يعد الحبيب جاء وحده من أعلام الادب والفكر فى تونس وأحد الذين أيقظوا الشعور الوطني وأحيوا لغة الضاد ببدائع القول وعميق التفكير وروعة البيان .
جمعت هذه الشخصية الفكرية الكثير من المتناقضات ، فهو رجل القلق والاضطراب ، وهو رجل المرح والصمت والعزلة ، وهو الشاعر الحساس الذى ترق نفسه للنفس الحزينة التى جفت فيها الامانى وهو القلب الصبور الذى تتنازعه العواطف المتناقضة ، وهو رجل الثقافة المتأصل ، والصيدلى الفطن المعتز بتراث العرب العلمي والذي أوصى قبل موته قائلا :اذا مت . . ضعوا لى فى ضريحى مصحفا . . )
هذا هو الحبيب جاء وحده المولود في القيروان يوم 28 مارس 1901 والمتوفى بتونس يوم 7 فيفري 1967 .
انه أديب يمتلك ثقافة واسعة ، وشاعر يمتاز بصفاء الخيال ودقة الصور وجمال الوقع الموسيقى .. أعجب بأبى تمام والمتنبى والبحترى والمعرى ، واطلع على الآداب الغربية فكان يعتز بلافنتان فى أمثاله ، وبلامرتين فى غزله المائع ، وبكرنيه فى رواياته التمثيلية لكن الى جانب هذا الاعجاب بالادب الغربى فانه ظل وفيا لوطنه ولاصالته العربية الاسلامية .
ولا غرو في ذلك فالحبيب جاء وحده الذى نشأ فى بيت محافظ بالقيروان لم تغره مظاهر الحياة الغربية ، ولم تلهه أجواء باريس الصاخبة عن قضايا
شعبه . . كان دائما يفكر في هذا الشعب ، وظل دائما يهزأ بكل ما هو مصطنع وبكل مواطن الاسفاف الاخلاقي ، وبكل المقلدين . . أو ليس هو القائل :
تأبى على ثقافتى ويصدنى فكرى السديد
اني اروح مقلدا كل القديم أو الجديد
والحق ذا وهم الحيا ة فلا جديد ولا تليد
ورغم ما يبدو عن طبعه من رقة ولين ، فان الحبيب جاء وحده ذو شخصية حادة غضوبة ترفض الانقياد الاعمى وتأبى النفع المادى والمكسب الخسيس .
وسمو الشاعر النفسى جعله يقدس الاخلاص والصراحة والوفاء والطهارة ، وجعله هذا السمو أيضا نقيا كالايمان فهو لا يحفل بالمال ولا يحسن جمعه . . يقول عن نفسه :
تلاقيت بالمليون فى النوم ليلة فقيل لى : إنى ملاق حسابيه
تعرفت مشتاقا اليه فقال لي : نظرت فلم الف أسمكم في كتابيه
هذا هو الشاعر الحبيب جاء وحده الذى تلقى معارفه الاولى فى القيروان وتربى فى بيت ديني محافظ ، فقد كان والده شاهد عدل ، وجده دباغا لا يحسن القراءة ولا الكتابة ، وأما والدته فهى ابنه الفقيه صالح الجودى قاضى القيروان .
حفظ الحبيب جاء وحده القرآن فى المدرسة القرآنية وشيخه فى المدرسة اذذاك كان محمد شويشية الذى قال عنه : ( كنت اقرأ عنه القرآن والنحو والفقه وكل فنون الادب ) ( 1 ) .
ومن الظواهر المميزة لشخصية هذا الشاعر الكبير هو هيامه بالادب والشعر وبالمطالعة منذ ايام الصغر . . حدثني في سنة 1961 ببنزرت عن خاله الجودى ، وللشاعر مع خاله الجودى ذكريات وذكريات طريفة ، فهو الذى يمنع
عنه في بعض الاحبان كتاب ( العمدة ) لابن رشيق القيروانى ( 2 ) لكن شاعرنا الحبيب جاء وحده يقذفه بشر خفيف :
فجد لى بها طوعا والا فاننى أناديك منذ اليوم : ( يا خالى الجودى )
وخشى الخال على عقيدة ابن اخته فمنعه من الاتصال بمبشر مسيحى انقليزى ومما ذكره لي أن خاله الجودى جلده ذات يوم حتى لا يعود الى محادثة هذا المبشر الانقليزى .
