الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

من أمسي

Share

قد تنتشلنا احاسيس ، مرهفات قاسيات ، من صمتنا الكئيب فتدفعنا - قسرا - الى الحركة . . الحركة العميقة . . وكأنه اطل فجأة - على عالم سحرى تاق اليه بحنين مكبوت . . بحنين " اريد ان اكون " . . بحنين "اريد ان احب " . . .

وشك فى مفهوم وجوده وفى ماهية الاشياء حوله . . وتحرك فى ذاته مفهوم غامض فجعله فيها . . نعم فجعله فى تلك الفاتنة الطروب . . وبدت له كهالة الالتباس عمياء فى ديجورها الدامس . . واحس - لاول مرة فى حياته - ان ما ينشده ليس فى " ان يضمها الى صدره " . . .

وشعر بجوع مرير . . بجوع طغى على احاسيسه . . وعاد . . عاد - من جديد - يتامل جسدها وجمالها ووجودها بجانبه . . ورابه ان احس " انه يعبث " اجل . يعبث . . وتركها حانقا على وجوده وعبثه . .

واحتارت وانكرت ما صدر منه وعلى شفتيها استفهام . .؟ الم يكن بجانبي طروبا يتغنى ؟ الم يكن يضمنى فى حرارة وتدله . . ؟

وكان كل ذلك . . كم قال لها " احبك ، . . " وهو يعلم جدا انه يكذب على نفسه ويخادعها لكى تسلس له . . انه يعلم انه يخدع نفسه ويخادع بل ادرك انه يستجيب لخداع يشع من ذاتها . . ولكن لابد له ان يلبى هذه الرغبة العنيدة . . وهكذا اخمد تساؤله بفكرة جامدة ، مبتذلة علقت بذهنه وقال ليس لى مندوحة من القيام بهذه الاعمال بل انا بحكم الوضع والتركيب والسنة . .

. . وفى يأسه التفت . . التفت فاذا الوجود فى جعجعة قاسية ، قاذعة، من خداعه وتكالبه وكذبه . . وفطن انه يتوسط بريائه وابتساماته ورقة احاديثه لكى يحقق وجوده كبطل في مهزلة الحياة . . وابتسمت كفتيات عصرها وقالت عنه " انه طموح . : سريع التحول . . "

. . وعاد اليها لكى لن " تقول عنه " وانما لتتجة اليه و " تقول له " . .

. . " ولكن ماذا تريد منى ؟ " وكان ساكنا وقد بدا على محياه اعياء واجهاد . . انه لا يريد ان يبدو لها ممثلا او كذبا بل يريد ان يخرجها من دوارها . .

ولما وجدت ان امامها شخصا غير الذى الفته انزعجت وصمتت . .

.. وكانت الايام الاخيرة ككل حشاشة فى ارتعاشها البائس وتوترها العفيف واحتدام انفعالها وصممت على الابتعاد . . وذهبت لتندمج فى سير الحياة الرتبيت . . ذهبت لانها لم تدرك - وقتها - ان جوعا غمر ذاته فاورثه هذا السلوك . .

. . انه يعلم انها تعبث مثلة ولكنها راضية او متراضية عن عبثها كما انه يعلم ان شيئا من الذكرى الحميمة سوف يبقى لذيذا عميقا وملحاحا فى نفسها . .

. . وابتسمت وهى تتامل - فى المرأة - صدرها المكتنز . . وكان ينظر - من خلفها - الى تناسق اعضائها . .

قال لها : لن اكذب . . ولن ارائى . . ولن تعودى الى

قالت : ولكن الحياة تقتضى الكذب والرياء و . .

وقال اشياء كثيرة وهى تسرح شعرها . . ولم تجبه الا بقولها : لا اريد ان اعلم هذا بل دعنى فى همودى

. . وتقلب - غربيا - مع افكاره فراعه ان ادرك انه شريد . . ورمى نفسه بالشذوذ . . ولكن هل هو يترجم عن واقع حى ام هو ضحية لعقدة نفسية فى حالة انفجار من لا شعوره ؟ . . وشعر بعزلته وهولها وقسوتها . . وعمق قرارها . . .

