الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "المنهل"

من أعلام الإسلام, ( ابن كثير )

Share

توطئة

القرآن الكريم ( كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ) ( ١ ) انزله الله تعالى على نبيه المصطفى محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فكان للمسلمين الدستور القويم والمنهج السليم . حوى الآيات البينة والدلائل الواضحة والمواعظ الرائعة والآداب السامية والاخبار الصادقة والبلاغة العالية بلغة عربية فصحى ( انا انزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ) ( ٢ ) . قرأه المسلمون الاولون ففقهوه ، لما كانوا عليه من فصاحة في اللسان وبلاغة في البيان . ثم جاء بعدهم خلف صالح سار أفراده الى مشارق الارض ومغاربها يحملون شعلة الايمان يضيئون بها سبل الضلالة ليحل محلها نور الاسلام فاختلطوا بالاعاجم من فرس وروم وبربر ويونان . فنشأ جيل لم يكن افراده كما كان عليه سلفهم فلم يعودوا كآبائهم وأجدادهم حيث لم يكن لهم اللسان البليغ والبيان الفصيح الذي كان لهم من قبل ، فلم يعودوا يفقهون القرآن كما كانوا يفقهونه ، فقد تمر عليهم بين الفينة والفينة آيات أثناء قراءتهم للقرآن الكريم لا يعرفون ما تعنيه أو لا يستطيعون معرفة ما تتضمنه من آداب ، ومواعظ وحكم .

أو لا يفقهون ذلك بدقة . فنشأ من هنا علم تفسير القرآن فكان المفسرون وكان منهم المشهورون . وعلمنا الذي نحن بصدد التحدث عنه هنا كان أحد الاعلام الذين اشتهر وا فيه . وقد كان له - رحمه الله - الى جانب نبوغه فى التفسير باع طويل في علوم اخرى سنعرضها فى هذا الحديث .

واننا اذ نتحدث عن هذا الشيخ السلفي الناضل لنرجو من الله أن يوفقنا الى عرض حياته عرضا شاملا فنوفيه حقه من التعريف .

نسبه

هو الامام الجليل والمفسر السلفى المتعمق والمؤرخ الثقة اسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء ( ٣ ) بن كثير بن درع الدمشقي البصروى ( نسبه الى بصرى الشام ) القرشي عماد الدين ابو الفداء . كان ابوه عالما فقيها وخطيبا جليلا اشتغل بعلوم مختلفة . وكان من اهل بصرى اما امه فمن قرية ( مجدل )  .

مولده

ولد علمنا هذا في قرية شرقي بصري تدعي ( مجدل ) سنة ٧٠٠ هـ وقيـــل سنة ٧٠١ هـ والاول أرجح .

نشأته

ظل ابن كثير تكلؤه - بعد الله - عناية والده وترعاه ايما رعاية . غير انه لم يدم كذلك طويلا اذ لم يلبث والده أن توفى بعد ٣ سنوات من ولادته . فتولى تربيته ورعايته أخوه الشيخ عبد الوهاب . وقد اخذ الامام ابن كثير عن اخيه هذا مبادىء العلوم

الدينية ، واشتغل بالعلم اول ما اشتغل به على يديه . ولما حلت سنة ٧٠٧ هـ ارتحل مع اسرته يصحبهم اخوه عبد الوهاب الذى كان - كما وصفه الامام ابن كثير بهم ( شقيقا ورفيقا وشفوقا ) ( ٤ ) ولا يذكر المؤرخون ان الامام ابن كثير قد غادر دمشق او استوطن غيرها من البلدان - بتاتا - بل مكث بها حتى يوم وفاته .

