الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

من اجل مقاومة التحريف الثقافى، والاستعمار الفكري الجديد،

Share

ان أمة لا تحدد معالم شخصيتها ليست أمة ، بل مجموعة من الناس تنساق فى أعاصير العالم لكل غاز من الغزاة وتنهشها المطامع نهشا فلا يستقر فيها العمران حتى تندثر وتتلاشى ، فتتميع أصالتها كى " تندمج " فى سواها من الامم .

هذه حقيقة أقرها المؤرخ وعالم الاجتماع ، ولعل أول من ركز حولها الدرس والتمحيص كان العلامة عبد الرحمان بن خلدون الذى تحدث عن المسألة بأستعمال كلمتى : الغالب والمغلوب

فالأمة الغالبة لديه هى التى تغزو - بألسيف أو بالعمران - أمة أخرى فتحولها الى تابعة . أما المغلوب فيسعى الى تقليد الغالب فى شتى مظاهر ملبسه ومأكله ومركبه وسائر شؤون حياته .

وألح ابن خلدون على خطر ما نسميه اليوم بالانغيار ( L alienation ) أى الاندماج القاتل فى الغير والتخلص من ذاتية الامة وشتى مظاهرها الخاصة من لغة ودين ، بما يصحب ذلك من تنكر للتراث وما ينتج عنه من استنقاص للنفس وتقديس للغير .

الاستعمار والاستعمار الجديد

انها جدلية تاريخية لا مناص منها تلك التى تقضى بأن تسعى كل أمة دعمت نهضتها ورسخت أقدامها بالعلم والثقافة والصناعة الى التوسع . وقد كان القرن التاسع عشر خلاصة النهضة الاوربية التى بدأت فى القرن السادس عشر . ولذا كان أيضا قرن التوسع الاستعمارى عسكريا وسياسيا . واستقر

الاوربيون فى سائر الاقطار المتخلفة فتقاسموا أرجاء العالم بدعوى " تمدين الاهالى " و " الحاقهم بركب التقدم " فأستوطنوا الارض ناهبين خيراتها ، محولين الشعوب - بالضرورة - الى عبيد من طينة أخرى .

وكان التحرير فى أواسط هذا القرن نتيجة حتمية ليقظة الشعوب المولى عليها وتأثر النخبة فيها بالحركات الاصلاحية الفكرية التى نشأت وترعرعت فى العالم الاروبى نفسه . لكن الجدلية المذكورة أعلاه لا بد أن تقضى بانتصاب استعمار جديد ، يتخذ لنفسه أسلحة أخرى ، أخفى من أسلحة القوة العسكرية والبعثات المسيحية والتجنيس الادارى . أصبح الاستعمار الجديد أقوى لانه يصعب الكشف عنه . فكانت الثقافة .

وتكونت من جديد الامبراطوريات الثقافية الاستعمارية ، فتغلغلت فى البلاد المتخلفة ، وهى طرية العود ، تنهك حرمة شخصيتها فى لغتها ودينها وتراثها ، بدعوى " التفتح " .

وان بدأ الاستعمار الجديد حركاته بصفة تلقائية فقد أصبح اليوم منظما يعمل حسب خطط مسبقة وأهداف مرسومة .

(1) مسألة " التعاون الفنى والثقافى "

لسنا من المتطرفين الرافضين لفكرة التعاون النزيه بين البلدان المتخلفة والبلدان المتقدمة . لكن النزاهة التى نشترطها فى هذا التعاون تبدو بعيدة المنال نظرا للحلقة المفرغة التى يدور فيها وحولها " التعاون " .

فأغلب الاطارات الاجنبية فى البلاد المتخلفة تعتبر نفسها - بشعور أو لا شعور - حلقة جديدة من سلسلة الغزو ومواصلة طبيعية لطغيان ثقافة على ثقافة ، فنجد أغلب هؤلاء جاهلين لمقومات البلاد الأصلية ، متذبذبين بين العطف على " الاهالى " واحتقارهم ، يعيشون فى كتل مدنية مغلقة ، والانكى أن الشبان منهم يؤدون الخدمة العسكرية فى " فيلق التعاون " أى يمارس فترة من حياته كشر لا بد منه عوض حياة الجندية الشاقة .

