الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

من أصداء الحضارة الايرانية، فى قرطاج

Share

تحدث هيرودوت طويلا عن تاريخ الفرس وحضارتهم وجذورها فى أعماق الماضى السحيق . وأثبت هذا المؤرخ اليونانى أنه فى تاريخه للفرس عاد الى كتب فارسية عرفت بالثقة والموضوعية ولم يكن أصحابها من الذين يشدون مآزرهم لمدح الملوك والاشادة بأعمالهم وان كانت غير خليقة بالاشادة .

ولقد عظم شأن الامبراطورية الايرانية وتالق نجمها عاليا فى السماء بداية من القرن السادس قبل ميلاد عيسى عليه السلام . ومما جاء فى تاريخ هيرودوت أحداث لها علاقة متينة بالاصطدام العنيف الذي شب بين الحضارة الايرانية والحضارة اليونانية فى الخمس الاول من القرن الخامس قبل الميلاد .

ففي سنة 490 زحف الجيش الايرانى على السواحل اليونانية فتصدى له بنو اليونان وكانت معركة عنيفة فى منطقة مراتون Marthon الواقعة على بعد 42 كلم من مدينة أثينا . وتثبت النصوص اليونانية أن النصر كان حليف الجيوش الاغريقية . وانطلق اثر الانتصار جندى يونانى قصد أثينا جريا ليزف بشرى النصر الى الذين حكمت عليهم الظروف بالبقاء فى المدينة من نساء وشيوخ وأطفال .

وتثبت الرواية أنه قطع المسافة جريا من الميدان الى المدينة ونجد كلمة "مراتون " فى لغة الرياضيين ولاشك أنها تشير الى ما قام به الجندى اليونانى عند قطعه المسافة الفاصلة بين ساحة الوغي ومدينة أثينا .

واصطدم الجيشان ثانية فى وقعة سلامين ، Salamine وسلامين جزيرة يونانية تداعبها مياه البحر قرب شاطئ أثينا . وأشادت النصوص اليونانية بانتصار اليونان بالرغم من تفوق الفرس عددا وعتادا . وتذكر بعض المصادر أن الجيش الايرانى كان اذ ذاك معززا بالاساطيل الفنيقية . ومعلوم أن المدن

الفنيقية كانت في ذلك العصر خاضعة لصولجان كسرى ولقد تسلط الايرانيون عليها بعد سقوط الامبراطورية البابلية الجديدة سنة 539 قبل الميلاد وأصبحت البلاد الفنيقية ، نتيجة ذلك مقاطعة ايرانية . فكان ملوك المدن الفنيقية يمثلون الملك الايرانى فى مدنهم فبالامتثال يبقى الملك الفنيقى على عرشه وان لم يفعل سقط وبات العرش لممتثل مطواع .

كان الايرانيون يسوسون البلاد الفنيقية عن طريق ملوك فنيقيين ولعلها هي الطريقة الذكية التى لا تكلفهم عناء كبيرا . فلا شك أن المدن الفنيقية كانت تترقب فرصة الانتفاض للتخلص من سيطرة الايرانيين لكنها مع ذلك تفتحت على حضارتهم . فالتقت الحضارة الفنيقية بحضارة ايران فكان اللقاء مثريا بل قل ان الحضارة الفنيقية تفتحت لبعض العناصر الحضارية الايرانية كما تشهد به المعالم والتحف الاثرية التى كشف عنها الغطاء خلال حفريات انجزت بصور وجبيل وصيدا وغيرها من المدن الفنيقية . ولقد تجاوز تأثير الحضارة الايرانية حدود المدن الفنيقية الشرقية حتى أدركت شواطئنا كما سنحاول ضبطه فى الصفحات التالية بمثال واحد بسيط

عثرنا فى خرائب مدينة كركوان الواقعة بالوطن القبلى على قطعة فى فخار لها زوايا أربعة . ولقد رسم عليها قبل ادخالها الى الفرن صورة اله ممتطيا فرسا بحريا (1) . والفرس البحرى حيوان خيالى نصفه الامامى صورة حصان ومؤخره  ينتهى بذيل سمكة فله اذن ميزات الحصان وله ميزات السمكة بزعانفها ذكرنا  أن مؤخره ينتهى بذيل سمكة لكنه ذيل خيالي بل قل صورته لا تخلو من مسحة فنية اذ هو يشبه فى شكله زهرة الياس

ففي القصص الميثولوجية يمتطى اله البحر غالبا عربة تجرها جياد بحرية كما نشاهده على ألواح الفسيفساء . ولنا منها أمثلة بديعة بصورها والوانها معروضة فى قاعات متاحفنا بباردو وسوسة والجم وغيرها .