طلبه للعلم

توفى والد ابن كثير .وابنه اسماعيل هذا لم يدرك الحلم بعد فلم يتمكن من الاخذ من علومه شيئا والا لو كان ذلك لكان له منه الخير الكثير والعلم الجم ( ٦ ) غير انه وجد فى اخيه الشيخ عبد الوهاب عزاء كبيرا وعوضا حسنا حيث تلقى العلم اول ما تلقاه على يديه ( فيسر الله تعالى له منه ما يسر وسهل منه ما تعسر ) ( ٥ ) فكان ذلك بداية لاشتغاله بالعلم وطلبه له ، وبعد ذلك اخذ ابن كثير فى الدرس والتحصيل والاجتهاد فحفظ القرآن الكريم وعمره لم يتجاوز الثانية عشرة ، وقرأه بالقرآت السبع ، وسمع من كبار علماء دمشق الذين زخرت بهم آنذاك حيث تفقه على يد الشيخ برهان الدين ابراهيم بن الرحمن الفزارى الشهير بابن الفركاح ثم سمع من القاسم ابن عساكر الشيرازي ومحمد بن زراد فالشيخ جمال الدين المزى - الذى قرأ عليه مؤلفه ( تهذيب الكمال ) وصاهره على ابنته ( زينب )  . .

واتجه الى علم الحديث فسمع من كبير أئمة الحفاظ فى عهده واكثر من ذلك ، فسمع - مما سمع - صحيح مسلم في عدة مجالس على يد الشيخ نجم الدين العسقلاني بقراءة الوزير ( أبى القاسم محمد بن سهل الأزدي الغرناطى الأندلسي ) و  ( الشيخ شلهب الدين الحجار ) المعروف بابن الشحنة وذلك بدار الاشرفية فى أيام الشتويات ودام على ذلك حتى أكمل سماع نحو خمسمائة جزء . .

اتصاله بابن تيمية

بعد ذلك دخل ابن كتير في طور جديد من حياته لما اتصل بشيخ الاسلام تقي الدين ابن تيمية - رحمهما الله - فكان من أعظم تلامذته . وقد لازمه كثيرا فنهل منه الكثير من العلوم الدينية ، وتوثقت الصلات بينهما . وقد أثنى ابن تيمية على تفسير ابن كثير . ثم ان ابن كثير كان كثيرا ما يناضل عن الشيخ ابن تيمية ويدافع عنه ويوافقه فى آرائه فى الاحكام الشرعية وغير الشرعية ، فكان ذلك سببا لامتحان ابن كثير واذيته . يقول ابن حجر فى كتابه ( الدرر الكامنة ) عن الامام ابن كتير : ( اخذ عن ابن تيمية ففتن بحبه وامتحن بسببه ) . .

علومه

كان للامام ابن كثير - كما اسلفنا - الباع الطويل في نواحي شتى من العلوم اهمها التفسير ، والحديث والتاريخ . . الخ . (١ ) : التفسير أشهر علومه على الإطلاق وبه طبقت شهرته الآفاق . وله فيه مصنفات عديدة وطريقة رائعة فى تفاسيره حيث انه كان يفسر القرآن بالقرآن ما استطاع ، فان لم يجد فبالحديث ، فان لم يجد فبأقوال السلف

الصالح ، فان لم يجد فباجتهاده . وتفاسير الامام ابن كثير من أجل التفاسير وأحسنها . .

( ٢ ) : الحديث يقول ابن الحجى : ( أحفظ من ادركناه لمتون الحديث صحيحها وسقيمها ، وكان اقرانه يعترفون له بذلك ) ولابن كثير فى علم الحديث ومسانيده وسننه وتخريجه مؤلفات عديدة .

( ٣ ) التاريخ من العلوم التي رفعت من شأن ابن كثير ( التاريخ ) فان كتابه ( البداية والنهاية ) يعد من أهم الكتب التى ألفت فى التاريخ ففيه تحدث عن تاريخ المعمورة منذ بدء الخلق حتى عام ٧٦٧ هـ . والقارئ لهذا المصنف العظيم يرى ما كان عليه مؤلفه من معرفة بالتاريخ وتضلع فيه .