وجاءته ذات يوم واجمة المحيا وقالت " قبلت الزواج من احد الشبان لكى تنتهى قصنى واندمج فى حشو الناس " . .

ولم يجبها وانما القى على جبينها الغائم قبلة عميقة ونظر فى عينيها المكدودتين وابتسم . . ولاذت بصمت رهيب ، وغادرته وهى تغالب انتفاضه قاسية ارتعشت لها حنجرتها . .

. . وتعالت زغردة صرفته عن ديوان الشابى . .

وقال : سوف تبتسم لزوجها وسوف تنذهل بين احضانه . . ولكنها سوف لن تفقد وعيها وتبتسم لنفسها عندما تشاهد العريس ينتفض وتحتدم فيه الرغبة الجنسية

وارسل اليها هذين البيتين للشابى

للشعاع الجميل انت وللانسا     م والزهر ، فالعبى ، واطيلى

ودعى للشقى اشواقه الظمىاى   واوهام ذهنه المعلول

. . ومرت سنوات مضطربة ، مترجرجة قلقة ، . . والحياة تتدفق حوله وهو فى لا مبالاته الحائرة . . العنيدة . .

. . قال لها ذات يوم : وزوجك ، هل تحبينه ؟

قالت : بل احلمت النفس بمحبته واخشى ان يفنى هذا التصور ! واغمضت عينيها . .

قال : وبنيتك ، هل تحبينها ؟

قالت : كما احب كل شئ اصنعه فى نشوة واغراق . . ودوار . .

وتذكر انه قال لها هذا الكلام مرارا بنفس اللوعة والحرارة والحنين . . وتبين له ان الاحداث ، هى هى ، وجود سرمدى . .

قالت : اخشى ان تتيه فى مهمه عميق القرار . . ؟

فقال بسرعة جلبت انتباهها : هذا شعور انسانى نبيل ؟

قالت : البارحة سالت نفسى : ما الذى يربطنى بك ؟

لماذا افكر فى شانك وقد ربطت مصيرى بهذا الشاب النائم بجانبى . . ولم اجد الجواب ؟

قال : " سوف استكمل عناصر قصتى التى رسمتها الاقدار فى مستهل حياتى . . ولكنى اعلم ان العقدة سوف تبقى هى ، هى ، بدون حل . . واحرك ذاتى من حين لآخر فاذكر احداث الماضى ليسيل دمعى فى قرارة ذاتى ، فى هذا التركيب الغامض . . " فى الانا " واحست ان هى الاخرى ضائعة . . ولم تجبه بل سكتت لترتعش حنجرتها . . ويسيل دمعها . . وتنفجر فى اعماقها الغصة . . .

. كان مستلقيا على فراشه يرنو الى دخان سيجارته يلتوى متصاعدا حتى يصل الى حد اقصى ليغيب عن ناظريه . . نعم حد اقصى . .

وابتسم ثم صرف نظره عن الدخان ليلقى به فى الفراغ . . واحس انه مرة اخرى يعيد فى ذاكرته رسالتها : " . . لقد ذهبت بعيدا . . بعيدا جدا يا حبيبى!

ولكنى احبك . . احبك ولا استطيع ان البى مطالبك ولا تستطيع امراة فى الوجود . . لا لانها مثالية مغالية او خيالية مطلقة وانما لانها وجدت لا لنفهمها وانما لنعيها فقط . . فقط لنعيها فى قرارة ذاتنا . . ياحبيبى ، .

. . والشابى الذى قال :

ولما استخفنى عبث الناس        تبسمت فى اسى وجمود

بسمت مرة كأنى استل            من الشوك ذابلات الورود

هو ايضا قال :

ابدا يحمل الوجود بما فيه            كأن ليس للوجود زعيمة

فكثير عليك ان تحمل الدنيا         وتمشى بوترها لا تريمة

والوجود العظيم اقعد فى الماضى     وما انت ربه فتقيمة

. . حبيبى ! انى اخشى ان تبتعد عن دنيا الناس وتنكمش فتذوى فيك الحياة . . .

. . . ولا بد ان تستجيب لطبيعة الدوار فينا لان التركيب البشرى عاجز عن الدوام . . . "

واغمض عينيه وتمتم : سوف احبك . . وسوف احب المراة . .

اشترك في نشرتنا البريدية