وبعدما أحرز الحبيب جاء وحده على الشهادة الابتدائية قبل بالمدرسة الصادقية فى عام 1916 وفي هذه المدرسة تعرف على الحبيب بورقيبة ، والطاهر صفر ، وعثمان الكعاك والمختار المملوك وعبد العزيز العروى ومحمود القرمازى و غيرهم . . ومن ذكرياته عن أيام دراسته فى الصادقيه ما أورده الاديب عبد الرؤوف الخنيسى :
( قال الشاعر الصيدلى بصوت خافت ذات يوم : ايقظنا قيم المدرسة الى قسم المراجعة ، أما بعضنا فخير النوم وعدم الامتثال والقيم اذ ذاك يسمى - الشاف خليفة - لكن زميلى في الدراسة الرئيس الحبيب بورقيبة امتنع الا بحهد جهيد . . واحتدم القيم وماج وهاج فقال : سأقدم تقريرا فيكم فاخذت قلما على الفور وقدمت قصيدا للمدير جاء فيه :
أخليفة يا طيب الانفاس ان كنت حقا من بنى العباس
فتمثلن بعفوهم واصفح لنا تهدى المسرة بين كل الناس
واذا اقترفنا ثانيا فابطش بنا بطش الشديد الفاقد الاحساس
هذا كلامي قلته لجنابكم خذ ما ترى من رحمة أو باس
فمزق التقرير وقال : ( لافض فوك ) ( 3 ) .
وتخرج الحبيب جاء وحده من الصادقية فى جوان عام 1921 ، واثر هذا النجاح عين مدرسا للغة الفرنسية فى المدرسة العرفانية بباب السويقة بتونس وفى هذه المدرسة كون جيلا من التلاميذ مازالوا يعتزون بأياديه عليهم شأنه فى ذلك شأن المربين الصادقين الذين تحملوا المشاق فى سبيل أداء الواجب نحو الاجيال ومما يفرده الاديب الهادى العبيدى عن المربى الحبيب جاء وحده فى هذه الفترة اذ يقول :
( عرفت الاستاذ الحبيب جاء وحده فى المدرسة العرفانية التابعة للجمعية الخيرية الاسلامية الواقعة بنهج الورغى من حي باب السويقة وكنت فيها تلميذا نصف داخلى حيث كنت يتيما وفقيرا وكان الاستاذ الحبيب يدرس الفرنسية هناك بعد أن أحرز على ديبلوم المعهد الصادقى وكان المرحوم الاستاذ الطاهر صفر ( 4 ) مكلفا يومئذ بادارة المدرسة وهو زميله وقد أحرز مثله على ديبلوم المعهد الصادقى ايضا ، وكان الفقيد الحبيب لا يقتصر على اعطاء دروسه فى اللغة الفرنسية وينصرف ، بل كان يجمعنا في فترات متقطعة ليعلمنا الاناشيد الوطنية من شعر الرصافى وغيره . . يعلمنا لفظا ولحنا وينفعل معها عند التعليم فيظهر عليه الحماس فأحببناه لهذه الصفات ، ثم بعد مدة جذبنى ناحية لا أدرى هل استنجبني أم حببني اليه هدوئى وانعزالى عن هرج ومرج التلاميذ عند الخروج من القسم للراحة ، وأخذ يلقننى بحور الشعر العربى حسب النصوص المنظومة عليها وكان ذلك أول درس تلقيته فى العروض والقوافى ) ( 5 ) .
وفى أوائل عام 1925 سافر الى مدينة ( ايفرو ) بفرنسا ليستكمل ثقافته هناك . . رحل مع الاستاذ الطاهر صفر الى فرنسا حيث توجه الطاهر صفر الى
الحقوق والحبيب جاء وحده الى الطب . . تعلم الطب أولا ثم انتقل الى دراسة الصيدلية وفي باريس ظل دائما يحن الى وطنه والى اجواء الصادقيه التى كانت مركزا هاما من مراكز الثقافة التونسية فاستمع اليه ليحدثك وهو بفرنسا عن نجاح أصدقائه فى الصادقية :
الصادقية مركز العرفان ومحط رحل الامن والايمان
فرحت بفوز أفاضل هم أربع من بعد عشر نخبة الشبان
وهم الحبيب أبورقيبة من سما بذكائه عن جملة الاقران
ويحرز الحبيب جاء وحده بعد سنوات من الكد والجد على شهادة الصيدلة فيلتحق بماطر ويفتح صيدليته هناك ، ثم انتقل الى بنزرت التى قضى فيها عدة سنوات وكانت له مع أصدقائه هناك ذكريات عزيزة ونشاطات واسعة وقد نظم قصائد كثيرة فى معارك هذه المدينة وفي بطولات أبنائها ضد القهر والفرنسة .
