الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

من أعلام الاصلاح :، عبدالحميد بن باديس

Share

كان ادبا يملأ الدنيا بأدبه ويحسب حسابها فى كل ما يخطه قلمه أو تنبس به شفتاه ، فكتاباته تمتاز بطابع فكرى نكاد نلمسه فى كل مقالة من مقالاته التى تهدف الى اصلاح المجتمع ورقى الامة .

لقد تملك ناصية القول فلم تعرف الجزائر فى تاريخها الحافل الطويل خطبيا يدانيه فى بلاغته وفصاحته وقوة تأثيره فى الجماهير . . انه أعطى من ذلاقة اللسان ما يستدعى العجب فما هو الا أن يحرك لسانه حتى تتدفق الالفاظ وتنهال عليه المعانى فتأخذ باللب وتأسر الافئدة وتقود الناس الى ما يريد .

ان الاستاذ عبد الحميد بن باديس من أولئك الرواد الذين فجروا الثورات ودفعوا شعوبهم الى ميادين التقدم والرخاء ، فأحيطوا بهالة من التقدير والعظمة والمجد .

فهو من ثوار المسلمين وأحد الزعماء العظام الذين ألهموا الخير والصلاح فى مجتمعاتهم وصمدوا حتى انبلج الصباح الجديد واستيقظ الشعب وهب ليجاهد في سبل الوطن ، فكانت تلك الهزة العنيفة التى غيرت مفاهيم الحياة وقلبت الاوضاع ، وهدت ما أشادته الرجعية ، فانبعثت فى النفوس المخدرة الامال بانتصار الحق والمبادئ.

وهكذا وجدت الجزائر في شخصية " عبد الحميد بن باديس " نفسا جديدا تستمد منه شخصيتها العربية الاسلامية بعد سنى المظالم والجور والارهاب فى ظل الحكم الاستعمارى البائد : ( 1830-1962 م ) .

ان شخصية " عبد الحميد بن باديس " شخصية تمثل الدين ولكنه الدين الذي يفتح آفاق المستقبل ويدعو الى الثورة لا الدين المحفوظ فى رواسم وطقوس

الذي يستغله البعض كتجارة مخدرة للشعوب ولقضايا الحرية ، وكم قوبلت دعوات " ابن باديس " فى أول الامر بالاستهزاء والسخرية وكم تعرض للامتهان ولكنه مع كل ذلك حافظ على مبدئه وظل فى ايمانه يتحدى الصعاب ويجابه الخطوب وهو يتذكر اهانات قريش للرسول عليه السلام ، بل ويزداد ايمانه وصموده فيمضى فى رسالته فيلتف حوله الاحرار من ثوار الجزائر الصامدين هاتفين هازجين :

شعب الجزائر مسلم                 والى العروبة ينتسب

من قال حاد عن أصله             أو قال مات فقد كذب

واذا هلكت فصيحتى              تحيا الجزائر والعرب

هكذا كان يأمل " عبد الحميد بن باديس " ومن أجل عروبة الجزائر واسلامها وانتشار لغة الضاد فيها ثار ، وتعذب واضطهد ، وحورب ، حتى لقبوه ( بابليس ) عوض ابن باديس .

كل هذا ورائدنا الثائر الجرىء لم يحفل بما حصل له بل مضى فى سبيله فلم تستطع الايقافات ردعه ، ولا المظالم أن تحد من نشاطه أو أن تحول بينه وبين ما يريده ويتمناه لشعبه المكبل بالاغلال ، فقد كان يبتسم ويردد قولته الشهيرة : " تستطيع الظروف ان تكيفنا ولا تستطيع ان تقهرنا  (1) " .

وشخصية " ابن باديس " شخصية ثرية خصبة ومع ذلك فان أبخس الأشياء عنده هي " الشهرة " لذلك رأيناه يستنكف عنها فلم يشأ أن يحدثنا عن نفسه ، وانه لو فعل ذلك لحرمنا لذة البحث عنه ، ولما ترك لنا هذه الصورة المشرقة فى حنايا كل صدر من صدور أبناء الامة العربية . . انه عندى كأعظم الفلاسفة الرواد الذين اعتصموا بالصمت عما يتصل بذواتهم، وأذابوا مهجهم وارواحهم في سبيل قضايا شعوبهم فاستحقوا التقدير والخلود على مر الدهور.