وقد يمتطى الاله الحصان البحرى مباشرة وهو معروف فى الفن اليونانى كما تشهد به صورة رسموها على جوانب كوب مطلى بطلاء أسود . والكوب من صنع اليونان ويعود صنعه الى القرن السادس قبل الميلاد . وهو من معروضات متحف اللوفر Loure بالعاصمة الفرنسية . وجاءت لقية كركوان تثبت

أن البونيقيين صوروا اله اليم عندهم ممتطيا الفرس عاريا على غرار ما شاهدناه على الكوب اليونانى .

فنحن لا نريد وصف القطعة الفخارية التى عثرنا عليها فى خرائب كركوان وصفا دقيقا . ولقد قمنا بدراستها وتحليلها فى مقال نشرته مجلة " افريقية " يصدرها سنويا المعهد القومى للآثار والفنون (1) . بل أريد الاكتفاء نظرا لموضوعنا اليوم بالتوقف عند القلنسوة التى لبسها الاله البحرى بمدينة كركوان . فهى قلنسوة اسطوانية الشكل وهى ميزة سنركز عليها اهتمامنا فى هذه الدراسة المتواضعة .

لبس اله اليم بكركوان قلنسوة اسطوانية الشكل اذن ولقد لوحظ هذا النوع من القلانس على رأس كاهن نجد صورته منقوشة على نصب معروض في احدى قاعات متحف باردو (2) . وتم اكتشاف هذا النصب البونيقي سنة 1921 وبفضل اكتشافه تمكن الاثريون اذ ذاك من العثور على معبد التوفات ذلك الذي كان مقصورا على عبادة بعل حمون وزوجته تانيت . وكان البونيقيون يقدمون اليهما ضحايا بشرية عثرنا على بقايا عظامها المحروقة فى قوارير مدفونة فى بطن التوفات . ومعلوم أن البونيقيين كانوا يلجؤون غالبا الى القرابين التعويضية حيث يقدمون كبشا أو ثورا مقابل الضحية البشرية أو قل فدية للطفل او الطفلة . والملاحظ أن الكاهن الحامل على رأسه قلنسوة اسطوانية الشكل نراه يحتضن طفلا صغيرا ولعله يتهيأ لتقديمه لاله التوفات أى لبعل حمون .

اما القلنسوة التى لبسها الكاهن المنقوش على نصب التوفات فهي تشبه التى لبسها اله البحر الذي رسمت صورته على قطعة الفخار المثور عليها في خرائب كركوان كما أسلفنا . فعلى الدارس أن يفتش عن اصل هذه القلنسوة فشكلها بسيط لكنه غريب بالنسبة لما عهدناه فى القلانس اليونيقية (3) فمن أين أتت ؟ ومتى اصبح البونيقيون يعطون للآلة والكهنة قلانس اسطوانية الشكل ؟

قد تكون من تأثير ليبى وبذلك يكون البونيقيون مدينين الى الحضارة الليبية النوميدية . وقد تكون القلنسوة الاسطوانية دخلت قرطاج عن طريق اليونان او غيرهم من الشعوب المجاورة . وبعد البحث واستنطاق الوثائق تبين أن لا علاقة لها باليونان ولا بالليبيين ولا بالاترسكيين ولا بغيرهم من الشعوب المجاورة لقرطاج .