فآسمع معى الى أحدهم : الاستاذ جون بيار . ل . استاذ علوم طبيعية بالمنستير يقول : (I)

" نحن هنا نمارس السياحة على حساب الغير . . يحيا التعاون ، هل هذا ذنبنا . . بكل صدق أتمنى أن يمسك التونسيون بمصيرهم عوض أن يسلموه لا يدى هؤلاء " المبشرين " . . أو الثانى يلاحظ : (I)

" . . فى اليوم الذى تسعى فيه هذه البلدان الى تعريب التعليم ، تكون فيه أقوى لمواجهة الاستعمار الجديد . . " نرى من هنا أن الشعور بخطر " التعاون " فى شكله الحالى يخامر حتى هؤلاء " الاعوان " ويعتبر أحدهم نفسه " مجرد بضاعة تكنولوجية يتاجر بها " (I) ان الحلول المنطقية والعملية لقضية التعاون صعبة لكنها ليست مستحيلة ، وهى تكمن فى وعينا الكامل بمقومات بلادنا وعناصر شخصيتها ومنزلتها الاقتصادية للتمكن من رسم سياسة تربوية واضحة مستقيمة . فالتعريب من أقوى أسس تأصيل الجيل التونسى ما دمنا فى تونس - ومن أسرع طرق تكوين اطارات قومية ضمن فلسفة وطنية نابعة من الجذور . كما أن الحل هو الشروع فى تعويض الاعوان الاجانب بالاطارات التونسية وحصر التعاون فى المسائل الفنية المحض أو البيداغوجية الصرف لا المباشرة .

(2) مسألة تحويل الوجهة الثقافية للبلاد

ان سبعين سنة من الاستعمار السياسى والعسكرى والاقتصادى والادارى لابد أن تضعنا - نحن البلدان المتخلفة - فى مفترق طرق ثقافية ولغوية متشعبة فالمشكل اللغوى مثلا ما يزال قائم الذات نظرا للثقافة المزدوجة التى تلقاها جيلنا ، وهذا المشكل تفاقم بمركبات النقص والاستنقاص التى تمكنت من الجيل الجديد فى بلادنا فجعلته مغلوبا بمفهوم ابن خلدون ، مقدسا للغة الفرنسية أيما تقديس ، بها يعبر عن توافه الاحاسيس وبها يحاول أن يعبر عن مشاغله اليومية حتى يكون " مواطنا صالحا وعصريا " والخطر أنه بهذه اللغة يحاول بعض من شبابنا أن يكتب الادب او يتحدث عن الثقافة .

ومن هنا وجد الاستعمار الجديد السبيل معبدا لتنظيم ما سميناه " تحويل الوجهة الثقافية للبلاد " فلقد رأينا أن مجلة برزت لتقديم ما سمته " بالادب التونسى ذى اللسان الفرنسى (2) كما أن مجلة ثانية سترى النور لتدعم هذا " الآدب التونسى ذى اللسان الفرنسى " زيادة على " أمسية شعرية " لهذا " الادب " وتشجيع متواصل من أوساط " التعاون الفنى والثقافى الفرنسى " لهذا " الأدب " ينشره فى أكبر الجرائد واعداد " أنتولوجيا " للأدب التونسى

ذى اللسان الفرنسى فى دار سان جرمان للنشر ، وسعى السيد ج . ب . إ . الناشر لطبع " دواوين " شعراء الأدب التونسى ذى اللسان الفرنسى .

رأينا من خلال هذه اللمحة العاجلة والمنقوصة أن هناك حركة منظمة ترمى لجعل الحية قبة ، أى لتوسيع رقعة الادب المكتوب باللغة الفرنسية فى بلادنا العربية الاسلامية حتى تنصب ثقافتنا فى " واديها الاصلى " أى وادى الحضارة الفرنسية : مستعمرتنا سابقا . وغنى عن الملاحظة أن الادب الحقيقى فى تونس - أى المكتوب بلغة الشعب العربية - لا يجد مثل هذه العناية من أى وسط أجنبى يدعى النزاهة . فأقل شحرور كتب بالفرنسية المكسرة الخاطئة أو المتعثرة العرجاء أصبح جديرا " بعناية " هذه الاوساط .

