إلى لطف فى سمكتك : ابعث سندبادى ( 1 )
كان السندباد الى اليم ، الى اللجج ، حميما فى تعلقه وصبوة حنينه حتى بلغ التسعين من عمره ، بلغ هذه السن وتوقه الى البحر ، الى النوى ، الى الماء , ما زال شابا ، عنيفا ، دفاقا . . . , ولكنه لماذا وقف فى هذا الخضم المتعالى , واوقف مركبه الى هذه الصخرة السمراء الناتئة كررأس حية تتربص . انظر. ان الماء يحتضنها وهى ، فى حطها ، كالجثة المنتفخة المفرية تتسع دوائرها فى نزولها الى القاع . . قال والماء والسماء يتباعدان امام امتداد نظره :
(( مائة سنة الا عشرا مرت على ميلادى . لم لا تكون المائة كاملة ككمال هذا الخلق ، هذا البحر )) وغرز نظره فى الماء الذى كان يصطخب ، يرغو ، يصطرع بدون هوادة ولا وقوف حركة : (( ألم تكفك تسعون عاما دلها وولها وعشقا . لو كنت امرأة وعشت لها عمرا حانيا ، حدبا ، متعبدا ، ثم انقضضت عليها لأمزق حجبها وافتح مكنوناتها لجثت امامى تبتهل الى الرب أن يرفع عنها لبسها وشيخوختها لتمنحنى ليلة ، ليلتى . . )) ليلتى الراحلة فى اعماق عمقك .
نعم ، لقد كانت لى ، فيما مضى ، امرأة . اختطفتها من احدى جزرك النائية . كان ذلك ذات صيف . نزلت لأحمل زادى من الثمار المجففة ، فرأيتها الى الشمس على رمال الساحل فى تبرح الانثى الزاهية فهبطت عليها ، فكانت الى فى صمت فحملتها الى المركب . . . , وانقضى علينا عام ونحن عليك وأنت إلينا أنيسا . . . وكان اليوم الاول من العام الجديد ، فقالت لى :
(( انى مللت الماء . اريد اليبس ها هو ، صديقى ، الصيف قد عاد ، فعاودنى حنينى الى الرمال والشمس . . . ))
ورأيت عليها من الصمت والتقطيب والاكتئاب ما دفعنى الى الاستجابة لرغبتها . وفيما كنت انزلها الى جزيرتها قالت لى :
- انى لا استطيع العيش بدون لحم ، فالثمار المجففة لا تكفى ليقوم أودى . فقلت لها وهى على صدرى فى تأس وثغرها على رقبتى مرتعش :
- ولكن اللحم لا يصبر على الايام فيفسد علينا هواءنا بتقرحه ونتونته . فقالت :
- عد إلى بعد حين حتى أجرب . وها أنا ادرك اليوم ، اليوم فحسب ، أنى وقفت العمر عليك ، ولم أتخط بعد خط التجربة . وها أنت لا تزال تمتد أمامى عظيما ، عملاقا ، بلا حد أو نهاية أمل .
وعدت اليها ، ذات صيف ، بعد عشرين عاما ، فلم أجدها الى الرمال أو الى الشمس وانما كانت الى الظل ، الى هدوئها هادئة . قالت : (( ها قد جف لحمى ، حبيبى ، فعفت اللحم . فهل لا نترافق ؟ )) .
. . . وعدت إليك وحدى ولم أحملها معى لانى خشيت من أن لا تتحمل معاناة الصراع الطويل ، أو أن يكون جفافها سطحيا على الجلد سرعان ما يذهب به ماؤك فيهيج فى القرم ويغرينى عنك اللحم فتدرك المائة قبل ان أدركك . . . غير انى كنت إليها ، قبل أن أودعها ، فى ليلة ضبابية لا عين لها ولا أمر .
ولم انسها سريعا . فكانت تاخذنى حالات أكون فيها الى هزات رعناء فأنتفض وتزور فى انطلاقتى ويلهبنى تأججى ، واذا هى ، المرأة ، تقوم فى شديدة , كافرة ، كاللعنة ، كالحتم ، كالقضاء ، فانفجر لهبا مستعرا وتذوب من حولى الأشياء فلا أرى الا رقصها الحموم يصخب فى كيانى ، فتصطك فى أحاسسى فأكون لها ، فى تمزق وتحرق ، ثم انظر فاذا بى فحم احترق وانطفأ بدون ان بترك تسعره رمادا . . . فحم مجفف فى مهب ريح عتبة لشرر غزير عنيد , المسامير تبدأ وطؤها عليه نقرأ ثم تنغرز فلا أرى غير مائك شفاء فأخلص له بعد جهد ، فيأتينى سيالا .
