه الاهداف في برامجنا ؟ كيف نكون الشباب بطريقة تمكنه من اتقان العربية وممارسة الخلق فى نطاقها مع التضلع فى اللغة الفرنسية باعتبارها لغة وظيفة ؟ ذلك هو المشكل وذلك هو ايضا التحدي البيداغوجي الذي فرضناه على انفسنا والذى نامل ان نكسبه بمساعدة كافة المدرسين التونسيين وكذلك باعانة اصدقائنا من غير التونسيين . ولئن كان هذا الهدف صعب المنال ، فانه ليس خارجا عن طوقنا .
بيد انه ينبغى ان نكون صرحاء وألا نتجاهل العراقيل ، فهناك اتجاهان يقفان عرضة امام نظرنا هذه وطريقة عملنا ، ومن الضرورى التعرف اليهما للتخلص من تأثير التفكير التبسيطى الساذج الذي ينبعان منه .
هناك اولا السلفيون أولئك الذين ينظرون الى عالم اليوم من خلال مرآة الماضى المشوهة ويبلغ بهم الامر الى الدعوة الى الانطواء على الذات باسم الرجوع الى المنابع . ومن البديهي ان هؤلاء الناس لا يستطيعون مواجهة الحاضر فضلا عن مواجهه المستقبل . ثم هناك ادعياء التعصر الذين يندهشون اعجابا امام كل ما يأتي من الضفة الشمالية للبحر المتوسط ، فيقتصرون على محاكاة الاجانب وينزعون شخصيتهم عن طيبة خاطر ليظهروا بمظهر المتطورين ، شأنهم شان الاجلاف الذين يسعون الى الظهوز بمظهر المتنبلين . وهؤلاء هم الذين يؤكدون بوثوق كبير ان العربية لغة ميتة كاللاطينية وان الفرنسية هى وحدها التى تضمن
المعمرين السابقين والاستعماريين الذين لم يهضموا استقلال تونس والاقطار التى استرجعت سيادتها حديثا ويتكهنون بنهاية الثقافة الفرنسية فى هذه البلدان كلما وضعت سياسة التعريب اى سياسة التأصيل التربوى موضع التنفيذ .
ان هذا يذكرني بسلوك غلاة الاستعماريين قبل الاستقلال الذين أشرت اليهم فى مستهل حديثي ، وسلوك اصدقائهم " التونسيين " الذين باعوا انفسهم للشيطان وهم يتنافسون فى الانبطاح . لقد كان بورقيبة فى نظرهم عدوا لفرنسا ، اذ هو يكافح من اجل استقلال بلاده ، ذلك الاستقلال الذى كان بالنسبة اليه ، شرطا ضروريا لاقامة روابط صداقة وتعاون دائمين بين البلدين . كان هؤلاء الغلاة يعدون من بين الاصدقاء ، كل التونسيين الذين يحنون ظهورهم امامهم ، عن جبن او انتهازية ، ويتسابقون للحصول من اسيادهم على شهادة رضا بخصوص ولائهم " للوطن الام " . ولقد بين تاريخ تونس المستقلة من هم اصدقاء فرنسا الحقيقيون وأقام الدليل من جديد على أن حب الوطن هو وحده الذي يخول لنا إرساء أسس المحبة الحق التى يمكن ان نكنها لامم صديقة اخرى . اما " الحزكى "(1) الذين هم فى خدمة المستعمر ، أولئك الذين لا يتعزون عن أفول الازمنة الاستعمارية ، فانهم ما زالوا يشكلون عبئا ثقيلا يربك اسيادهم ويحرجهم . واذا كان لمقاومة التعريب فى أقطار المغرب العربى " حركيوها " - وهذه ظاهرة يمكن فهمها باعتبار ان كل جسم بشرى او اجتماعي يحمل معه طفيلياته - فانه من المؤسف ان نلاحظ ان الذين يحنون الى عهد الحماية مازالوا يخلطون بين التعريب وانقراض الفرنسية ، بين الاصالة والتاخر ، فلا عجب اذن ان يعتبروا هؤلاء الانصار الحقيقيين لتعاون ثقافى تونسى فرنسى سليم ودائم اعداء للثقافة الفرنسية وحتى لفرنسا ذاتها . وسيتكفل الزمن بفتح بصيرة كل الذين لا يرون الا اللحظة التى هم فيها .