كانت هذه أمانى ابن باديس . . انه أراد أن يقول ويفضل ، فكان ممن أسهموا فى بعث جيل تواق الى الحرية والرخاء ، مؤمن بشخصيته وبأصالته لذلك لا نعجب أن يفتخر الجزائريون به اليوم ويتسابقون الى تسمية أبنائهم باسمه .

أجل انه بحق أبو الجزائر ومعلمها ورائدها وباعث مجدها وأصالتها وكيف لا يكون أبا الجزائر الحديثة وهو نفسه - رحمة الله - كان يقول فيما يقول : " لم أنحب أطفالا ومع ذلك فانا أب لان كل الجزائريين أبنائى . . . (1) ".

نشأ عبد الحميد بن محمد بن مصطفى بن مكى بن باديس فى عائلة ثرية ننحدر من رجال الدولة الصنهاجية وكان ميلاده بمدينة قسنطينة يوم الجمعة 4 ديسمبر 1889 م ( 2 ) ، واشتهرت عائلته بمواقفها الجريئة وبالدور العظيم الذى لعبته فى المجالين السياسي والعلمى طيلة قرون عديدة ابتداء من القرن الرابع الهجرى ( 625 م ) على أرض المغرب العربى مع العلم وان بعض أفراد هذه العائلة قد تولوا أكثر من مسؤولية سياسية بجمهورية مصر العربية عقب انتقال الخلافة الفاطمية من القيروان الى القاهرة فى 7 رمضان 362 ه 11 جوان 973 م .

وتلقى ابن باديس تعلمه الاول فى " الكتاب " بقسنطينة وفي حي شعبى من أحيائها المكتظه بارباب الحرف وأهل الصناعة والتجارة ، وما أن شب وأصبح قادرا على التعلم حتى أرسله أبوه الى استاذ الجيل هناك وهو السيد " حمد ان لونيسى " حيث تلقي عليه العلوم العربية والاسلامية وقد لازمه مدة خمس سنوات : ( 1903-1908 ) ولم يتردد والده حينما لاحظ عليه استعدادا طيبا مبكرا للعلم أن يهبه للثقافة ، فلعله يصبح فى يوم ما مفكرا بارعا ورائدا من رواد الاسلام وشيخا من شيوخه فألحقه بجامع الزيتونة بتونس فيما بين عام 1908 وعام 1911 (3) وقد أحرز فى نهاية هذه المدة على شهادة " العالمية " التى هيأته للانتصاب للتدريس به لمدة سنة واحدة شأنه فى ذلك شأن كل الطلبة الذين يتخرجون منه فى تلك الفترة.

أما أبرز أساتذته الذين وجهوه والهموه طريق العيش من أجل الغير ، فكثيرون أذكر من بينهم هؤلاء الاعلام الذين تحدث عن بعضهم فقيدنا ابن باديس فى فترات متقطعة فمنهم : محمد المداسى واحمد أبو حمدان لونيسى

الذي وجهه فى بداية عهده بالدراسة وأوصاه " أن يقرأ العلم للعلم لا للوظيف ولا للرغيف ( 1 )" وأيضا الاساتذة محمد الخضر بن حسين ومحمد الصادق النيفر وسعيد العياضى ومحمد النخلى والبشير صفر ومحمد الطاهر ابن عاشور .

ويرى الشيخ عبد الحميد بن باديس أن استاذه البشير صفر : ( 1863 - 1916 م ) - الذى كان من أعلام النهضة الاصلاحية فى تونس فى القرن الماضى - من الرواد الذين وجهوه وفتحوا أمامه السبل لكى ينشأ على تلك النشأة العلمية الاصلاحية اذ يقول عنه فى مجلة " الشهاب " عدد جويلية 1937 من محاضرة له كان قد ألقاها فى الذكرى العشرين لوفاة هذا الرائد الملهم :

" . . وانا شخصيا أصرح بأن كراريس " البشير صفر " الصغيرة الحجم الغزيرة العلم ، هى التى كان لها الفضل فى اطلاعى على تاريخ أمتى ، وقومى والتى زرعت فى صدرى هذه الروح التى انتهت بى اليوم لان اكون جنديا من جنود الجزائر " .