. . . رفع السندباد بصره فاذا البحر كالأبد تتلاحق أمواجه وبتواصل دفقه نحو الأفق ، نحو السماء لا تهدأ له حركة ولا يخرس له صوت ولا يذهب به رحيل . . . , وشعر كالعظمة ، اذا كان عليها الانسان بعد جهد ومعاناة ، شعر كالانشراح او السلام فخفت فيه الاشياء ، أشياؤه ، وكان أحقابا من عمره قد انزاح عند وطئها وتزايل ثقلها ، فعاوته نخوة الشباب ، وأراد جزيرة صاحبته ، فلوى نحوها رأسه بعض وقت ثم جذب الحبل الذى كان قد شده الى الصخرة ، صخرة اللعنة ، فلم ينجذب ، فعالجه فلم ينقد وقام فى وجهه عودا صلبا لا يلين فصاح : (( أوقف البحر أم قد مات فى الفعل )) . وانهد على المركب . . . , ثم نظر الى عضلات يديه فاذا هى جافة ، ملتصقة بالعظام هزيلة , قاحلة . . . , ثم حول عينيه الى مركبه فتألم للونه الذى قد نصل ولألواحه التى قد تفزرت وتهرأت . . .
كان الماء يحتضن المركب فيراقصه ويداعب جوانبه بلطف . . , فرمقه هنيهة ثم قال : (( صارعتك شديدا فلم أصرعك ، وقاومتنى طويلا فلم ترد فى إلا اندفاع اللحم . . . ))
(( . . . لقد حدثتنى جدتى عن أمى قالت : لم يخلف أبى من ذريته غيرى كما كان هو وحيد أبيه الذى كان اوحد جده . . . أما أنا فلم أنجب غير أمك ، الأمر الذى أنبت فينا حبا جنونيا للولادة والخلق . . .
تزوجت أمك ستا . كان أول بعل لها وهى فى الخامسة عشرة من عمرها . . . , وكان آخر قران لها وهى فى الثلاثين . . .
لم تحمل أمك من الخمس الأولى رغم أنها منحت لكل منهم ثلاثة أعوام تعيشها واياه حالمة أو هى بين الحلم والموت حتى تكون ليلة الذكرى الثالثة ، فأراها تخرج مع صاحبها الى القفر ، نحو البحر ، فتخلع ثيابها وتدخل الماء وتبقى فيه الى الفجر تنظر الى السماء تمتد امامها قوراء مثقوبة ، خلاء خلاء . . .
ثم يكون لها من الغد زوج آخر . . . قالت لى لما سألتها عن سر ذلك ، إنها تطهر رحمها عله ينبت فيكون لها خلق . . .
. . . وكان لها أبوك الذى قضى قبل ان تكون ، . . كان طبيبا ماهرا اشتهر بعلاج النساء ممن اصبن فى أرحامهن ، فكانت تأتيه المريضة شاحبة ، مشها الداء الى الانحناء ، ورض حجرها فنتن وداد ، وتقرح عن قيح لزج ، كريه . . . , تتعرى له فيفحصها ثم يشرع فى علاجها رأفة وتعمق كشف . حتى إذا أصاب العقار الداء وشفيت مريضته يطلبها لفحص تكميلى فتأتيه وفى تثنيها دل ، وفى عينيها إغراء ، وعلى صدرها نداء ، فيعرض عنها ويتابع عمله مع امرأة اخرى علييلة . فكشف له ذلك عمق قبح المرأة وغرز فيه برودة أزهدته فى الزواج حتى بلغ الخمسين من عمره . . .
. . . جاءته أمك أصيل يوم إثر تركها لزوجها الخامس ، وتعرت له دون أن تكون عليلة فمال عنها برأسه الى أن انصب الليل . . . , قالت له : (( إنى أريد ولدا . لتكن ربى )) . فأخذها ، فكانت ليلتهما ، وكنت أنت . . .