ونحن فيما يخصنا ، لا نزال نعتقد ان تلقين كافة المواد بالعربية اثر الانتهاء من عملية التعريب التدريجى المنظم بقدر ما هو واقعي ، لا يتضارب مع دعم اللغة الفرنسية فى مدارسنا كلغة حية .
نحن نعتقد ولا نزال على اعتقادنا ان اللغة العربية اداة وظيفية لاكتساب المعرفة واعمال العقل والتعبير عن مكنوناته وتبليغ ثمار الفكر العميق وهي الى ذلك اداة لنقل العواطف والمشاعر والاحلام والحماس البشرى . واذا كانت اللغة العربية طوال عصور افول العالم العربي وعهود الاستعمار الذى جمد الثقافات القومية قد نقلت الاتباعية والجمود الفكرى ، واذا كانت فى زمن ما قد اكتظت فعلا بالمحسنات البديعية والتحذلق والتفيهق شأنها شأن كثير من اللغات الاخرى ، فانه من قبيل الخطا والاجحاف ان ننسى انها نقلت ايضا طوال قرون عديدة ، العقلانية وانها كانت لغة علمية رصينة دقيقة ومعبرة . لذا فان الامر يتوقف علينا ، نحن الاساتذة والمربين والعلماء والمبدعين والسياسيين والاقتصاديين والموظفين والمتصرفين . . لنعطيها ، بل لنعيد لها وظيفتها البيداغوجية ، ونرتفع بها الى مستوى الاداة العصرية الوظيفية القادرة على العمل والخلق ولنشحنها ايضا بالمثل العليا ، اى ان نوكل اليها مهمة الافصاح عن مشروع مجتمع جديد .
اننا نريد ان تتفهموا موقفنا : ان اللغة العربية ليست فى نظرنا مجرد صدى لاحساسنا بتاريخنا ولا مجرد تعبير خاص عن كينونتنا الجماعية ، انها ايضا وبدون شك اداة عمل ناجعة او أننا آلينا على انفسنا ان نظفر بذواتنا من خلالها في الزمان والمكان وان نسيطر عليها وان نطهرها من انساقها السطحية المتكلفة وان نعيد اليها مهمتها العلمية المضادة للجهالة ، حتى نكون على حقيقتنا وحتى نحافظ ونصون ذاتيتنا الثقافية .
ولكننا لا نفتأ نفكر ايضا ، وفي الاعادة افادة ، ان اللغة الفرنسية مساعد ضرورى ، وانه لاغني لنا عنها فى الوصول مباشرة الى الببليوغرافات وفي تسهيل الاتصال بالخارج وفي تنويع مصادر الاعلام . وفي هذا السياق فان اللغة الانكليزية ايضا ينبغى ان تدرس وان تقرأ من قبل تلاميذنا واطاراتنا .
كل هذا يجب ان يحثنا على تحسس الصداقة الفرنسية على صعيد الثقافة كصداقة بين ثقافتين متماثلتين فى القيمة متكاملتين تحققان فيما بينهما نوعا من التراشح المخصب وليس ثمة خارج هذا الاختيار الا الماضي المخنق المعقم او ابتلاع الاقوى للاضعف ، مع ما يتضمنه ذلك من عواقب سيئه تنذر بانتفاضات وارتجاعات مفاجئة . وعبثا يحاول السحرة الماكرون - محليين كانوا ام مستوردين - الاستيلاء على لغتنا القومية وعلى ذاتيتنا الثقافية فالواقع يسفه مسعاهم ، وان حكم التاريخ سيكون صارما .
