موجز ترجمته وحجه وشعره :
في ساعات من الليل وفي أوقات الذكرى والتفرغ للعبادة تتجمع حول الانسان آمال وتمنيات وأشواق قد تتراءى في آفاق بعيدة وقريبة افكار ومشاعر متفرقة الجوانب ولا سيما حينما ينطوى و يخلو بنفسه وفي تلك نراه يسائل النفس ويفكر فيما يصنعه فى فجر اليوم الجديد وتارة يفكر فيما على الارض من كائنات وكيف صنع وذاك ، ويفكر فيما بين السموات والأرض وفى تلك ينحرف به التيار الفكرى الى - كيف ، يبدأ الرحلة وينهيها . وفي تلك للحظة قد تجده محتارا في جمع أفكاره تنسيقها وترتيبها ولا سيما حينما يمسك القرطاس والقلم يريد تدوين ما ركز عليه فكرة من الافكار التى كانت تصاحبه ، في هزيع الاول من الليل وفي تلك اللحظة ، يجد ان افكاره قد تبخرت وتبلبلت ولم يكن حظه غير ما يقال " خلو اليمين صفر حال " أو يردد فى نفسه " لكل عاطفة ولكل عاصفة نهاية " . هذا ما كان -
يفكر فيه الشيخ عبد الله الانصارى حينما خلا الى نفسه وانتابته الافكار الكثيرة وقد تمكن من تنفيذ واحدة من تلك الافكار الا وهى اداء فريضة الحج سنة ١٣٤٤ ه وهذه السنة تعتبر آخر سنة يحج فيها وقد زار فيها المسجد الحرام والمدينة فى طلب
في الهزيع الاخير من حياته في أواخر شهر ذى القعدة انتاب الشيخ شوق كبير الى زيارة مكة والمدينة بقصد اداء فريضة الحج من السنة المذكورة ، والسلام على سيد الخلق صلى الله عليه وسلم ، ولم يتذوق الشيخ طعم النوم بفعل الرغبة الملحة فى نفسه حتى بدت ملامح خيوط الفجر تظهر معلنة ولادة صباح اليوم التالي يوم الاربعاء فرتب امتعته واتجه الى شاطئ الميناء مع . اخوة كانوا يرافقونه ، واستقلوا ظهر السفينة من ميناء مسقط الى شواطئ ميناء مدينة الخبر . واخذت القافلة التى كانت ترافقه تسير قاطعة الشعاب والأودية . وحينما رأى الشيخ مشارف مكة تظهر كتب
قصيدته " الى اين هذا الركب " وفيها يقول :
الى أين هذا الركب أمت ركائبه
وجادت باصوات الحداة نجائبه
وما هذه الاعلام ( ١ ) تنشر فرحة
يايد رجال تقتفيها كتائبه
أشاقهم دقي الغوير و رامة
أم انحسرت عن وجه ليلى سحائبه ( ٢ )
ام انتشقوا ريح الحبيب فهاجهم
سحيرا ودمع العين تجرى مواكبه
فيا " صاح " زج اليعملات وسر بنا
بسير رفاق حبذا السير ذاهبه
الى سوح من حط الرجال رحالهم
الى حيث هدى الدين دارت كواكبه
فسرنا بتوقيق الاله وعونه
وقد عمنا انعامه ومواهبه
الى مهيط الوحى الذى عم ضوؤه
وعم جميع العالمين رغائبه
الى مسجد شد الرحال اليه قد
أتى الحث في نص الحديث يناسبه
دخلناه من باب السلام وحسبنا
بمحرابه من ركعتين نقاربه
الى موقف التسليم سرنا واننا
لفي غاية التعظيم كنا نخاطبه
هناك طلبنا الله عفوا ورحمة
وطال البكا والانتحاب يصاحبه
لعل شاعرية الشيخ عبد الله الانصارى كانت متفتحة وقتئذ .
وله ايضا في مجال الشعر قصائد اخريات حوت الاشادة باصدقائه الذين رحلوا عنه واختاروا بقعة اخرى من الارض . . منهم من تعارف بهم اثناء رحلاته الى اليمن والهند كالشيخ عبد الله ابن محمود المدنى الذى تعارف معه فى اليمن . وعن القصائد التى قالها اشادة بأصدقائه :
يا حداة العيس ( ٣ ) بالله سلوا
عن غريب هم بصنعا نزلوا
وصلوهم بسلام من فتى
قد نأي عنه الكرى مذ رحلوا
وأذنوهم اننى فى قلق
مذ نأوا عني وأنى وجل
كنت فى العهد وكانوا رفقتى
ثم لم أدر بما قد فعلوا
ضقت ذرعا من قلاهم فعسى
عطفة منهم الينا تصل
لم احل عن عهدهم لو انهم
في الهوى جاروا بنا أو عدلوا
وانا صرت طريحا مثقلا
لست ادرى اى سهل نزلوا
اتلقى الركب والسارى دجى
بشذا أخبارهم أحتفل
علنى احيي بما ينعشني
من خطاب أو كتاب ارسلوا
لم اجد حقا لما بى من دوا
غير صبر هو لا يحتمل
وله قصيدة يرثى فيها صديقه فضيلة الشيخ عبد الله حينما سمع بوفاته :
هذا شهيدكم قوموا به كرما
فأنه كشهيد السيف فى المثل
وكفنوه بأثواب محبرة
وغسلوه بماء الدمع والمقل
واحسرتى قد مضى عمرى وليس معى
زاد يبلغنى للفوز بالامل
السلم و ابناؤه
نشأ بين احضان والده محمد فى وقت كان فيه جده استاذ وعالما كبيرا فى عمان - بضم العين والميم المفتوحة الخفيفة - ومن عادات وتقاليد تلك الاسرة انها تنشئ ابناءها منذ حداثة سنهم بأن تحفظهم القرآن الكريم . وهكذا كان فمنذ نشأته بدأ يتلقى القرآن حتى حفظه وهو فى العاشرة
من عمره . ثم بدأ يدرس العلوم الدينية واللغة العربية على يد جده حبيب . وعندما بلغ عمره واحدا وعشرين سنة سافر الى مكة والمدينة لحضور بعض حلقات الدروس فى الحرمين الشريفين كحلقة الشيخ محمد الطيب الانصارى بالمدينة ، ثم اتجه الى بغداد والهند واليمن ، لطلب العلم و أخيرا استقر به المقام في بلده عمان حيث اخذ يرشد وينصح ويدعو الناس الى ما فيه الخير
توفى فضيلة الشيخ يوم الجمعة ١٢-٧ - ١٣٥٧ ه وله من الابناء الشيخ الكبير والعالم الجليل الاستاذ حبيب بن عبد الله ابن محمد الانصارى ، مدير عام دائرة التحسينات بعمان والولد سر أبيه .