الحبيب جاء وحده الوطنى :
لفت الحبيب جاء وحده أنظار الناس بمواقفه الشجاعة وأعماله الخيرة واشعاره التى نظمها طيلة اربعين سنة أو تزيد ( 6 ) .
لكن أين تبرز مواقفه الوطنية ؟ فى رأيى تبرز مواقفه الوطنية خاصة فى ثلاثة مواقف هى :
اولا : في تأديته لرسالته التربوية وحرصه على تلقين المعرفة للتلاميذ فى الفترة التى درس فيها بالمدرسة العرفانية بباب السويقة فيما بين سنوات ( 1921 و 1925 ) .
ثانيا : في التحاقه بحركة الدكتور محمد على الحامي عندما كان يدرس فى المدرسة العرفانية بتونس في عام 1924 فقد كان المرحوم الدكتور محمد على يعقد الاجتماعات المتوالية لتأسيس ( جمعية التعاون الاقتصادى التونسى ) فى
سنة 1924 وكان من بين الرجالات الذين التفوا حوله : الحبيب جاء وحده والطاهر صفر والعربى مامى والطاهر بوتوريه ، والطاهر الحداد ( 7 ) .
والملاحظ انه من يوم مجئ الدكتور محمد على الحامى الى تونس كان بعض المثقفين التونسيين يبحثون عن عمل اقتصادى يفيدون به أمتهم .
وبعد التفكير العميق اتجهوا الى فكرة تأسيس ( جمعية التعاون الاقتصادى التونسى ) وقصروا عمل هذه الجمعية فى البداية على التجارة فقط لان الصناعة تحتاج الى رأس مال كبير أكثر من التجارة .
ويذكر الطاهر الحداد في كتابه ( العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية ) معلومات هامة عن هذه الجمعية التعاونية وعن أهدافها وعن مؤسسيها ( 8 ) .
والملاحظ أن الشاعر الحبيب جاء وحده ساهم فى تحرير القانون الاساسى لتلك المؤسسة التى لم تبرز الى حيز الوجود بسبب انصراف محمد على الحامى الى بعث الحركة النقابية الاولى بتأسيس جامعة عموم العملة التونسيين سنة . 1924 .
يذكر الاستاذ الهادى العبيدى الذى بدأ فى سنة 1924 يتسلل عند خروجه من المدرسة الى اجتماعات الدكتور محمد على الحامى : كان الفقيد الحبيب يلحظني بين المجتمعين فيبتسم لى من بعيد بدل أن ينهرنى ويطردنى من قاعة الاجتماع بوصفي طفلا لم يتجاوز عمره الثالثة عشر فيزيدنى هذا التشجيع الصامت منه اكبارا له وحبا ) ( 9 ) .
ثالثا : في اهتماماته بقضايا وطنه : ونلمس هذا الاهتمام فى القصائد الوطنية التى نظم منها الكثير اذ رغم ما ضاع من شعره نتيجة للتلف وللتنلات وللحرق ، اذ أحرق جلها الجيش الفرنسى فى معركة الجلاء عن بنزرت عام 1961 . . قلت بالرغم من كل هذا نحد له قصائد كثيرة خلدت مواقف الشاعر الشجاعة وأبرزت صدق وطنيته .. يقول في عام 1919 مخاطبا زملاءه فى الصادقية :
الى م منامكم يا راقدون الى جنب التوانى مخلدينا
وانتم بالدمار مهددون فقوموا وانصروا وطنا ودينا
ولا تضحوا من المستعبدينا
كفى فاليوم لا يجدى سكوت وليس يخفينا سجن مقيت
ليحيى موته الوطن المصونا
ويتوجه الى الشعب فى عديد المناسبات لكي ينهض ويثور ويكسر القيود يخاطبه قائلا :
افنيت عمرك راضخا مقهورا وغدوت فى هذى الحياة حقيرا
ومسخرا بين الورى تسخيرا أفقدت دون العالمين شعورا ؟
ان كنت شهما فاطلب الدستورا ..