ان كل تعايش لا يتم على اساس العدالة ، والوفاق الحر واحترام ذاتية الآخر انما يحمل فى باطنه بذور انحلاله وسرطان انقراضه وكذلك الشان بالنسبة لكل تعاون ثقافى لا يقرأ حسابا لتاريخ الشعوب الذين تشبعوا بالنزعة الانسانية واعتقد ان الفلاسفة الفرنسيين والبيداغوجيين الحقيقيين وكذلك رجال الثقافة الاحرار بفرنسا واوروبا يبذلون الجهد الكفيل باعانتنا على ان نكون على حقيقتنا وعلى ان نطالب بحقنا فى الاحتفاظ بما يفرق بيننا وبين الاخرين وفي انماء خصوصيتنا اذ بدون ذلك نكون نسخا مطابقة للاصل ، مقلدين للتافه من الامور وعلى وشك ان نموت اختناقا من جراء هذا " الاحتضان " الثقافي مهما كان "مثاليا" " واخويا " وبدون ذلك ايضا يتعذر علينا ان نكون اطرافا اكفاء اذ لا يكون عندنا ما نقول وما نعطي وما نبلغ . ان حجة "النجاعة" مثل حجة " السلطة " لم تكن ابدا مشروعة ، خاصة عندما نتحدث عن الثقافة وغاية ما فى الامر انها اضاعت الامل خلال القرون ، واطلقت العنان للمهانة .
ان الدفاع عن ثقافتنا القومية بابعادها العربية الاسلامية ، والحوار الصادق البناء الذى ننادى به مع الثقافة الفرنسية وبوجه اعم مع الثقافة الغربية - وكذلك مع الثقافات الاخرى - علاوة على مظهره المساعد المثرى بالنسبة الينا ، يمكن ان يفيد الغرب ايضا رغما عن الفوارق الاقتصادية والتكنولوجية .
انى لشديد الانتباه لما ينشر باوروبا وخاصة للدراسات الخاصة بمشاكل الحضارة . ولقد قرات عددا من المؤلفات والفصول للسيدين" موريس دريون " و" روبير مالى " اللذين استشهد بهما لحضورهما معنا . ولاحظت ما يعبران عنه فى مؤلفاتهما من حيرة بل ومن شعور بالضيق . ولقد خص " ريمون ارون " هذه الظاهرة بصفحات رائعة . كما ان" مالرو " لم ينفك يحلل حتى الممات ما اسماه بازمة الحضارة الغربية ، وان من بين الاستفهامات الممضة التى انطوى عليها كتابه الاخير (الانسان العابر والادب) ما يتعلق بمعرفة هل ان الغرب المصنع ما زال قادرا على افراز حكمة جديدة .
وبعد مرور خمسة وعشرين قرنا على موت افلاطون يتساءل اليوم عدد كبير من كبار المفكرين بلهجة واخزة الى ابعد حدود الوخز ، عن السعادة ومعنى الجهد . انهم يتساءلون عما إذا كان النمو الاقتصادى يضمن بالمفرده نشر السعادة والسلام بين البشر .
وبدون ان ندعي كما يفعل عدد من الغربيين انفسهم ان العالم الغربى مقلوب راسا عل عقب ، فضلا عن كوننا لا نستطيع ارجاعه الى نصابه ، فانه ليس من قبيل الادعاء ان نؤكد ان الشرق وان العالم العربي الاسلامى وان تونس بوسعها ان تساهم رفقة الشعوب الغربية فى تحريك العزائم ، وتأتى بما يشهد بطراوتها وان توجد لغة جديدة بامكانها ان تفضى الى حوار حقيقي بين الثقافات وتيسر تآلف الافكار .
إذا كنا جميعا بفضل قيمنا الروحية المشتركة واحساسنا الموحد بمعنى المغامرة الانسانية على اقتناع بان حضارتنا ، خلافا لتأكيدات " لانك " وغيره من المفكرين والاطباء النفسانيين العديدين ، ليست ضربا من ضروب الاسر ، ففي اطار وبأية لغة وكيف نرد الفعل ونناضل من اجل ان لا يكون الجسم سجنا والعمل عبودية والمجتمع اداة استلاب ؟ كيف نحرر الانسان ونتيجة لكل فرد ان " يرتاح الى نفسه " ان يعيش حياته ، ان يتفتح ، ان يتجاوب مع الاخرين في كوكبنا الذي يعتبره بعضهم" صخرة قردة " عظيمة ؟ كيف نخلص المواطنين من " مسالك الخردة المصهورة " التى اصبحت عليها شوارع المدن الكبيرة ؟ وهل من امل فى خلاص العمال مما قدر لهم من مد وجزر بين مكان الشغل وحافلات النقل والنوم ؟ اية ثورة ثقافية ينبغى القيام بها لمكافحة الالية التى فرضها التصنيع حتى لا يؤول العمل الى " استفراغ الدماغ " والقضاء على الانسان ؟ كيف العمل لمكافحة نزعة القطيع فى الاقتداء بالموضات والنزول بالثقافة إلى مستوى الاشياء ومكافحة العنف والمخدرات والانتحار وهي ظواهر تشهد اليوم انتشارا مقلقا فى الاقطار الثرية على الاخص ؟ كيف نتجنب خطر تمليص الفكر ، وخطر حضارة مضادة يكون فيها شطط العقلانية القاسية الايجابية المؤدية إلى التشاكل - غامرا اكثر فاكثر لنشيد الرقة والفن والايمان والحرية والحساسية والخيال والحب القادرة كلها على خلق المستقبل واختراعه واعادة استنباط الحياة ؟ . . .
