لصديقنا الأستاذ محمد طاهر الكردى الخطاط ؛ نشاط العلماء ، وعلم الأدباء ، وقد أخرج للناس كتابه الضخم " تاريخ الخط العربي " فكان الأول من نوعه فى البلاد العربية فخامة تحقيق وهدف وجمال روح وصدق وقد إستقبله المثقفون بما يليق به من تقدير جم .
وها هو الآن يخرج كتابه " تاريخ القرآن " الذي هو تحت الطبع ؛ فاذا وتحفة علمية طيبه .
وها نحن ننقل منه الفصل الثالث للقراء كنموذج من انتاجنا العلمي الحديث
الفصل الثالث تحقيق في رسم القرآن الكريم
لقد اختلف العلماء فى رسم المصحف العثمانى ، فبعضهم يقول انه من اصطلاح الصحابة وبعضهم يقول انه توقيفي ويستدلون عليه بان النبى صلى الله عليه وسلم كان هو الذي يملى زيد بن ثابت القرآن من تلقين جبريل عليه السلام كما يشهد بذلك اطباق القراء على قوله تعالى : ((واخشوتي )) فى " البقرة " باثبات الياء وفى " المائدة " بحذفها فى الموضعين ، ونظائر ذلك كثيرة ، مما يدل على ان هجاء القرآن وكتابته بالتوقيف وانه ليس من الرسم الموضوع ، وقد كتب القرآن فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن غير مجموع فى موضع واحد ولامرتب السور ، والذى يظهر لنا والله أعلم بغيبه ان رسم المصحف العثمانى غير توقيفي .
ونستدل على قولنا هذا بخمسة أمور : أولاً - ان من معجزات النبى صلى الله عليه وسلم كونه أمياً لا يكتب ولايقرأ كتابا كما قال تعالى : ((وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب
المبطلون )) فكيف يملى عليه الصلاة والسلام زيد بن ثابت حسب قواعد فن الكتابة والأملاء من نحو الزيادة والنقص والفصل والوصل ! ؟ فهل كان يقول صلى الله عليه وسلم لكاتب الوحى : أكتب كلمة " إبراهيم " فى جميع سورة البقرة بغيرياء وا كتبها فى بقية القرآن بالياء ، واكتب كلمة بأييد ، بيائين ، واكتب كلمة (( وجائ يومئذ بجهنم )) بزيادة الف بعد الجيم . واكتب كلمة ( لشائ ) بزيادة الف بعد الشين . وا كتب كلمة : (( أفاين مات أو قتل )) بزيادة باء قبل النون . وا كتب كلمة : (( الله يبدؤا )) بهمزة فوق الواو والف بعدها . واكتب هذه الكلمات (جاءو ) . ( فاءو ) ( باءو ) ( تبوءو ) - بغير ألف فيما بعد واو الجماعة وفيما عدا هذه الكلمات أثبت الالف بعدها . وأكتب كلمة(مائة ) بالالف . واكتب كلمة ( فئة ) بغير الف . واكتب كلمة ( سعوا )التى بالحج بالف بعد الواو . واحذف الالف من ( سعو ) التى بسبأ . واكتب كلمة ( واخشونى ) بالياء فى البقره ، واحذفها منها فى المائدة . واحذف اللام الثانية من كلمة ( الليل ) واثبتها فى كلمة ( اللؤلؤ ) واكتب الكلمات : (الصلوة ) ( الزكوة) ( الربوا) الواو . واكتب (قرت عين لى) بالتاء المفتوحة . وا كتب (قرة أعين) بالهاء . وأفصل " كي " عن " لا " فى " كي لايكون دولة " . . وصلها بها فى " لكيلا تأسوا " . . وهكذا فى جميع القرآن .
فان كان املاء النبي صلى الله عليه وسلم القرآن لكاتب الوحي بهذه الصفة فالرسم توقيفي بلاجدال . لكن لم نر منقولا ان النبى عليه الصلاة والسلام كان يملى كاتب الوحى بهذه الصفة ولو كان الامر كذلك لنقل عنه صلى الله عليه وسلم ولما خفى ذلك على أحد . ثم لو كان كذلك أيضاً لكان عارفاً باصول الكتابة وقواعد لاملاء حق المعرفة . وكيف يكون ذلك وهو النبى الأمي ؟ !
ثانياً : اختلف زيد بن ثابت ومن معه فى كلمة ( التابوت ) : أيكتبونه بالتاء ام الهاء ورفعوا الأمر الى عثمان رضى الله عنه فأمرهم ان يكتبوها بالتاء فلوكان الرسم توقيفياً باملاء النبى صلى الله عليه وسلم بالكيفة التى ذكرناها لقال لهم زيد
ابن ثابت ان رسول الله امرني بكتابتها بالتاء ، ولقال عثمان لزيد اكتبها بالصفة التى املاكها الرسول
ثالثاً : لو كان الرسم توقيفيا لما اختلف الرسم فى المصاحف التى ارسلها عثمان الى الامصار كما سبق بيانه قبل هذا الفصل
رابعاً : لو كان الرسم توقيفيا لصرح بذلك الأمام مالك بن انس ولما اباح كتابة الصحف والالواح للصغار المتعلمين بغير الرسم العثماني ولصرح بذلك أيضاً جميع الأئمة .
خامساً : لوكان الرسم توقيفيا لنعتوه بالرسم التوقيفي ، او بالرسم النبوى ولما كانوا نعتوه بالرسم العثمانى نسبة لعثمان بن عفان . فاستدلالهم بان زيد بن ثابت كتب كلمة " واخشونى " بالبقرة باثبات الياء . وكتبها فى " المائدة " بحذفها فى غير محله . لأن ثبوت الياء او حذفها يعلم من وقوف القارىء على الكلمة فان وقف بالسكون على النون كتبت بالنون فقط ، والا كتبت بالياء
فزيد بن ثابت عرف ذلك من وقف النبي صلى الله عليه وسلم على الكلمة . ومن ذلك يعلم ان رسم المصحف ليس توقيفياً وانما هو من وضع الصحابة واصطلاحهم
بقي علينا ان نعرف لماذا لم يكتبوا المصحف على قواعد الكتابة ؟ ولما لم يسيروا فى كتابته على وتيرة واحدة ؟
هذان سؤالان من حقهما ان يوجها إلى الصحابة الذين كتبوه بامر عثمان وأنى يكون ذلك وقد ذهبوا الى جوار ربهم الكريم . ومن هنا يقول العلماء ان رسم المصحف سر من الاسرار .
هذا ولا يخطرن ببالك انهم ما كانوا يعرفون اصول الكتابة فلذلك اضطربوا فى رسم المصحف فان هذا وهم باطل ، لأنهم كانوا يعرفونها حق المعرفة كما سنقيم الدليل عليه فى الفصل الخامس .
ولا تتوههن عليهم السهو أو الخطأ فى كتابة كلام الله تعالى ، وقد مربك بطلان ذلك فى الباب الثاني فى الفصل الخاص بضبط المصحف الشريف وتصحيحه .