ليس تفتحا وانما تحريف

قد يستنجد البعض من أصدقائنا المثقفين بفكرة التفتح على الخارج ، والتلاقح مع الثقافات الاخرى . لكننا نقول أن عملية دعم التعبير بلغة أعجمية ليس تفتحا وانما هو تحريف . فقد تغير المفهوم التقليدى للتفتح ، اذ ان هذه الكلمة كانت وما تزال تعنى لدى النخبة " التفتح على الثقافة الغربية وبخاصة الفرنسية " أى التفتح على طرف واحد من الثقافات العالمية ، أى الانغلاق أيضا من جهة الثقافات الاخرى وبخاصة ثقافات رقعتنا السياسية والحضارية والقومية . وهذا يشكل توجيها خطيرا للتفكير الاصلى للامة . وأقدر من لخص هذه القضية كان عز الدين المدنى فى عرضه لاحد الكتب الادبية (3) ، حيث حلل التفتح بمفهوميه : الخاطئ أى على طرف واحد والصحيح أى على كل الاطراف فقال : " اندمجنا فى العالم الفكرى الفرنسى ومكثنا فيه لا نريم ، ولا نتزحزح ، ولسان حالنا الباطنى يردد فى اعماقنا الادب الفرنسى هو الادب ، والفكر الفرنسى هو الفكر والفن الفرنسى هو الفن . ( وانظر مثال ذلك فى اقامة المسرح الاجنبى فى تونس فى هذه الايام ! . . . انه مسرح فرنسى متخلف اكل عليه الدهر وشرب ، وطحنه بكلكله ! . . ) بينما لو سعى المرء فى معرفة الاداب المكتوبة بالامريكية ، والانكليزية ، والالمانية والسلافية المختلفة والاسبانية فلربما يمزق خرافة الادب الفرنسى ، والفن الفرنسى ، والفكر الفرنسى الذى يغشى بصره ، وضميره . . . "  

ودعا الكاتب الى التفتح المنشود والذى هو حسب تعبيره : " التفتح الذى ندعو اليه ، وتنشده لا يمكن له ان يبقى على طرف واحد ، وانما على اطراف

متعددة ومختلفة وربما متناقضة . فما هى معرفة المثقف التونسى اليوم بالادب الامريكى اللاتينى المكتوب بالاسبانية ؟ فى حين ان اجود الروايات ، واحسن المجموعات القصصية ، واعمق المزج بين العلوم الاجتماعية والانسانية والانواع الادبية قد تم فى هذا الادب ! وما هى معرفة المثقف التونسى بالسينما التى تنتج وتخرج فى البلدان الاوروبية الاشتراكية وهى من اقوى السينما فى العالم اليوم ؟ وما هى معرفة المثقف التونسى بالمسرح الذى يخرج فى الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا ، والدانمارك ، وايطاليا ؟ لا شئ ! اللهم عن طريق الاصداء التى تكتبها بين الحين والآخر الصحافة الفرنسية ! . . . "

وينتهى المدنى الى تحديد المناخ الثقافى والفكرى الذى يصحح مسيرة الامة فيقول : " . . والمناخ الثقافى الذى تبتغيه هو المناخ الذى يسود جوانب ثقافية عالمية حقا لا ان يتضمن جانبا ثقافيا فرنسيا سمى زورا بالعالمى ، خصوصا اذا كان هذا الجانب الفرنسى مهيمنا بالفكر والسلاح . . "

هذا وان المتصفح لكامل أعداد مجلة (الفكر) وخاصة افتتاحياتها المجموعة فى كتاب (4) يلاحظ بيسر مدى اهتمامها بهذه القضايا الحساسة ، حيث اقترحت الحلول انطلاقا من تفهم جذرى وعلمى - وعاطفى ايضا بمعناه النبيل - لمعطيات الأمة التونسية والمغربية عامة . وتسود الدعوة للخلق الثقافى الاصيل - لغة ومضمونا - كل الافتتاحيات من أجل ثقافة عالمية تولد من " خصوصية الامة " ووطنيتها . . وفى ذلك يقول محمد مزالى :

" . . . نحن لا نريد أن نعيش فى حدود الوطنية الضيقة منغلقين منكمشين . بل نحن نريد بعكس ذلك أن نشارك غيرنا من الامم بقدر الامكان ونمتن علاقاتنا معها جهد المستطاع ، إلا اننا نعتقد أن " الاممية " من غير " وطنية " سليمة تطفل وادعاء . . "

ليس توقا نحو" الثقافة العالمية "

رأينا كيف فسر كاتب " من وحى الفكر " طريق بلوغ الثقافة العالمية ، إذ لا يكون ذلك الا بتنمية ثقافة وطنية متأصلة ، تضيف للثقافات الاخرى قيما جديدة ونظرة طريفة وللعالم ، والا بقيت عالة على غيرها أو تابعة لسواها ، تجتر ما يبتكره الناس وتستهلك ما يفرض عليها فرضا . رأيئا أن