أما أساتذته الذين تأثر بأفكارهم وشغف بمطالعة آثارهم الفكرية والعلمية فكثيرون هم أيضا لان ابن باديس كان يلتهم التهاما كل ما يقع عليه نظره من كتب ومجلات وتقاويم ومخطوطات وصحف ودرجة تأثره بأفكار هؤلاء تختلف من واحد الى آخر ، لكن على العموم يمكننا أن نتعرف على بعضهم من خلال بعض الاراء والاقوال التى جاءت على لسانه أو خطها يراعه السيال فهو مثلا عندما زار " سوريا " واتصل هناك بالكثير من اعلامها كان ابن باديس يرى فى الشيخ " الطاهر الجزائرى " القاطن بدمشق انذاك انه قد استفاد من اتصاله به مما جعله يلقبه ( بشيخه ) فكان يثنى عليه فى مجالسه الخاصة وينوه بشأنه وبغزارة علمه لتلاميذه ومريديه وحينما علم بوفاته عام 1929 كتب عنه دراسة طويلة نشرها فى مجلة ( الشهاب ) تحت عنوان : " شيخي " تحدث فيها عن خصال هذا الاستاذ وفضله على العروبة والاسلام وعليه أيضا وفيها يقول : (. . هو الذى ربى عقل ، وهو الذى حبب الى هذا الاتجاه الفكرى ، منذ أن كنت طفلا الى أن صرت رجلا ولا اعرف مؤلفا ، ولا حامل قلم نشأ في ديار الشام الا وقد كانت له صلة به إما مباشرة ، أو بواسطة الذين استفادوا منه . . . (2) ) ومنهم الشيخ محمد بخيت المطيعى : ( 1282-1935 م ) العالم الازهرى

الشهير ومفتى مصر سابقا وأحد رواد الاصلاح فيها الذين تأثروا بآراء وأفكار المصلح الفيلسوف جمال الدين الافغاني : ( 1839-1897 ) ، فقد تعرف عليه بن باديس أثناء مروره بمصر فى عام 1913 بعد أدائه لمناسك الحج ، فزاره في بيته " بحلوان " وكتب له اجازة فى دفتر اجازاته ونلاحظ تأثر ابن باديس باستاذه هذا من خلال الدراسة الدسمة التى كتبها عنه على اثر وفاته والت خص بها مجلته " الشهاب (1) " .

كما أن ابن باديس كان يثنى ويجل الاستاذ الامام محمد عبده بل انه يعتبره رائد الاصلاح فى المشرق العربى وقد كان ينقل بعض آرائه من مجلة " المنار" : المصرية التى أدارها تلميذه " رشيد رضا " الى مجلة " الشهاب " الجزائرية.

ولم يكن هؤلاء الاساتذة هم وحدهم الذين تأثر بهم أو تعلم عنهم ، ذلك أن هناك أساتذة آخرين قدماء ومحدثين نلمس تأثيرهم عليه وعلى أفكاره ، وذلك عندما نتصفح بعض انتاجه الفكرى الغزير الذى كان يمد به الكثير من المجلات والصحف العربية ولعل من أبرز هؤلاء الاعلام الامام أبو بكر بن العربى المتوفى عام : ( 543 ه - 1148 م ) فقد صاحب ابن باديس هذا المفكر الشجاع لمدة طويلة ، واختلى بكتبه ، ودرسها دراسة وافية بل أنه اهتم بنشر بعضها مثل كتاب " العواصم من القواصم " الذي نبهه اليه الشيخ محمد النخلى القيروان حينما كان ملازما له فى تونس ، فقد بحث عن هذا الكتاب وقرأه ثم استنسخه وقدم له بمقدمة هامة ثم طبعه فى جزأين بالجزائر على اثر رجوعه اليها عام 1912 م .

وفي رأيي أن تأثر ابن باديس بهذا المفكر الرائد نستطيع أن نلمسه خاصة فى كتابه " العقائد الاسلامية " الذى لم ينتهج فيه منه منهج الفلاسفة الاقدمين ولا طرائق المتكلمين . . ان ابن باديس فى كتابه هذا نراه قد توخى منهج القرآن فى الاستدلال ، وركز أسلوبه فى الرد والنقد بما يتلاءم مع النفوس من فطرة وعفوية .