والحبيب جاء وحده كثيرا ما تحدث عن المعارك الوطنية التى خاضها الشعب التونسى فقد نظم فى احداث 9 افريل 1938 . وفي احداث ، النفضية ، وفى معارك الجنوب ، وتحدث عن المقاومة فى جبل ( أشكل ) كما رثى الزعماء والقادة . . رثى محمد على الحامى ورثى فرحات حشاد والهادى شاكر والمنصف باي والحبيب بوقطفه ، ومجد بطولات مدينة بنزرت فى عام 1961 ونظم قصائد كثيرة فى مدح الرسول وفى تمجيد بطولات العرب والفاتحين . . أو لم تستمع اليه حينما تحدث ذات يوم قائلا :
يا تونسى أقبل على سير العلوم فهى السلاح اذا نما عدد الخصوم
واطلب حقوقك لا تخف ظلم الغشوم لتكون شهما بالحياة جديرا
يا تونسى قم واطلب الدستورا
وسجل التاريخ موقفا وطنيا آخر قام به الشاعر الحبيب جاء وحده فى الفترة التى اتجهت فيها الحركة الوطنية التونسية الى المطالبة برغائب الشعب على اثر تأسيس الحزب الدستورى القديم عام 1920 ، اذ تشكل وفد فى هذا الحين يضم اربعين شخصية تونسية وتمكن هذا الوفد من مقابلة الباى محمد الناصر فى 18 جوان 1920 فكان يوما تاريخيا قدمت فيه مطالب الامة ، وأعلن يومئذ الباى تأييده لها لكن سرعان ما سعت الاوساط الاستعمارية الى التفريق بين الشعب والباى خصوصا بعد اقتبال وفد الاربعين من طرف المقيم الفرنسى ( لوسيان سان ) ورفضه طلبي المجلس التفاوضى والحكومة المسؤولة لانهما يتعارضان مع وجود الحماية .
أوهم ( لوسيان سان ) بواسطة جريدة ( الديباش تونزيان ) الرأى العام التونسى أن الباى ضد دستور البلاد ومعارض في اقامة حكم نيابى بها وما أن علم الباى بذلك حتى غضب وتنازل عن العرش بعدما اقال الوزير الاكبر الطيب الجلولى واشتهرت قصة تنازل الباى عن العرش هذه بحادثة ( 5 افريل 1922 ) وقد تباينت الآراء حول قصة تنازل الباى عن العرش لكن اتضح فى النهاية انها كانت مناورة حيكت بين القصر والمقيم العام ؛ إذ الباى تراجع في قراره بعدما أخذ وعدا عرقوبيا من الحكومة الفرنسية التى كان يستعد رئيس جمهوريتها ( ميلران ) لزيارة تونس فى أواخر ذلك الشهر .
فى هذا الجو المضطرب أقامت جمعية الطلبة فى باريس حفلا حضره الطلبة ومجدت فيه موقف الناصر باى البطولى وكان ممن حضر هذا الحفل الشاعر الحبيب جاء وحده الذى القى فى هذا الحفل قصيدا حلل فيه أبعاد واقعة 5 افريل 1922 وكان ينظر الى هذه الواقعة غير نظرة بقية الطلبة لان الناصر باى لو كان صادقا فيما اتخذه لما تراجع عن قراره بهذه السرعة فهى مناورة بلا شك كان هو نفسه أحد اطرافها والا فلماذا هذا الاستخدام والجبن والتردد ؟ ٠٠ فلنستمع الى ما قاله الحبيب جاء وحده فى هذا الحفل :
ففيه ( 10 ) باي تونس قد تخلى والقى التاج عن رأس شرود
وقال مجاهرا من دون خوف فأودى بالسفارة والعميد
تراجع عن طلابه باضطراب وباء من الغنيمة بالركود
فقام كأنه أسد هصور وولى وهو كالهر الطريد
ولكن شعب تونس ليس ينسى وان أبدى الخنوع لدى الوعود
كمثل النار غشاها رماد فيحسبها المغفل فى خمود
ولكن ان بدا أدنى زفير تهيج فيصطلى ما فى الوجود
اذا نادى من ( المرسى ) مناد أجاب ملبيا من فى ( الجريد )
وهكذا فما إن مرت أيام عن هذه الواقعة حتى زار رئيس جمهورية فرنسا نونس وأعلن أن فرنسا ستبقى فى شمال افريقيا الى الابد . وبهذا التصريح نزل الستار على هذه المهزلة .