ان الامر يتعلق بمشاكل حقيقية ارتبطت بطبيعة الانسان او فرضها ضرب من النمو . ولسنا في تونس وفي العالم العربى عنها بمنجى ولكننا قادرون اذا وحدنا الصفوف عل ان نتصالح مع انفسنا وان نواصل التقدم بالتنقيص من مصادر الضرر وبالعمل من اجل اقرار السلام والسعادة فى العالم .
بيد أنه ، ولا غني لنا عن التكرار ، لا يمكن القيام باي عمل جدى اذا ما استمرت ، ولو يشكل محتشم متستر ، الهيمنة الثقافية او حتى نية الهيمنة الثقافية . ولا نحاة لنا بدون اعتراف متبادل بفوارقنا الثقافية .
وخوفا من الظهور بمظهر من يمنع الصداقة من ان تتمتن اذ لا صداقة صحيحة دائمة الا برسوخها وانطلاقها من ارادة الجماهير الشعبية ، فانى لا اتردد مؤكدا بان المصاعب ما تزال ماثلة مع الاسف ومعرقلة لقيام الحوار الغربى الشرقى . وان جهلا بين الغرب والشرق ما يزال موجودا لاسباب تاريخية يدركها الجامعيون وكبار المثقفين حق الادراك ، فهناك التباسات خطيرة لم تتم ازالتها بعد ، بحيث يبدو الحوار الذى يتشدق به بعضهم سطحيا . ان " البترودولارات " تدفع كثيرا نحو الحوار فى بعض العواصم . ولكن الوجدان منعدم فى كل ذلك والنية ليست لوجه الله دائما .
ان العديد من"المهذبين" الذين يتنافسون فى الافصاح عن تفهم - جاء متأخرا ! .. - للعروبة والاسلام ، قصد استرجاع بكارتهم التاريخية يثيرون الحذر قبل اي شئ اخر . وحتى ذوو العزائم الطيبة ، اعنى المسؤولين السياسيين او الثقافيين الصادقين يقف امامهم هذا"الحجاب" التاريخي وهذا التكييف الثقافي اللذان صنعتهما القرون العديدة وراحا يفسدان تصور كل طرف للطرف الاخر . ان الاحكام المسبقة تحول دون الحكم الصحيح .
فلقد مضي عدد من المستشرقين والمؤرخين والموسوعيين منذ قرون يصورون العرب والمسلمين فى صورة مشوهة ويعطون عنهم فكرة مبتورة مجحفة ، فاثروا بذلك فى كثير من الاجيال فى الغرب ، وجعلوا هذا الاحتقار مشروعا واباحوا الاستعمار وحروب " التهدئة " وبرروا كل الاعمال التى اضطلع بها المبشرون والمأجورون والمعمرون من اجل " اسعاد " الاهالي رغما عنهم . ذلك ان صلف اليقين بتفوق الرجل الابيض مريح للضمير .
وأسوق لكم على سبيل المثال بعض ما كانت تقوله الموسوعات الالمانية عن بلادى .
فقد القى مؤخرا بتونس السيد " رينر ريمنشنيدر " ، وهو مؤرخ المانى ، محاضرة رائعة من حيث الصراحة والشجاعة بعنوان " شؤون وملذات . تونس فى الموسوعات الالمانية الصادرة من القرن الثامن عشر الى القرن العشرين ".