" فابن باديس " كان يتمتع بتقدير أساتذته ، وعطفهم عليه ونلمس هذا واضحا جليا من خلال التقاريض التى كتبوها له على اثر صدور رسالته الشهيرة فى عام 1340 ه - 1921 م تحت اسم : " رسالة جواب سؤال عن سوء مقال " والذي رد فيها على البدع التى أثارها الشيخ المتصوف : " على ابن

عليوه " شيخ الطريقة العليوية فى مدينة " مستغانم " فلاقت هذه الرسالة تنويها عظيما من أساتذته مما جعله يخصص صفحات عديدة فى الجزء الاخير من هذه الرسالة لينشر فيها نصوص هذه التقاريض مع جدول طويل يضم مجموع أسماء المقرضين ووظائفهم وعناوينهم ( 1 ) .

- شخصية ابن باديس :

عظمة ابن باديس تتجلى فى أنه صاحب رسالة آمن بها وضحي من أجلها بكل نفيس وغال ، فقد هيأته الظروف وتكوينه الثقافي المتين لكى يتحدى الصعاب فعاش مجاهدا بالقلم واللسان والعمل . . . انه يسل حياته خيطا خيطا من قلة النوم وكثرة الاجهاد ، وتواصل الحرمان حتى تحطم وهو لا يتجاوز الخمسين : ( 8 ربيع الاول 1359 ه - 16 أفريل 1940 م ) انه رسم معالم الطريق لنهضة اصلاحية ودينية فى بلاده منذ أن زار الحجاز عام 1913 والتقى هناك بثلة من أعلام الفكر الاسلامى كان من بينهم : حمدان لونيسى وحسين احمد الهندى،

ومحمد البشير الابراهيمى ، فقد كانت سهراته مع هؤلاء فرصة للتحدث معهم عن شؤون وطنه ، وعن مستقبل شعبه ، وعن الطرق الكفيلة بتحقيق النصر لهذا القطر الحبيب ، وكانت هذه اللقاءات أيضا فرصة للأحاديث والتعاليق فهذا محمد البشير الابراهيمى يصور لقاءاته بابن باديس فى عام 1913 فى " المدينة المنورة " قائلا : ( كان من تدابير الاقدار الإلهية للجزائر ومن مخبآت الغيب لها ان يرد على بعد استقرارى " بالمدينة المنورة " سنة وبضعة أشهر أخي ورفيقى فى الجهاد بعد ذلك الشيخ عبد الحميد بن باديس أعلم علماء الشمال الافريقى ولا أغالى وبانى النهضات العلمية ، والأدبية ، والاجتماعية ، والسياسية للجزائر . . كنا نؤدى صلاة فريضة العشاء الاخيرة كل ليلة فى المسجد النبوى ونخرج الى منزلي فنسمر مع الشيخ ابن باديس منفردين الى اخر الليل حين يفتح المسجد فندخل مع أول داخل لصلاة الصبح ، ثم نفترق الى الليلة الثانية الى نهاية ثلاثة الاشهر التى اقامها الشيخ  " بالمدينة المنورة " كانت هذه الإسمار المتواصلة كلها تدبيرا للوسائل التى تنهض بها الجزائر ووضع البرامج المفصلة لتلك النهضات الشاملة التى كانت كلها صورا ذهنية تتراءى فى مخيلتنا، وصحبها من حسن النية وتوفيق الله ما حققها في الخارج بعد بضع عشرة سنة .

وأشهد الله ان تلك الليالي من عام 1913 ميلادية هى التى وضعت فيها الاسس الاولى لجمعية العلماء الجزائريين التى لم تبرز للوجود الا فى عام 1931(1) ".

أما العوامل التى تظافرت على تكوين شخصيته فكثيرة من أهمها : أ ) تأثره بالقرآن.