الكتابة بالفرنسية أو استعمالها كأداة ثقافية لا يبلغ بنا درجة العالمية ، بل ينحدر بنا الى التبعية وتحجر الفكر والخيال ، ويسوقنا الى خدمة ثقافة أجنبية عنا ، غريبة عن أصولنا الحقيقية ، ثقافة طاغية (5). ونحن نعلم أن ( الكسندرسو لجنستين ) لم يكتب بلغة غير الروسية ورغم ذلك أصبح عالميا ، وأن ( كاواباتا ) لم يكتب بسوى اليابانية ورغم ذلك أصبح عالميا وان ( غمروفيتش ) لم يستعمل الا آللغة البولونية وأصبح رغم ذلك عالميا .

فلماذا نعبر بلغة أجنبية حتى تتاح لنا " العالمية " ثم اذا كانت نية هذه " الاوساط التعاونية " حسنة فلماذا لا تتولى تشجيع الترجمة من لغتنا الام للغات أخرى ما دامت شعاراتها تدعى النزاهة (6) .

لكن الحقيقة غير ذلك ، فالوكالة التى انبعثت عام 1970 جاءت اثر ضجة كبرى هزت الاوساط السياسية والثقافية فى فرنسا ، ضجة حول تدهور اللغة الفرنسية والخطر المحدق بالثقافة الفرنسية والاشعاع الحضارى الفرنسى جاءت وكالة التعاون الثقافى والفنى لتعيد مجد الحضارة الفرنسية فى أمبراطوريتها السابقة فأصبحت تنظم " دعم اللغة " واحياء " النظرة للثقافة الفرنسية " وجعلها كما يقول السيد ايفون بورج " اداة ممتازة لترسيخ العلاقات بين البلدان الفرنكوفرنية " وكل ذلك على حساب الفكر السليم المكتوب باللغات الاصلية للشعوب .

وحسب القارئ أن يراجع طرق أعمال هذه الاوساط ليعلم أنها تغطى تقريبا كل الانشطة الثقافية والتربوية بعدة بلدان من العالم ، كما تقام مهرجانات للسينما الناطق بالفرنسية (7) وتقدم برامج متلفزة (8) ترمى الى أبعد من الغرض الثقافى ، وتحفر أفقيا وعمويا فى كل أصناف الامة .

وكما اكدنا فالدافع لهذا هو اعادة البعث والنشور للامبراطورية الفرنسية عن طريق " حصان طروادة : الثقافة " حيث أصبحت الثقافة الفرنسية نفسها تابعة مجترة ، تنقصها الطرافة ويعوزها الابداع ، بل كادت تنسحق تحت وطأة التيارات الانغلوسكسونية (9) .

بعض النقاط على الحروف

لابد من القول اننا لا ننطلق من مركب نقص تجاه أى من الثقافات أو اللغات بل نحن يمكن أن نكتب فيها وبها متى رأينا صلاحية ذلك . كما أننا لا ننادى

بالتعريب المتسرع المرتجل ، مثلما نحن لا ننكر الطابع الايجابى للتفتح الصحيح انما غرضنا الدعوة لمزيد اليقظة ومزيد الوعى ، حتى لا نمشى فى طريق الانحراف الثقافى أشواطا طويلة يصعب بعدها الرجوع . فالتربية التونسية العربية المتأصلة من أقوى الاسلحة ضد الزيغ ، وتحديد سياسة ثقافية وطنية من أنجع وسائل مقاومة الانغيار والتخلف والامحاء .

فكل تربية صحيحة يجب أن تهدف لخلق جيل تونسي معتز ببيئته ، متفهم لواقعه ، متحرك نحو الابداع والتخيل ، مستعمل لغته الام ، محترم للتراث الذي يستحق الاحترام ، ينمي خصوصيته " ويدعم أصالته لاننا نعيش فى بمصر صعب المراس ، متشعب الطرق والسبل ، كأنما هو هذا الدل الوع فى الليل الحالك ، لا يسرى فيه السارى الا متى تسلح بالشجاعة ومعرفة الدرب وقوة العزيمة وطول الصبر . كذلك المثقف الوطني الغيور ، المتحمل ارسالة حتى فى أمته و بلاده .

اشترك في نشرتنا البريدية