ومن العلوم التي اشتهر بها الى جانب الفقه ، الادب فقد كان ابن كثير أديبا مجيدا تتضح بلاغته النثرية لقارئ مؤلفاته الكثيرة اما الشعر فانه - رحمه الله - كثيرا ما جادت قريحته بشعر وصفه النقاد بأنه لا بأس به ، وقد روى عنه انه قال :

تمر بنا الأيام مرا وانما

      نساق الى الآجال والعين تنظر

فلا عائد ذاك الشباب الذي مضى

      ولا زائل هذا المشيب المكرر

ومن بعد ذا فالعبد أما منعم

       كريم أو بالجحيم يسعر

جرأته وثباته على الحق

لعل من اهم النعوت التي اتصف بها ابن كثير الجرأة والثبات على الحق . فلا تجد العاطفة ولا الاهواء منه مغلبا الامر الذي جعل له المكانة الكبرى والمنزلة العظمى بين انصاره واعدائه ، ومخالفيه وموافقيه . فكم من مرة وقفها أمام الكبير والصغير .

يخشى في الحق  لومة لائم . ولعل من أهم الحوادث التى كانت اكبر دليل على ذلك حادثته مع نائب السلطنة فى دمشق بعد ان طلبه للاجتماع به مع جماعة من النصارى لجمع أموال منهم لعمارة ما خربه الفرنج النصارى فى الاسكندريه ولصنع مراكب لغزوهم . فما كان من الامام ابن كثير الا ان هب واقفا وصرح علانية امام النائب بأن ذلك لا يجوز اعتماده فى النصارى .

مؤلفاته

توفى الامام ابن كثير بعد ان خلف مكتبة من مؤلفاته ربا عددها على العشرين مؤلفا بعضها فى علم التفسير والآخر فى الحديث والتاريخ .

فمن مصنفاته فى التفسير ، التفسير المشهور المنسوب اليه وهو يقع في مجلدات وقد سبق التحدث عن طريقته في التفسير ( ٧ ) .

أما في الحديث فقد ألف مؤلفات لم يصنف بعددها في أى علم آخر فمن الكتب التي ألفها فيه ما يلى :

( ١ ) : اختصار علوم الحديث : وذكر باسم ( الهدى والسنن في احاديث المسانيد والسنن ) وقد جمع فيه آحاديث عن الامام أحمد والبزاز وأبى يعلى وابن أبى شيبة مع كتب الستة . غير ان ابن كثير لم يتم مؤلفه هذا .

( ٢ ) : اختصار علم الحديث : اختصر فيه مقدمة ابن الصلاح .

( ٣ ) :  التكميل فى معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل : مؤلف جامع حوى كتاب ( ميزان الاعتدال و ( تهذيب الكمال ) لشيخيه : الذهبى والمزى وزاد عليهما ما زاد . ( ٤ ) : مسند الشيخين : يعنى أبا بكر وعمر .

( ٥ ) : شرح - صحيح البخاوى : ومات ولم يكمله .    ( ٦ ) : اختصار كتاب ( المدخل الى كتاب السنن ) للبيهقي .     وخرج أحاديث ( مختصر ابن الحاجب ) في الاصول  و ( أدلة التنبيه ) في فروع الشافعية .     وفي التاريخ ألف مصنفات عديدة أهمها :    ( ١ ) : البداية والنهاية : وفيه تاريخ واخبار وتراجم قسمه الى قسمين الاول ( البداية ) ويقع فى ١٤ مجلدا في الكلام عن الخلائق والكائنات من بدء الخلق الى الهجرة النبوية ورتب ما بعد ذلك حسب السنين الهجرية حتى قبيل وفاته . اما القسم الاخر فهو تحت اسم ( النهاية ) وتكلم فيه عن آخر الزمان والملاحم . وهو متصل ب ( البداية ) .

( ٢ ) السيرة النبوية : مطولة . .      ( ٣ ) : السيرة النبوية : - مختصرة - وهي المعروفة باسم ( الفصول في اختصار سيرة الرسول ) و ( طبقات الشافعية ) ونية سرد مناقب الامام الشافعي . وله كتب اخرى منها كتاب ( المقدمات والاحكام )  - لم  يكمله - ، ورسالة فى الجهاد .