انكم تعلمون جيد العلم ، وانتم من انتم علما ومعرفة ، ان الموسوعات ليست جرائد تعتمد الاثارة او مجرد خزانات للمعارف ، بل هى على غرار موسوعة " دالمبير " و" ديدرو " وسيلة لتكوين الاراء يستقى منها الطلبة والباحثون
المعارف بكامل الثقة اذ تعتبر بمثابة كتب علمية ومراجع ثابتة . وفي هذه الموسوعات الالمانية نقرأ فصولا عن العرب والتونسيين والبربر تتناول بالحديث مدينة تونس دون الاشارة الى البلاد التونسية اذ لا وجود عند هؤلاء لامة ولا لسكان متجانسين ونجد فيها تمييزا بين البربر والعرب والاتراك واليهود الذين يمثلون تكتلات وفسيفساء من الاجناس ، وحذار ان يتبادر للاذهان انه يوجد شعب واحد منصهر العناصر !...
وفيما يلى امثلة من الاحكام على مختلف العناصر المتساكنة بتونس في القرن الثامن عشر مأخوذة من موسوعة " بروكهوس " الصادرة سنة 1818 (الجزء 1 - ص 8 -59 ) فصل " البربر " تقول : البربر متوحشون ، اشداء ، ذوو هيبة ورشاقة ، يتمتعون بقوة بدنية كبرى ويتحملون الجوع وكل اشكال الحرمان بسهولة . ولكنهم يكرمون الضيف ويتجول المسافر فى امان طالما كان تحت حمايتهم ، وهم لايطيعون ملوكهم الا نظريا لفرط تمسكهم بحريتهم ويحاربون الجنود المكلفين بجمع الضرائب .
أما العرب فهم " الشعب الاكثر عددا من بين شعوب افريقيا الشمالية ، وينقسمون هم ايضا الى صنفين : المغاربة سكان المدن ، والبدو وهم من الرحل الساكنين تحت الخيام . وهؤلاء هم احفاد المسلمين ، فارغو القامة ، اشداء ، ذوو قسمات وسيمة حية وعيون واسعة سود ، وابصار حادة ، وانوف معقوفة شيئا ما وأسنان منتظمة بيض كالعاج ولحى كثة وشعور سوداء ، وتلاحظ الموسوعة انهم يبغضون النصارى ولكنهم اقل مكرا وغشا من البربر أما "المغاربة" فتصفهم بانهم " حساد لا يؤمن لهم جانب قليلو المعاشرة ، منافقون قساة ، لا يعرفون حبا ولا صداقة ، بالاضافة إلى انهم كسالى عاطلون الى درجة انهم يجنسون طوال ايام ، الى الحائط متربعين وهم ينظرون الى المارة فى صمت كامل " . ويضيف فصل الموسوعة " لم يعد من اثر لتلك الثقافة الفكرية التى سموا اليها فى ظل حكم افضل فى اسبانيا خلال القرون الوسطى . وهم يتطيرون إلى اقصى حد ، وان مجرد امتلاك كتاب يعد فى نظرهم جريمة . ان "المغربي" لا يضحك مطلقا فهو جدى ومكبوت على ما يبدو ، يمسح على لحيته ولا تبدر عنه علامة فضول او حياة ، واكبر متعة لديه هي الذهاب الى الحمام وترشف القهوة والاستماع الى الحكايات " .
