فى مجلس سمر ، من أسمار رمضان ، ضم ثلة من ذوى الفكر الناضج ، والرأى السليم ، والقلم البارع ، أورد جليس لهم- بالمناسبة - انه قدم اليه (( سؤال )) من مواطن ، عن أصل قبيلة (( خزاعة )) أهى قحطانية أم عدنانية ؟ وقال لهم:انه لكى يجيب هذا السائل على سؤاله التاريخى ، جوابا علميا شافيا رجع الى المصادر التاريخية العربية القديمة ، فوجد بينها اختلافا كبير اواسم المدى في اصل هذه القبيلة التى سبق لها في الجاهلية ان تولت سدانة الكعبة حتى أجلاها قصى عن مكة ، وتولى هو وخلفاؤه من قريش أمر سدانة البيت العتيق وتنظيم شؤون مكة ، فى قصة معروفة ..
طائفة من مؤرخينا القدامى جزمت جزما باتا ، بأن خزاعة تنتمى الى عدنان ، وقدمت للقارىء عمود نسبها الى عدنان على هذا الاساس . وطائفة منهم جعلت خزاعة قحطانية الاصل ، وقدمت سلسلة نسبها الى قحطان على هذا الاساس ..
هى أقوال وأقوال مجردة من المستندات العلمية المثبتة لهذه النظرية أو تلك . .
قال صاحبنا : وهكذا رجعت من رحلة بحثى عن أصل خزاعة بخفى حنين . بل أن الامر ازداد لدى غموضا ، وتسربت الى ،الحيرة فى هذا الشأن من كل مكان كنت أخال أنه سيكون منبثق الضوء والانارةوالتحقيق حيال السؤال المقدم .. وأخيرا أبديت للسائل انى أرجح أن تكون خزاعة قحطانية الجذم ، وقدمت لذلك ما أمكننى من المرجحات الطفيفة الخفيفة فى الميزان ..
وأضاف صاحبنا قوله : وعلى هذا فمن رأيى حيال هذا الاضطراب الشائع فى نصوص تاريخنا القديم ، مما لا يمكن معه الجزم اليقينى بشىء علمى مؤكد فانه ربما
يحسن بنا أن نعالج هذا الوضع باسلوب علمي حديث ، خاصة وقد انفتحت أمامنا سبل البحث ان وجد لدينا علماء الآثار وولد علم الآثار ، رافدا ورائدا لعلم التاريخ ، وبلادنا مملوءة بالآثار ، فاذا علينا لو ادرنادفة البحث عن الحقائق التاريخية المضطربة الى استجلائها من طريق البحث الاثرى نظريةوعمليا وتعزز هذا الاستجلاء بصحيح الاخبار، ونقارن ونتأمل ونستنتج . ونعرض نتائج ما توصلنا اليه على علماء الارض المتوافرين .. وهذا الترتيب الاصيل الحفيل منوط تحقيقه بانشائنا (( مجمعا علميا أثريا تاريخيا لغويا )) يجمع في اطار عضويته من لهم سابقات بحوث ودراسات قيمة في هذا الميدان ، وتهىء لهم الدولة من وسائل (( التفرغ )) و(( الانتاج )) ما يهىء لهم وسائل النجاح المنشود فيما يعالجونه من بحوث تاريخية فى تقاريرهم ومؤلفاتهم ، أسوة بما تقوم به الدول والامم الناهضة التى تعنى برفد مجدها الطريف بحوافز علمية محققة مصفاة من حقائق مجدها التليد ..
وأضاف صاحبنا المتحدث قوله : ان هذه فرصتنا الثمينة اليوم فلا يحسن بنا أن نضيعها ولا يجمل بنا ان نفوتها .. بل ان فى تضييعها وتفويتها خسارة علمية وأدبية فادحة . . بالنسبة لتطورنا الحاضر وبالنسبة لما ترجوه الاجيال المقبلة منا من ايجاد أسس سابقة . . وما يولد اليوم صغيرا وضئيلا يكبر غدا ويشتد ساعده ، ويعتدل قوامه وتضخم جذوعه ، وتسمق فروعه خصوصاوان ظاهرة الاستئثار العلمى والادبى التي كانت طاغية من بعض الاقطار العربية على كثير من الاقطار العربية فتحرمها حتى من استثمار جهود ابنائها فى حقول العلم والادب والمعرفة ، قد انطوى ظلها ، وانجاب ضبابها ، وخفت وقدة حدتها ، وهانت شدتها .. فعلينا الانطلاق فى أجواء العلم الرحبة بنفوس رحبة ، وأفكار واعية ، وهمم عالية ، الى أهداف سنية ومرضية ..
والى هنا رأيتنى أتأمل ملامح وجوه الاخوة الحاضرين .. فاذا بها وقد ارتسمت على صفحاتها بوارق مشرقة من الامل العريض المعبر عن المشاركة الايجابية في هذه الفكرة البناءة ، وحيال تحقيق هذا الحلم الكبير .