ب ) توجيه أبيه له ، فقد اعتنى به اعتناء خاصا ووجهه توجيها دينيا مما هيأه لكى يضطلع بدوره الاصلاحى العظيم ، واذا أردت أن تعرف عن لسان ابن باديس هذا واضحا جليا فاقرأ له هذه الفقرة الواردة فى مقال له نشره فى احدى أعداد " الشهاب " ، اذ يقول : " ان الفضل يرجع أولا الى والدى ، الذي ربانى تربية صالحة ، ووجهني وجهة صالحة ورضى لي العلم طريقة أتبعها ومشربا أرده وقاتنى ، وأعاشنى ، وبرانى ، كالسهم وراشني وحمانى من المكاره صغيرا وكبيرا ، وكفانى كلف الحياة (2) " .

ج ) تجاوب الجزائريين معه . د ) مؤازرة رفقائه واصدقائه له .

فهذه العوامل الاربعة ساعدت على تكوين شخصيته ، وأبرزت مواهبه، ومكنته من أن يضطلع بدوره الاصلاحى على خير الوجوه فيما بعد ، كما انها وفرت له معطيات النجاح في ميادين التربية والتعليم وألهمته لان يصبح فى يوم ما ملما بأسانيد الاحاديث النبوية وبشرحها من ذلك انه درس كتاب الموطأ للامام مالك : 90-179 ه ( 708-795 م ) وختمه فى بضع عشرة سنة، وقد أقامت مدينة قسنطينة مهرجانا بهيجا فى صيف 1939 احتفاء بذلك الحدث البارز فى تاريخها على منوال احتفالها بحدث ختم دروس تفسير القرآن الكريم ) جوان : 1938 (3) ) .

وهكذا فيمكننا اذن ان نقول : ان شخصية عبد الحميد بن باديس شخصية خصبة بهرت بفكرها الثاقب ميادين كثيرة ، منها ميادين التربية والتعليم والسياسة والاصلاح والثقافة والادب والصحافة فكانت رائدة فى هذا الشمال بسطت ثورتها على نواح اجتماعية كثيرة ، ووهبت نفسها للعيش من أجل الغير .

ان عبد الحميد بن باديس فى مغربنا العربى أديب رائد ، ومصلح مجدد ، وداعية دين متطور ومحب للبشر مهما اختلفت أجناسهم وألوانهم ونحلهم فقد حارب البدع والخرافات ، وندد بالمرتشين على حساب الشعب ، وثار ضد من يعمل للادماج ولفرنسة البلاد ، ووجه سهاما من أشعاره البليغة ضد سياسة " التغريب " التى تحاول فرنسا فرضها على شعبه ، كما انتقد رجال الطرق الصوفية الذين بالغوا فى خلق البدع البرئ منها ديننا الاسلامي الحنيف والتي صرفت بعض الناس عن العمل الجاد الذى دعا اليه الاسلام وحث عليه وأوصى به .

ان شخصية ابن باديس شخصية ثرية خصبة وعملها تجاوز الحدود والابعاد انه رائد سعى كثيرا من أجل بناء شخصية الشعب الجزائرى وتركيز الاصالة على أرضيته وفكره .

- ثقافة ابن باديس :

كان ابن باديس ضليعا فى اللغة ، ملما بدقائقها ومسائلها ، وكان الى ذلك حاضر البديهة سريع الجواب متخصصا فى الثقافة الاسلامية ومطلعا على التيارات الاصلاحية والسياسية . . . انه من مشاهير أدباء هذا القرن ومن اعلام المفكرين فى الوطن العربي وهو كاتب محب للنكتة يمتاز أسلوبه بالسهولة والسلاسة فلم يلتزم بالبديع ، ولا انساق وراء التكلف ، ولا استخدم السحع ، وانما أرسل قوله ارسالا من غير قيد فترك لقلمه العنان ليسجل أفكاره ومشاعره وأحاسيسه من غير تكلف ، وهو بحكم العوامل التى أثرت فى تكوين شخصيته ، ولدوره البطول فى تركيز الصحافة العربية بالجزائر مثل جريدة " المنتقد " ( 18 عددا قسنطينة عام 1925 ) وجريدة " الشهاب " ( 1925 - 1929 م ) ومجلة الشهاب :( 11 سنة من عام 1929 إلى عام 1939 م ) ولنعدد جوانب العظمة والخير والشر والاسباب والمسببات فى نظرته الى الكون ، والطبيعة ، وللمجتمع الجزائرى والاسلامى عامة ولآرائه السياسية والاصلاح وموقفه من الحركات السياسية فى الجزائر ، واستماتته فى الدفاع عن شخصية