وطبيعي أن يعود الدارس الى المدن الفنيقية التى ساهمت فى تأسيس قرطاج وسبك حضارتها . وطبيعي أن يفكر الدارس فى تأثير فنيقي قبل أن يفكر في تأثير يوناني مثلا ، باعتبار أن أهم عناصر الحضارة البونيقية منحدرة مما نسميه حضارة فنيقية أى تلك التى تميزت بها المدن الفنيقية كصور وجبيل وصيدا وغيرها . فاذا أردنا التعرف اذن على مصدر القلنسوة الاسطوانية عدنا أولا وبالذات الى المدن الفنيقية لفحص الرسوم البشرية والالهية التى نقشت على الحجارة أو المعدن او العاج الى غير ذلك من الادوات وننظر فيها مليا علنا نجد ما قد يشبه القلنسوة التى تهمنا . تلك هى على كل الطريقة التى توخيناها عند دراسة لوحة كركوان .

ومن الثابت أن القلنسوة الاسطوانية معروفة فى المدن الفنيقية . نجدها على بعض النصب الجنائزية كما نجدها على بعض النقود التى سكت بصور وصيدا . وتجدر الملاحظة أن هذه القلنسوة الاسطوانية لم تبرز فى المدن الفنيقية الا خلال القرن الخامس قبل الميلاد وانتشرت فى عهد تسلط الفرس فيه على السواحل الكنعانية .

ولما كانت القلنسوة الاسطوانية معروفة فى بلاد الفرس قبل أن تبرز فى المدن الفنيقية . ولما كان بروزها فى الاوساط الفنيقية معاصرا لسلطان الفرس على الفنيقيين فليس من الاعتباطى ان نفترض دخولها فى عالم الفنيقيين بدخول الفرس بلادهم وكانت تلك القلنسوة من لباس الملوك والآلة عند الفرس . فكان ملوك برسيبوليس Persepolis يلبسون القلنسوة الاسطوانية وتعرف عند القدماء باسم سيداريس Cidaris . وكان الاله أهورا مزدا Ahura Mazda يحمل على رأسه نفس القلنسوة .

ولما تأثر الفنيقيون بالحضارة الفارسية وأصبحوا يقلدون أسيادهم في حياتهم اليوميه وفى لباسهم فلا غرو أن يختار ملوكهم وآلهتهم القلنسوة الاسطوانية . لقد أشرنا الى دخول هذا اللباس عالم الفنيقيين ولاحظنا وجود

النصب والنقود الشاهدة على ذلك . لقد كشف الغطاء فى خرائب أم العوامد (1) بلبنان على نصب رسمت عليه صور أشخاص يحملون على رؤوسهم القلنسوة الاسطوانية ومن أشهرها نصب عرف باسم " بعل يتون " ولعله اسم الشخص الذي نراه مرسوما على النصب(2) . ولنذكر أيضا فى هذا الباب نصبا تحلي بصورة الملك الفنيقى " يخملك " عاهل جبيل . وهو ماثل بين يدى الاله عشترت وعلى رأسه قلنسوة اسطوانية (3) .

أما فى باب النقود فنجد القلنسوة الاسطوانية على رأس الاله ملقرط وصورته منقوشة فى رأى بعض المفسرين على نقود ضربت بصور والملاحظ أنهم رسموه ممتطيا فرسا بحريا وفى ذلك على ما يبدو اشارة لمكانة البحر فى دنيا الفنيقيين ومشاغلهم .

فالقلنسوة الاسطوانية والاله الفارس عنصران يعودان بنا الى لوحة كركوان التى شاهدنا عليها اله البحر راكبا فرسا بحريا وعلى رأسه قلنسوة اسطوانية قصورة كركوان تشبه صورة النقود الفنيقية بل كأنهم فى كركوان نقلوا ما شاهدوه في مدينة صور . ومن ذلك قد نسنتج أن الذى رسم صورة اله اليم فى كركوان كان محيطا بعناصر الفن والزينة المعروفة اذ ذاك فى المدن الفنيقية مما يثبت العلاقة المتينة التى كانت تصل بين المدن الفنيقية بشرقى البحر الابيض المتوسط والمدن البونيقية فى غربية .

واذ ثبت لدينا أن القلنسوة الاسطوانية مصدرها بلاد الفرس وولجت البلاد الفنيقية بدخول الفرس عليها تبين لدينا أن نصب الكاهن المعروض بمتحف باردو ولوحة كركوان يشهدان حضورا ايرانثا بالبلاد القرطاجية لكنه حضور أتى عن طريق المدن الفنيقية .

اشترك في نشرتنا البريدية