الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "المنهل"

من أدب الرسائل, ( ٤ ) من طيات القلب

Share

لست أدرى ما الذى يحملني على الكتابة اليك وانتى اخشى على نفسي من أن يكرن حديثي اليك بدء مغامرة لا تنتهي الا بعد ان يجرف قلبي الكسير وتحطم فيه بقية ما تركته الأيام من عروق وشرايين لا تستطيع العمود امام هجمات العاديات التى تأتى على القلب القوي فتجرف فكيف بأخيك الذي تعرف منه رقة الشعور ودقة الاحساس

على ان الذي اعرفه من نفسي الآن هو شعورى بالوحدة والمرض فهما اللذان يوحيان الى بالتحدث اليك والاكثار من الحديث .

لقد خرجت من المستشفى هائما على وجهى لا ألوى على شئىء وتسأل نفسك وبعبارة تسألني عن معنى بقائى فى هذا البلد الغريب الى بعد ان خرجت من المستشفى ، ولكني على رسلك . فالعلاج لم يتم ، وان كنت فارقت جدران المستشفى فارقت أيضا بين تلك الجدران ذكريات جعلتني احن الى ذلك المكان النائى من بيروت جعلني أيضا اعرف معاني من الحياة ما كنت اتصور أن المها وأنا على سريري اتنوى من المرض واشكو الى الله سبحانه وتعالي غربتى وبعدى عن الأهل والوطن

ولو رأيتنى لوجدتني اتحسر وانفث الزفرة تعقبها الزفرة . وكنت ازاء غصص الألم  احار ولا اجد لى مخرجا غير نظرات مليئة بالشوق ارسلها فى الفضاء وان حسرتى ليست - أيها الحبيب - كحسرتى وزفراتي التى كنت تعرفني

بها حينما كنت بين يديك . ولكنها حسرة تمثل معنى النفس الحزينة وزفرة هى كل ما في القلب المحطم من ألم وامتعاض .

وشىء آخر يلذ لي جدا ان احدثك عنه فقد خرجت من المستشفى وانه احمل فى جيبى عشرين ورقة سورية وقروشا معها . دفعت عشرة منها الى مؤلف كان أخي . أخذ منه كتبا . تصور انه لم يبق معي غير عشرة وهي إذا أعتبرتها بالعملة العربية السعودية لا تساوى اكثر من خمسة عشر ريالا . رفعت برقية لسيدي العم اطلب فيها دراهم قضت على ثلث المبلغ . ومن ثم فانى بقيت احرص فى اكلي حتى لا افقد ما بقى لدي من وقود الحياة . وقد ابت عزة النفس أن اتداني لطلب صديق . فكنت فى ثورة بل فى ثبرات لا استطيع تصوير مداها غير انها محنة من محن هذه الأيام

كنت في صباح يوم امس لا املك غير ما يكفي لافطارى . . حتى تسلمت برقية سيدي العم . فكان ما كان .

دعنى من ناحية البؤس والشقاء فهي سحابة من نكد تمر بي وما اكثر ما تمر ولأعد بك الى حديث الذ منه واحرى فى أن اندمج فيه لاسرى عن نفسي بعض همومها : أو ازيل عنها بعض آلامها ، أو اريحها من عناء ما تجده فى هذه الحياة الجارفة . لقد حرصت بعد خروجى من المستشفى أن القى صديقا عزيزا كنت رأيته في هذا البلد وحقا انني كنت سعيدا جدا بلقاء هذا الصديق الذي آنسني في وحدتى وقضى معى أياما حلوة كنت فى خلالها قلقا كشجرة صغيرة فى مهب الريح لا تستقر على حال .

وحينما تلاقينا قال صاحبى وقد اغرورقت عيناه بدمع الفرح وافتر ثغره الحلو ببسمة الرضى عن لقائنا الجميل من بعد أن اقصانا القدر فجعلنا نضرب فى الأرض مشرقين ومغربين .

وقد كان لقاؤنا جذابا استهوى نفسينا الى ذكريات لذيذة سالفة قضيناها من زمن الشباب العذب فى اجتماع وأنس وسرور لا نذكر عاديات الزمن ولا نائبات الأيام نسرح ونمرح خالين من كل اعباء الحياة لا نفكر في غير لذتها ولا يحمل القلب غير حب الحياة والاستمتاع بها حلوة غضة ننظر اليها بمنظار واحد ونرمقها بعين مطمئنة لا نعرف فيها غير السرور ولا نعلم عنها غير الجذل والابتهاج . لقد كل قلمي أيها الصديق وتعبت يدي فالي اللقاء معك في القريب العاجل ان شاء الله وسلامي اليك والى احبابك واصفيائك ودم لأخيك

اشترك في نشرتنا البريدية