الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "المنهل"

من أعلام المدينة المنورة, صاحب الفضيلة العلامة الشيخ أبو بكر بن عمر بن أبى بكر، الداغستانى المدنى ( ١٢٩٦-١٣٦٢ )

Share

عالم من علماء المدينة الممتازين وفقيه من فقهائها المعدودين ، له باع طويل في الخطابة والادب إذا تكلم أبان وأجاد . واذا وعظ وخطاب أثر وأفاد . ولد في المدينة المنورة في أواخر القرن الثالث عشر ، وتربية علمية دينية خشنة فحفظ القرآن وجوده منذ نعومة اظفاره وتعلم الخط والحساب ودرس الفقه والفرائض . وفي أول حياته مارس كثيرا من الاعمال الحرة ثم تعاطي الرحلات الى الخارج طلبا للعلم والرزق ، سافر إلى سوريا وتركيا ومصر والتحق مدة بسيطة في رواق الحرمين بالأزهر . وفي مصر طبع كتابه الذي علق عليه وشرح الفاظه . . وهو كتاب المفضليات الذى ألفه المفضل الضبى للخليفة أبو جعفر المنصور برسم ابنه المهدى . وقد شاركه فى نشره والتزام طبعه الاديب الشاعر المدني الشيخ حمزة بن أمين بن حسن حلواني ، الرحالة المشهور ، والكتاب طبع فى جزئين صغيرين ، الجزء الاول منه ٩٣ صحيفة والجزء الثاني ١٠٨ صحيفة . والكتاب أثر أدبي قسم يشتمل على كثير من أشعار العرب القدامي . وتعليق الداغستاني عليه

خاص بتفسير ألفاظه اللغوية ووضع شكل على الحروف بدقة فائقة ومهارة . وأكثر الفاظه جاهلية حوشية غامضة يحتاج تفسيرها الى جهد ومراجعات في أمهات معاجم اللغة العربية ومثل هذا العمل لا يتيسر الا لاديب دارس لقواعد اللغة العربية دراسة تخصص واستقصاء .

وعلى كل حال كان عمل الشيخ الداغستانى وزميله عملا رائعا له قيمته الادبية عندما مؤرخي الادب وهو مشاركة فعالة فى احياء التراث الادبى فى أول النهضة لا سيما وان طبعة الداغستاني لهذا الكتاب تعد أول طبعة كاملة له وذلك عام ١٣٢٤ ه .

وللكتاب شروح وتعاليق متعددة . وأخيرا ظهرت منه ثلاث طبعات لأحمد محمد شاكر وعبد السلام هارون ، وآخر طبعة منه عام ١٢٨٢ ه

لكن طبعة الدغستاني تعد تحفة نادرة يعتز بها أبناء هذه البلاد لا سيما أبناء المدينة المنورة . وهذا يدل على أن المدينة كانت ولا تزال أم العلم والادب والفن.

أما من ناحية الخطابة وقوة العارضة واستحضار المعانى فهى موهبة متأصلة عند مترجمنا الداغستانى ، وانى أستشهد بما كتبه عنه استاذنا الشيخ عبد القدوس الانصارى يجيب بعض السائلين عنه حيث قال :

أبو بكر الداغستاني الذي تسالون عنه . هو من أهل المدينة المنورة ومن علمائها وأحد خطباء المسجد النبوى فيها وكان فصيحا وخطيبا مصقعا مشهودا له بذلك .

ولا أزال اذكر له خطيته المرتجله الرنانة التى ارتجلها بحماس بالغ ، وأداء رائع مؤثر على المنبر النبوى فى المسجد الشريف عام

١٣٤٨ ه من فلسطين . ولقد أدركناه رجلا أشيب أسمر اللون مستدير الوجه كث اللحية مفتول العضلات جهورى الصوت . وقد توفي منذ أمد " . انتهى .

والحقيقة ان كثيرا من أهل المدينة المنورة يعرفونه ولا ينكرون ما كان يتحلى به من علم وفضل ووجاهة . ولقد كان رحمه الله معدا بنفسه على غير خيلاء . ولكنه اباء الفضل والعلم والادب عما يشين ويصم . سلفى العقيدة بعيد عن الاوهام والخرافات ملازم لاداء الفرائض فى المسجد النبوى الشريف .

كان يعمل مرافعا فى المحاكم الشرعية وعرض عليه القضاء مرارا ولكنه تمنع وتأبى حتى تولاها بعزيمة جادة من قبل الملك عبد العزيز - رحمه الله - فى بلدة ينبع البحر وله هناك حوادث مشهورة متناقية ومنها أنه حينما صرف المرتب ذهب يتقاضى مرتبه من مدير المالية الذي أحب أن يعاكسه فقال المدير المذكور عندما طالبه القاضي بمرتبه :

- اصبر يا استاذ أنا مدير المالية ولم اتناول راتبى بعد .

فرد عليه الشيخ بحماسة : أنت بصفتك مديرا للمالية فيجب أن تأخذ راتبك آخر الموظفين . . أما أنا بصفتى ممثل القضاء عن ابن سعود فيقتضى أن أتناول مرتبى قبلك .

فقال مدير المالية : هل أنت خير مني وأهم عملا منى ؟

فقال الداغستاني : هو كذلك . والدليل أننى أستطيع أن اقوم بعملك ولا تستطيع القيام بعملى . . وأن الحكومة لو طلبت مئات من مديرى المالية  لوجدتهم بدون عناء . . ولكنها لو طبت قاضيا واحدا فلا تجده

لا بعد بحث واستقصاء والتأكد من عدالته وصلاحه للمهمة التى تسند اليه .

وعلى مثل هذه المجاراة تطور النزاع بينهما واستشرى الشر حتى أدى إلى ان ترافعا إلى المراجع العليا وشكلت لذلك هيئة . فحكمت للقاضى بعد بحث وتدقيق وانتصر العلم على المال .

ولقد كانت للشيخ مكانة مرموقة عند الحكومة وعند أهل المدينة على السواء حتى ان الامير " عبد العزيز بن ابراهيم " الذي كان أمير المدينة على ذلك العهد كان يرشحه للاعمال المهمة ، وقد انتخب فى مجلس الادارة ، وهيئة الادلاء وهيئة الاوقاف والمجلس البلدى وغير ذلك من الاعمال النافعة للوطن . وكان يوفد من قبل أهل المدينة لمقابلة جلالة المغفور له الملك عبد العزيز فى الرياض وفي مكة المكرمة ، وهو لسان الوفد الذي يصحبه وخطيبه وقد لا يقل عن الشيخ

سعود دشيشة فى محبته للوطن ودفاعه عنه . وكان يعتز بانتسابه للمدينة المنورة وهذا هو سر محبة الناس له .

ولقد كان حاد المزاج نفي السريرة عف البدن واللسان . يسعى وراء الرزق الحلال . ثم يترك بابا من أبواب طلب العيش الا ولجه ، ولا سبيلا من سبل الحياة الكريمة الا سلكه ، عانى البيع والشراء ، واشتغل بالفلاحة ، وتولى الوظائف . ومع ذلك توفى غير ممول ، وكان عيشه عيش الكفاف . .

وأخيرا ، وافاه أجله المحتوم في المدينة المنورة عن عمر يقارب السبعين عام وذلك سنة ١٣٦٢ ه ، ودفن بين آبائه فى البقيع الشريف وخلف ٣ أولاد يعملون فى خدمة الوطن ، وله ابنتان متزوجتان

رحمه الله رحمة واسعة وعوض الله المدينة بمن هو خير منه . آمين.

(المدينة المنورة )

اشترك في نشرتنا البريدية