الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8 الرجوع إلى "المنهل"

من إشراقات الصيام

Share

لقد كاد شهر رمضان يقدم . . انه على الباب ، فأهلا به ومرحبا بمقدمه ، انه شهر الصيام والقيام ، وشهر العبادة والسعادة . فيا له من شهر يملأ قلوب المؤمنين ايمان وتقوى ، وعبودية للحى القيوم . فالمؤمن حقا لا يخالجه ادنى ريب فيما وراء الاوامر والنواهى ، مما أمره الله ونهى عنه من حكم بالغة ، واهداف سامية ، تعود على الجميع فردا ومجتمعا ، منافعها وفوائدها فى جميع مرافق الحياة الانسانية . وهكذا كان في فرض صيام شهر رمضان من حكم واهداف ، ما نعرف وما لا نعرف ، وما سينكشف لنا بعد تقدم علومنا ومعارفنا .

هكذا يقول المؤمنون ، واما غير المؤمنين الذين لا صلة لقلوبهم بالايمان بالله ، وبما لله من قدرة وارادة ، فلا يتراءى لهم من الصوم الا الجوع والعطش والاجهاد بما لا ينفع ولا يفيد . فما ابعدهم في الضلال المردى والخطأ المهلك ، ولقد قال الله سبحانه وتعالى مخاطبا المؤمنين في القرآن الكريم:

ايها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام) كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ) سورة البقرة ١٨٣.

فظاهر من هذه الآية انه تعالى خاطب المؤمنين واخبرهم بانه فرض عليهم الصيام كما فرض على الامم قبلهم من المؤمنين طبعا ، لماذا ؟ لعلهم يتقون . ويزداد ايمانهم وعبوديتهم للواحد القهار . وأما غير المؤمنين فقد أهدرهم الله وتركهم ولم يخاطبهم لانهم لم يؤمنوا به فكيف بأوامره ونواهيه.

واما ما كان للصيام من حكم ، فأول ما يتبادر الى الذهن بعد كشف ما تحته من أسرار ، هو ان الصوم اداة تربوية ، جسمانية وروحانية ، فتربى الانسان على الصبر فى تحمل ما يلاقيه فى هذه الحياة

من المشاق والمتاعب والمشاكل ، كصبره في تحمل آلام الجوع والعطش وجه النهار . فلا ينى ولا يقنط ولا ييأس اذا دهمته داهية أو اعترضته مصيبة ، بل يصبر ويثابر على العمل بواجباته ، ويتوكل على الله ، حتى يقضى الله أمرا كان مفعولا

ومن حسنات الصوم فى المجال التربوى ، جسمانية كانت أو روحانية ، ان صيام المؤمن ينمى فى قلبه الشعور والحساسية بما يلاقية المعوزون والمقلون فى المجتمع من الجوع والعطش والعرى فيلين قلبه ، ويعطف على أخيه المعوز الفقير ، فينبعث منه الايثار والرحمة ، ويسارع لتلافي هذه الظاهرة السلبية فى المجتمع

ولهذا كان مما ينبغي على المؤمن عندما يبدأ يصوم أن يحسن نيته ، ويخلصها الاخلاص كله لوجه الله ، ويزكى نفسه من جميع الادران والخصال غير المحمودة ليأتى صومه بثمراته المطلوبة ، وحكمه المرجوة ، وحتى لا يكون مهدرا وعبثا ليس وراءه الا العطش والجوع . قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فى وجوب اعداد النفس بالنية الخالصة عند الصوم

"جاءكم شهر رمضان المبارك فقدموا فيه النية ووسعوا عليه النفقة " - رواه الديلمي عن ابن مسعود - قال المزى فى التنبيه اسناده صحيح . وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " كم من صائم ليس له من صومه الا الجوع والعطش " - رواه النسائى وابن ماجه من حديث ابى هريرة ، قال ابن ابى حاتم فى الاقتراح : اسناده صحيح

ومن حكم الصوم فيما يخص الناحية الجسمانية قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " صوموا تصحوا " رواه ابو نعيم وابن شاهين وضعفاه عن ابى هريرة ، وقال الفتنى فى كتاب تذكرة الموضوعات ناقلا عن عن الصغاني : انه موضوع ، وقال المحدث محمد بن درويش الشهير بالحوت : ضعيف. لماذا ؟ وما العلاقة بين الصحة والصوم ؟

