لكل آلة من آلات الموسيقى طبع خاص ولون أو ألوان من التعبير.
فى العود دقة بيان . . . ينزع نزعة التحليل والتفصيل . . . ينقر على صفحة القلب نقرأ . . دقا حزا ، وكأنما همه أن يعرض النفس فى تعددها وكثرتها . . فى تفاصيلها ودقيق أحوالها . . بحثا وجوسا فى زواياها ، ولا يقطع عليك مع ذلك طريق الوحدة والشمول.
فى " البيانو " هيبة وجلال . . مسحة من النبل والوقار حتى فى رقته ولطافته وتبسطه وانشراحه .
بليغ قاهر البلاغة لكن فى شئ من الضبابية والابهام وكأنه قد اختص دون غيره بالجانب الحالم المعتم من الطبيعة والانسان
ليس أصدق منه ايحاء بحركة الماء - وكل ما أشبه الماء - فى رقرقته وانسيابه . . فى تموجه وجيشانه كأن بينه وبين البحر والجداول والانهار نسبة حميمة وقرابة واشجة.
أما الناى فلقد دق نغما ورق حتى لكأنه شف ونطق . تصغى الى انينه وشكواه فتتمثل لك القصبه خزفا لطيفا مترنما يشهق وينوح يكاد يذوب لوعة وحنينا . . خزفا رهيفا فى منتهى اللطافة . . كائنا هوائبا صوت ولا آلة روح ولا جسد ، فتتحسس فى شغف ولذة مسامه الناطقة بالسحر، وكأنك تبحث عن كنه سره وموطن اعجازه،
لهو صوت النفس فى بساطتها وغموضها ، فى قربها وامتناعها ، فى شدة خفائها وظهورها . . .
قد توسط المادة والروح . . واستوى بين الارض والسماء يعرج من هذه الى تلك فى خفة ويسر ، ويدعك معلقا بينهما مقسما .
وأما الكمنجة فليس بين الآلات كافة ما يضاهيها فى مرونتها وسرعة تلونها وعجيب تقلبها بينا هى تروعك أبهة وفخامة . . رهبة ووقار اذا هي تفجأك بمرحها ودعابتها وضحكتها الخفيفة عبثا طفوليا نزقا وطيشا فهى المعربدة الخاشعة والقديسة الماجنة سرعان ما تنحط من علياء روحانيتها الى قرار الشهوة الثائرة والغلمة المستفحلة كأنها وسعت الآلات جميعا واستوعبت خلاصة معانيها ومنتهى طاقاتها ثراء واقتدارا تفننا وابداعا.
آلات متعددة شتى لكل منها لغة وأسلوب ولكل قيود وحدود غير أن ليس بينها واحدة ، مهما تكن بسيطة متواضعة ، الا تجاوزت طبعها وتسامت عن ذاتها وتخطت أقصى منازل التعبير اذا وقعت فى يد العازف العبقرى حتى كأن مجرد لمسة الاصابع تبدل كيانها تبديلا وتجعل منها فى طرفة العين شيئا بدعا لا عهد للسامع به ولا خطر في قلبه يوما .