ثم نأتي الى الصنفين الاخرين ، اليهود والاتراك " الذين هم حسب موسوعة " بروكهوس " لصوص من اسوء الانواع وخلاصة الاجرام الدولي قد حولوا البلد
الى مسرح للجريمة والبؤس وجعلوا منه وكرا حقيقيا للقتلة . وقد تسببوا فى ما اصاب الحضارة من أفول عام اذ نظموا اللصوصية والاتجار بالبشر وقد باؤوا بكراهية السكان الاصليين الذين يعانون من جبروتهم "
تلك اذن بضعة أحكام استقيناها من هذه الموسوعات التى تنعت بالعلمية والتي اثرت في كثير من اجيال المدرسين والمثقفين الاوروبيين . وبما انه ينبغي ان نشرب الكاس حتى الثمالة ، لنذكر ايضا ان موسوعة " زدلر "(ج 45 - سنة 1745 فصل : تونس) قد اصدرت بخصوص المرأة التونسية احكاما لا يقبلها العقل ولا يمكن حملها حتى على سبيل الفكاهة . تظهر موسوعة " يزدلر " اذن مدينة تونس " كبؤرة للشهوات وتصف عادات النساء الموسرات عند استحمامهن فى البحر وكذلك الشوارع التى تعبق فيها العطور المنعشة عندما يعرض اصحاب الحوانيت منتوجاتهم في المساء . يضاف الى ذلك اريج اكليل الجبل والاصماغ ونباتات عطرة اخرى تحرق فى كل المواقد فتطهر كالبخور ، الهواء العفن المغثى المنبعث من القنال الذى يخترق مدينة تونس " . وتمتدح موسوعة "زدلر" كثيرا خصائص "اللازيس"( Lasis ) وهو منشط جنسى يثير شهوة الرجال ، وتؤكد انه"من اجل ذلك تطعمهم نساء تونس اياه فى الكثير من الاحيان " ثم تشرح مفعول هذا المنشط كما يلى : " انه طعام يعد فى تونس اسمه "لازيس" يمكن ان نسميه ايضا " لاشيش (حشيش؟) عن الكلمة الالمانية Lachen) )بمعنى ضحك اذ ان الذى يتناولة ياخذ فى الضحك بصورة غير عادية وينهمك في المزاح ، ويثير ذلك فيه شهية للأكل بحيث انه ياكل اكثر مما ياكله ثلاثة اشخاص مجتمعين وفوق ذلك فان " الحشيش " يحرك الجنس لذلك تقدمه النساء للرجال ".
ولكن موسوعة " زدلر " تنبه قراءها : " المرأة في تونس مصابة الى حد كبير بالامراض التناسلية " ويعلق الاستاذ " رينر ريمنشنيدر ، على ذلك بقوله : "لا ينبغي استنقاص اهمية مفعول هذا الخبر على القارىء فى عصر لم تظهر فيه البنيسيلين بعد ، وتحتل فيه علامة الافة ومداها وسلسلة الفصول عن مختلف الامراض التناسلية واعراضها والاجراءات الوقائية ووسائل العلاج وطرقه اكثر من 100 صفحة في موسوعة " زدلر "(ج 46 - 1745 ) .
تلك أمثلة بسيطة وانها لكثيرة بلا ريب فى عديد من البلدان الاخرى وهى تشرح انماطا من السلوك لم تزل قائمة الى اليوم ، اذ يفتتن الكثير بما هو غريب عنه وبالرشاقة الفلكورية لدى الاهالى ، كما يلحون فى ابراز طيبتهم
وتلقائيتهم وحتى كرمهم ، ثم يمرون الى الامور الجدية اذ انهم راسخون فى عاداتهم الفكرية وفى شعورهم المريح بتفوقهم وبصفاء الضمير .
استخلص شخصيا من هذا ما يلى : ان مهمتنا التربوية وان نضالنا من اجل ثقافة انسانية الاتجاه وان عملنا من اجل اقرار الصداقة والسلام بين البشر لا تبلغ الهدف ما لم نتفق جميعا فى تحليل الاحداث والاحكام المسبقة والاوليات التى تميز العلاقات الحالية بين الشرق والغرب وما لم تكن لنا العزيمة الراسخة لتغيير الوضع باجتثاث اسبابه العميقة . ومن جملة الاعمال الواجب القيام بها اضع فى المقام الاول مراجعة برامج التعليم ليس فى العالم الثالث فقط بل وبالخصوص فى الاقطار الغربية ، وخاصة برامج التاريخ الذي يتعين اعادة كتابته وينبغى ايضا مراجعة الموسوعات وازالة ما فيها من طعوم العنصرية والجهل وهذا عمل عظيم يتطلب طول النفس من اجل ارساء صداقة دائمة بين البشر على قواعد قوية .