الجواب ظاهر ، ان الصوم والصحة يمتان بأوثق صلة بالمعدة وقد قال الحارث بن كلدة أحد الاطباء العرب : " المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء " . والأطباء المحنكون فى اكتشافاتهم الطبية يعزون اسباب الامراض الى وضع المعدة فقالوا : " فتش عن المعدة " وهذا طبعا مفهوم بالبداهة ، لان المعدة إذا تحملت الافراط أو التفريط فى وضعها كان خليقا بان ينشأ منها الامراض الوبيلة ، ولا بد من الحمية كما يقوله الحكماء ويؤيده الحديث النبوى المذكور : " صوموا تصحوا " والصوم أحسن وسائل الحمية

ومن الاخلاق الاسلامية بهذا الصدد وفيما يتعلق بحكمة الصوم قوله تعالى فى القرآن الكريم : ( كلوا واشربوا ولا تسرفوا )، وقول أحد حكماء الاسلام "نحن قوم لا نأكل حتى نجوع واذا أكلنا لا نشبع " . فلا يفرط أو يفرط في معدته ولا يرهقها دائما بالاسراف فى الأكل والشرب حتى الشبع ، لان الشبع ليس من الاخلاق الاسلامية . وبهذه المناسبة نستبشع ما نراه فى واقع الحياة من ان بعض الناس يأكلون حتى الشبع

ولنعد الى ما نحن بصدده ، فنقول : ان

المحافظة على الصحة واجب فى الاسلام وجوبا عينيا لان المسلم مسؤول عن صحته كما فى الحديث النبوى : " كلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيته " رواه الامام أحمد ابن حنبل فى مسنده والبخارى ومسلم وأبو داود والترمذى عن ابن عمر باسناد صحيح

فيحرم عليه اهدار صحته وعدم المحافظة عليها وعدم الاعتناء بها ، لانه يكون كمن يلقى نفسه الى التهلكة - قال الله سبحانه وتعالى( ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة) (سورة البقرة ١٩٥)

ولقد سن الاسلام فى ذلك نظاما من أحسن الأنظمة وهو قول أحد حكماء الاسلام "نحن قوم لا ناكل حتى نجوع واذا أكلنا لا نشبع " كما تقدم . فاذا اتبع المؤمن هذا النظام العجيب فى حياته فلا يأكل الا اذا جاع ، واذا أكل لا يشبع ، واتبع كذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما ملأ آدمى وعاء شرا من بطنه . . بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فان كان لا محالة "فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه

رواه الامام احمد بن حنبل والترمذى وابن ماجة والحاكم من حديث المقدام بن معد يكرب ( صحيح ) فلا تأتي ساحته الأمراض ان شاءالله فانظر هذا التوجيه النبوى والنظام الاسلامى الذى تواطأ عليه الحكماء وقرره الاطباء .

وهذا علاوة على ما اختص به طعامنا نحن الشرقيين من الثقل على المعدة لاحتوائه على مواد يصعب هضمها ، وما احسن ما كتبه أحد الاطباء المعاصرين وهو الدكتور منذر الدقاق رئيس شعبة الامراض الداخلية فى مستشفى دمشق قال:

فالصحة التى تتأتى عن طريق الصوم

تعود الى ان جهاز الهضم معرض لنوع من التعب الخاص في بلاد الشرق خاصة حيث يختص الطعام الشرقي بصعوبة الهضم لثقله ، وكثرة الدسم فيه ، وتعقد اصول طبخه وتعدد اجزائه المخلوطة . وثقل هذا الطعام يحمل الى جهاز الهضم تعبا شديدا خلال فترة مديدة من السنة حتى يأتي شهر رمضان فيقدم فترة راحة ضرورية لجهاز متعب .

والهضم الصحيح يأتي عن طريق الترتيب لأوقات الطعام ، والشخص الذي اعتاد الفوضى فى تناول طعامه خلال ايام السنة ، يجد نفسه مضطرا لتنظيم اوقات طعامه خلال شهر كامل ، وهو ما يسمح لجهاز الهضم ان يصلح الكثير من اضطراباته التى تراكمت طوال العام".