الاسرائيليات في تفسير ابن كثير

ومن تخلل تفسير ابن كثير . كثير من القصص الاسرائيلية فلعله - رحمه الله - شعر بذلك فاعتذر عنه في مقدمة تفسيره هذا ذاكرا الحديث الشريف :  بلغوا  عني ولو آية وحدثوا عن بني اسرائيل

ولا حرج . . " الحديث . مشيرا الى أنه قد ذكر هذه القصص والاحاديث الاسرائيلية للاستشهاد لا للاعتضاد ، وانه لم يأت منها الا ما علم بصحته حيث انه قسم هذه الاحاديث الى ثلاثة اقسام : الصحيح ، والمكذوب ، والمسكوت عنه . وانه لم يذكر منها الا الصحيح أو المسكوت عنه الذى لا يصدق ولا يكذب وان كان كثير من العلماء لم يستحسنوا من ابن كثير اباحة ذلك بجوار كلام الله ( مما يوهم أن هذا مبين لمعنى قوله تعالى ومفصل لما اجمل فيه ) وعلى أى حال فان هذه الاحاديث الاسرائيلية لم تقلل من أهمية تفسير ابن كثير - رحمه الله _ .

اقوال العلماء فيه

( ١ ) يقول العيني : ( كان قدوة العلماء الحفاظ ، وعمدة اهل المعانىي والالفاظ ، سمع وصنف ودرس وحدث وألف ، وكان له اطلاع عظيم في الحديث والتفسير والتاريخ ) .

( ٢ ) ويقول ابن حبيب : ( امام ذوى التسبيح والتهليل ، وزعيم ارباب التأوين . سمع وجمع وصنف وأطرب الاسماع بأقواله وصنف وحدث وأفاد ، وطارت فتاويه الى البلاد ، واشتهر بالضبط والتحرير ، وانتهت اليه رياسة العلم في التفسير والحديث والتاريخ ) .

( ٣ ) وقال ابن حجر : ( كان كثير الاستحضار ، حسن المفاكهة . سارت تصانيفه في البلاد في حياته ، وانتفع بها الناس بعد وفاته . ولم يكن على طريقة المحدثين في تحصيل العوالي ، وتمييز العالي . من النازل ونحو ذلك من فنونهم ) . ( ٤ ) وقال الحافظ ابن ناصر : ( الشيخ الامام العلامة الحافظ عماد الدين ، ثقة

المحدثين ، عمدة المؤرخين . علم التفسير ) . ( ٥ ) ويقول السيوطى : ( العمدة في علم الحديث ومعرفة صحيح الحديث وسقيمه ، وعلله واختلاف طرقه ، ورجاله جرحا وتعديلا ، وأما العالي و النازل ونحو ذلك - فهو من الفضلات - لا من الاصول المهمة ) .

استقلاله بشخصيته

امتاز الامام ابن كثير - رحمه الله - بآرائه التى يظهر منها استقلاله بشخصيته وبعده عن التعصب المذهبي فبالرغم من انه كان شافعي المذهب ، فقد وافق الامام شيخ الاسلام ابن تيمية في رأيه بوقوع الثلاث طلقات في مجلس واحد مكان الطلقة الواحدة على خلاف مذهبه .

وفاته

توفي الامام ابن كثير في يوم الخميس السادس والعشرين من شهر شعبان سنة ٧٧٤ هـ وكانت له جنازة حافلة شيعها جمع غفير من المسلمين ، ودفن - بوصية منه - في تربة الشيخ ابن تيمية خارج باب النصر من دمشق . ولما مات رثاه طلبته فقال احدهم :

لفقدك طلاب العلوم تأسفوا

وجادوا بدمع لا يبيد غزير

ولو مزجوا ماء المدامع بالدما

لكان قليل فيك يا " ابن كثير "

اشترك في نشرتنا البريدية