الحزائر العربية المسلمة ، وكفاحه من أجل بعث نهضة علمية وتربوية تصلح الفرد والمجتمع اعتبر فيلسوفا لا بالمعنى " الاكاديمى" لمعنى الفلسفة لانه لم يكن له مذهب فلسفى له ملامحه وخصائصه وميزاته مثل مذاهب فلاسفه الاغريق مثل سقراط ، وافلاطون وارسطو أو مذاهب فلاسفة المسلمين مثل : ابن سينا ( 980-1037 م ) والفارابي : ( 874-951 ) والغزالي : ( 1058-1111 م وابن رشد ( 1126-1198 م ) وغيرهم.

إذن فنظرته الفلسفية تتفق مع نظرية الامام محمد عبده التى كانت نظرة انسانية عريقة مبنية على معنى محبة العلم والتراث وممارسة الفضائل الاخلاقية وتهذيب السلوك الانسانى.

والتفكير الفلسفي عنده لا يصح أن يكون دائما نظريا " تأمليا " فحسب بل لا بد أن يخوض الإنسان فيه غمار الوجود ويتحمل قسطه من المسؤولية الشخصية .

لذلك رأينا ابن باديس وهو المثقف الحكيم يعيد للفلسفة ما كان ينبغى أن تكون عليه من تأمل روحى فى معنى الحياة الانسانية ، ومن تحقيق لدعائم العمل والاخلاق وهو من هذه الوجهة عالج الكثير من القضايا والاراء التى تزيد فى وعى الانسان لذاته ولرسالته فى هذا الوجود الصاخب ، فكانت آراؤه فى فهم الدين الاسلامي ، وفي وظيفة التربية ، وفي طرائق التدريس ، وفي كيفية ننظيم التلاميذ ، وفي نقد الاخلاق الشخصية والاجتماعية ، كما كانت له آراء خاصة في الاصلاح الديني والاجتماعى والتربوى لشعب الجزائر.

وقد عبر عن هذه الفلسفة بكل ملامحها وابعادها في مقالاته الفلسفية الكثيرة وفيما فسره من سور قرآنية ، وفيما دافع به عن الاسلام ، وفيما رد به على منتقديه وراسل به اعلام الفكر من الشرق والغرب.

ان أعمال هذا الفيلسوف وفيرة متنوعة ومن الصعب أن يقع ضبطها وحصرها كما انه لا يتأتى لنا الاحاطة بمصادر هذه الفلسفة لأن جلها مفقود فدروس التفسير والحديث التى قام بها لمدة اثنى عشرة سنة : ( 1913-1925 ) لم يقع تسجيلها مثلما فعل الاستاذ رشيد رضا مع استاذه محمد عبده فكل ما نشر من "  الفلسفة الباديسية " لا يتجاوز بعض الافتتاحيات كان نشرها ابن باديس نفسه في مجلته " الشهاب " الشهرية فيما بين أعوام : ( 1929-1939 ) وهي نفسها التى نشرها بعد وفاته بقسنطينة السيد أحمد بوشمال مدير

المطبعة الاسلامية الجزائرية عام 1948 ثم تولى من بعده الاستاذان : محمد الصالح بن رمضان وتوفيق شاهين فى عام 1964 طبعها من جديد بعدما اضافا اليها اضافات هامة وتوضيحات قيمة .

كما ظهرت بعض ملامح فلسفته فى العمل العظيم الذي قام به على اثر وفاته الاستاذ محمد البشير الابراهيمى فى الاجزاء التى حملت عنوان : " العقائد الاسلامية من الآيات القرآنية والاحاديث النبوية "

وعلى العموم فعبد الحميد بن باديس مثقف مفكر ، وفيلسوف ثورى تناول جملة من القضايا التى شغلت الرأى العام الاسلامى قديما وحديثا فبرزت مضامين فلسفته فى آرائه الدينية ، وحماسته للدفاع عنها .

ان نضاله تمثل خاصة فى الدفاع عن شخصية الامة الجزائرية ، وفي ايمانه العميق بالدين الاسلامى الحنيف القادر على تحويل شعبه من مرحلة التبعية والانحطاط الى مرحلة التقدم والازدهار.

- يتبع -

اشترك في نشرتنا البريدية