مجلة الوعى الاسلامى عدد شهر رمضان سنة ١٣٨٦-١٩٦٦ تحت عنوان  صيام رمضان بين الصحة والمرض

ثم اضاف الاسلام نظاما آخر على المسلم بعد اتباعه بالترتيب للنظام السابق ، وهو أن يقلل من طعامه وشرابه شهرا واحدا من اثنى عشر شهرا فى السنة ، تنفيسا لمعدته لتأخذ بعض الراحة من هضم الاطعمة الضاغطة فلا غرو أن يخرج المسلم من هذه الرياضة الصحية ، واتباعه هذين النظامين ، معافى ، سليم الجسم وسليم العقل ، كما قيل "العقل السليم فى الجسم السليم وباللغة اللاتينية:

(Men's sano in Corparro sano )

وبذلك يمكنه أن يواجه واجباته نحو ربه ونبيه ، ونحو نفسه وأهله ونحو مجتمعه ووطنه بوجه باسم ، وقلب متسع ، لا كما يواجهها المتأوه الشاكى من الأمراض المختلفة ، التى تنتابه من آن الى ان..

وهنا وضحت كل الوضوح حكمة الصوم فيما يتعلق بالمجال التربوى الجثمانى ، ولنترك التحدث عما نراه فى واقع المسلمين فى شهر رمضان فان بعضهم ( نقول بعضهم تأدبا ) بدل ان يقللوا من طعامهم وشرابهم اتباعا للهدى المحمدى ، اضافوا على مصاريفهم اليومية العادية " مصروفا ممتازا " طيلة شهر رمضان ، اشباعا لنهمهم وشراهتهم فى أنواع الاطعمة الدسمة اللذيذة حتى اذا جاء وقت الافطار تهافتوا على هذه الاطعمة المتنوعة وانقضوا عليها وملأوا بها بطونهم حتى الشبع ، فتفوتهم الحكمة ، وينطبق عليهم الحديث النبوى : " كم من صائم ليس له من صومه الا الجوع والعطش " رواه النسائى وابن ماجه من حديث ابى هريرة - قال ابن ابى حاتم فى الاقتراح : اسناده صحيح

أفيمكننا ويا للاسف ان نتحدث عن واقع الغربيين ، ونقارنه بواقعنا فى المحافظة على الصحة واتباع النظام فى جميع الشؤون الحيوية ؟ أفيمكننا أن نقول : انهم اخذوا عن الاسلام ، بوعى أو بغير وعي ، لبابه وزبدته ، فى تشريعاته وتوجيهاته عن الحياة المنظمة : ونحن على العكس نتمسك بالقشور ونرمى باللباب ؟ أفلا نراهم - وهذا ليس مدحا فيهم - يتبعون النظام فى جميع مرافق حياتهم ، فى حركاتهم وسكناتهم ، فلا يأكلون ولا يشربون ، ولا ينامون ولا يقومون ولا ولا ولا وهلم جرا الا بنظام دقيق وفى الوقت المعين . وهذا كله من توجيهات الاسلام وأنظمته . ثم قارن ذلك بواقع المسلمين وخذ نموذجا ما قدمناه فى صدد

المحافظة ، الفارق بين هذا وذاك واضح وضوح الشمس فى رائعة النهار.

أفيمكننا أن نقول أيضا ان الغربيين كلما أمعنوا فى الحياة ، وطعنوا فى السن ، ازدادت فيهم قوة التفكير والنشاط فى العمل ، وما ذلك الا من اتباعهم للحياة المنظمة ، فنرى أقطاب السياسة منهم الذين يواجهون أمور السياسة العمومية الملتوية ، ورجال الاقتصاد وذوى الكفاءات فى الصناعة ، وأهل العلم الذين ينقبون عما فى الكون من أسرار فى البرارى وأعماق البحار وفسحات الاجواء والاثير وما الى ذلك - نعم - نراهم فى الغالب ممن قد بلغوا ، او كادوا يبلغون بداية مرحلة الشيخوخة من حياتهم ، مع اننا نحن الشرقيين اذا بلغنا دور الكهولة ادركنا الوهن والضعف فى صحتنا وقوة تفكيرنا ، وارتعدت مفاصلنا وأعصابنا ، ولا نستطيع أن نعلل ذلك الا من عدم استمساكنا بتعاليم الاسلام في صدد المحافظة على الصحة.

والى هنا نقف عن الاستطراد فى الكلام وربما نرجع اليه فى مناسبة اخرى ، ونتوسع فى البحث حتى يتناول الفرائض الاخرى مثل الشهادتين والصلاة والزكاة والحج التى كثيرا ما أهدرها أهلها ولم يعملوا بها الا اعتباطا وجريا على العادة السائدة حتى أصبحت خالية من كل حكمة ومن كل نور يشع على البشرية فى صدر الاسلام وفي عصوره الذهبية

اشترك في نشرتنا البريدية