ويتعرض صديق الشاعر المختار السلامى الى جوانب كثيرة من حياة هذا الشاعر فيذكر أن الشاعر أسمعه معظم ديوانه كما سمح له بتدوين بعض قصائده لان الشاعر الحبيب جاء وحده قلما ينشر أشعاره فهو بخيل فى هذه الناحية يحتفظ به لنفسه وينشره بين خلانه كلما كانت الظروف تسمح بهذا وحسب ظروفه النفسية ( 11 ) .
قيمة شعره :
قد يتساءل بعضنا أين هو شعر الحبيب جاء وحده ؟ ٠٠ وما هى قيمته الفنية ؟ وللاجابة عن هذين السؤالين نقول : ان الحبيب جاء وحده شاعر دون شك لكن معظم أشعاره ضاعت بسبب التنقلات والاهمال . . ولكن أين هو قليله ؟ . . أجابنا الحبيب جاء وحده نفسه عن هذا السؤال : ( القليل هو ما تبقى من شعرى دعه يحيا فى قلبى وبين جوانحى فأنا أحب العزلة وأنشد الصمت وهو مذهب أعتنقه من قديم . ) ( 12 )
يتضح من كل هذا أن ما تبقى من شعر الحبيب جاء وحده هو قليل . . لقد نظم فى كل الاغراض السائدة فى عصره وأشعاره كانت تصدر عن عفوية بعد انفعال الشاعر بما يحدث فى مجتمعه .
وتعود الحبيب جاء وحده أن ينشد أشعاره على كل صديق يلتقى به أو بزوره . . كان أول همه هو أن ينشد آخر ما نظم لكل من يلقاه من معارفه ،
يروى عنه صديقه الشاعر سعيد أبو بكر ( 13 ) هذه النادرة : قال : ( طلبته يوما بالهاتف لامر أكيد فاغتنم فرصة اتصاله بي وطلب منى الاستماع لقصيدة لا تقل أبياتها عن المائة بيت ، يريد أن لا يحرمنى من سماعها ، واقترحت ارجاء ذلك الى مرة أخرى يطلبني هو فيها بالهاتف . . ولكنه تفطن للحيلة وأبى الا الشروع في القراءة وعرفت أن المسألة ستدوم ساعة على الاقل فاغلقت هاتفى ) . ( 14 ) .
ان معظم اشعاره تصور سمو نفسه تصويرا صادقا وتعبر عن تجاربه وآرائه وتصور أيضا سخريته ونقده للأوضاع الاجتماعية والسياسية فهو مثلا يقول لما ولى مصطفى الكعاك رئاسة الحكومة فى عهد الحماية :
أيحسن دولة الكعاك صنعا فيرجع من مهمته بقفر
على انى تخامرنى شكوك وأحسب صنعه مطرا بقفر
وهل يرجى من الكعاك الا كعيكات مدورة كصفر
وهو يقول في تصوره للظلم الاجتماع الذي عاناه الشعب في عهد الحماية المشؤوم :
لا تلوموا الجياع عن نهب خبز وارتكاب لكل جرم ورجس
ومن الظواهر المميزة لاشعاره فى رأيى قوة ايمانه وتعلقه الشديد بالقرآن الكريم .
أما القيمة الفنية لهذا الشعر فهى فى رأيى تتمثل فى حرص الشاعر على أن تكون أشعاره سهله ليس فيها تأنقا او استطرادات أو صورا بلاغية تبعد الشعر عن النفس ويتمثل هذا خاصة فى قصائده الوطنية والدينية .
أما اخوانياته فهى مجرد منظومات هزيلة جاءت في صور كاريكاتورية لا تثير في نفس المستمع أى حيوية ولا يمكن أن نعدها من الشعر الجيد فى شىء .