وهناك ايضا خطر اود شخصيا الاشارة اليه وهو يتراءى لي من خلال عدد من الفصول يكتبها مثقفون اكفاء يعترفون اليوم بضرورة فتح حوار بين الشمال والجنوب ويؤمنون فى صدق بتكامل الثقافات ولكن خضوعهم لضرب من التاريخ وتكيفهم به جعلاهم يتصورون انه لا بد لهم ان ينسبوا الى كل حضارة سمة واختصاصا مميزا . وهكذا يميز " هنرى دى لا باستيد " اربع حضارات عالمية كبرى ، واشد من ذلك سبوءا انه يعين لكل منها قيمة خاصة : الفكر لاوروبا ، والكلمة للعالم العربى ، والرمز للصين واليابان والايقاع لافريقيا (انظر جريدة " لوموند " 7 نوفمبر 1975 . ألا ان كل هذا مغاير للحقيقة وخطير .
فالناس متساوون ولهم نفس القدرة على اكتساب نفس القيم وعلى الانصهار فيها .
ان الشعر والموسيقى والفلسفة والعلم ليست وقفا على شعب دون آخر والتاريخ هو الذي يكيف الناس ويشرح التاخر الفني او العلمي لدى هذا الشعب او ذاك . فالتاكيد بان الفكر من خصائص الاوروبيين وان الافارقة ليسوا موهوبين الا فى " التام تام " (tam tam) مجحف صادم . وهذا الاروبي عضم - الخبير فى الايقاع والعارف ... للحكاية ، قد اتى بتكذيب دامغ لهذه التأكيدات التى لا تستند الى اصل .
يقول " بيجار " ليس الطفل الغربي باقل استعدادا للرقص من طفل افريقي او هندى . ليس ثمة مواهب عرقية . يقال مثلا : " ان الايقاع يجرى فى دم الزنوج " . انها للحماقة الكبرى ، فالايقاع ثقافة تكتسب ، ولقد قمت بتجربة فى هذا المجال خلال تربص مع جماعة من الهواة من بين الذكور والاناث من مختلف الحرف ولم يمارسوا الرقص بتاتا . وكان من بينهم زنجي من الكنغو ولكنه ولد فى بلجيكا وتلقي تربيته كبلجيكى متوسط . ولقد ابدى هذا الزنجى خلوا من الايقاع لا يصدق . اذ كان اقل المشاركين استعدادا للرقص مما اثار استغراب الجميع : ماذا جرى ؟ هل مو مصاب بعاهة ؟ لم لا يرقص كبقية الزنوج ؟
وانها لفكرة عنصرية تلك التى تذهب الى الاعتقاد والقول بان الزنوج يمتازون فكذا والبيض بكذا . . هذا غير صحيح . وانا مقتنع واعلم جيد العلم بان الاجناس كلها متساوية وليس هناك الا فوارق ثقافية . فالزنجى الذى يعيش فى وسط زنجي يسمع فور ميلاده " التام تام " وحين يبلغ الرابعة او الخامسة من العمر يجرى الايقاع فى عروقه أما إذا سمع موسيقى إذاعة بلجيكا فانه يشبه عندما يكون فى الخامسة اى طفل بلجيكى . وبنفس الطريقة اذا تربي طفل ابيض فى اطار ايقاعى فان الايقاع يصبح جزءا من كيانه" .
ان الاستعمار والعنصرية والامبريالية الايديولوجية ، بالخصوص ، ليست غريبة عن استلاب الشعوب التى تنعت بالمتخلفة وعن تجمد مثقفيها . لكن الرجال هم الذين يصنعون التاريخ وهم الذين يحررون فى اخر الامر انفسهم ويحررون طاقات الخلق والابداع فيهم .
تلك هي جملة من الخواطر اوحى الى بها موضوع هذا الملتقى . وآمل ان اكون قد اسهمت في شق الطريق نحو تعاون سليم بين بلدينا ونحو فتح حوار حقيقي بين الشرق والغرب يقع تصوره فى اطار مصيرية التاريخ ، بعيدا عن كل الاعراض او الاعتبارات المصلحية العاجلة ، اذ ينبغى ان تكون لنا رؤية مستقبلية وفكرة واضحة عن العلاقات التى ينبغى ان تسير العالم وان لا نتردد فى التشهير بكل الخلافات المبنية على سوء التفاهم وبذور الحقد والبغضاء .
ان رائدنا فى كل ما نقوم به من عمل يجب ان يقوم على الحفاظ على كرامة كل منا والحرص على تساوينا فى الاسهام بقسط متعادل فى تراث الانسانية المشترك .