وسمعته ذات ليلة يئن متضجرا . وفى الصباح سألت أمك إن كان الحكيم مريضا فقالت لى : (( قضى يومه نائما او مغمض العينين حتى غابت الشمس ، فأطفأ القنديل الذى كنت قد أشعلته ، ثم كان الى حميما راغبا مداعبا حتى لنت واستجبت له الى ما بين الاغماء . . , غير انه استكان فجأة . . ,
- ورأيته يبتعد عنى ويأخذ فى الضغط على لحمه ضغطا شديدا . واشتد صراعه صامتا الى ان سال عرقه وجحظت عيناه . فلما سألته من الغد ، عن سبب توتره ، قال إنه يقتل شهوة كانت فيه باردة . فحم حممها ، ,
كانت امك تحدثنى عن ذلك سعيدة ، وقد عجبت لسعادتها . . واستفقت ذات صباح ، بعد ثلاثة اشهر فوجدت امك على جثته باكبة . . , وفى فزعها قالت لى : (( لقد عاودته نوبة صراعه ، البارحة ، فمات وهو على اعنف ضغط )) .
واعتزلت امك الناس واتخذت من كوخ على شاطئ صخرى عربيد ، مقاما لها حتى اكتملت فى أحشائها . ولما وضعتك قالت لى : (( ها هو ولدى سيملأ الوجود أولادا . انه آدم هذا القفر . ليحبلن الأرحام فيكون الأحياء وتكون الحياة )) ولم تتكلم من يومها . . , ولقد غار صوتها عاما سمعتها بعده تقول فى غرغرة وهى على فراش الموت : (( لقد نذرت الرحمان أن يكون السندباد ملاحا بحارا حتى يعود بالسمكة . بالسمكة التى اذا احترقت يأتلف من دخانها الخلق ويكون العمران )) . . .
عج عجيج فى البعيد ، فرفع السندباد بصره فاذا الموج جبال صحابة تدحض السطح بيضاء ، مزبدة بين القاع والسماء فتململ السندباد وصاح والهوج يلفه : (( من الحالات التى يموت فيها الحس فتغيض المشاعر واذا نحن الى الروح , الى الخاطر العلوى الصرف ، فنرتفع عن انسانيتنا ، عن كمالنا الأكمل ، وندخل رحاب الرب واذا نحن وحدة إله ، شمولا واطلاقا وابداع خلق . . . ))
واصطفق الموج ورغت شآبيبه ونزل الماء على السندباد جبالا ، جبالا . . . , فاذا المركب والصخرة والجبل تهتز وتبتعد بعيدا ، بعيدا . . . , واذا به قائم على الماء ، الى بياض يجذبه حتى قام امامه طيف سمكة كالروعة رائعة تتثنى على وقع منغم ، هزهاز . . , ثم رآها تقف فجأة ويعظم حجمها ويستدير حتى استبانت جدارا مرصعا باضواء زبرجدية فهم بالتحرك اليه فلم يقو على ذلك . . فخسفت عيناه امام الاشعة التى كانت تنصب كالاعمدة الرخامية البيضاء . . وأحس بان عينيه تقتحمان الجدار فاذا داخله كون نير ، شياؤه تتماسك وتتجانس وتقحم النور فيقحمها ثم تبتلع خيوطه فيبتلعها ، هى كالماء تركبها الالوان والاشكال . . .
وسقطت من حسه امداد البحر وجمد ماؤه ، واذا بشمس ثابتة تقترب منها امرأة تشبه امه ، أمه كما وصفتها له جدته : (( شعرها فاحم طويل ، طويل , يغزو طوله امتداد قامتها ، عيناها شهاب . . . ))
تدانت المرأة منه والشمس وراءها واقفة فأراد ان يتكلم فاذا بصوته يغور فى جعجعة تدور فى رأسه فيرفض الصوت ويسكن لمرور الخاطر فى ذهنه فلا يصعده الى الحنجرة . . . , تأمل وجهها فاذا مادته حركتها دائية ، متولدة بيضاء ، تتهيل تهيلات رقيقة فتقوم القسمات مشعة ، شهية كالسراب أو كلجة لذة اذا كان العطشان حالما . . ارتفع شعرها فكون كالظلمة ، فاذا هو فى رحابها
واذا هى فى اعطافه . . نظر الى الشمس فوجدها فى مستقرها لم تتحرك ، ولم تتحول الساعة . . , وتكون فيه اللفظ فهمس : (( اين منيتى . أمناى ان تقف الارض ، ان تجمد الحركة )) .
وأحس كالرفيف خفيفا يمر عليه فاذا هو كأن لا لحم عليه ولا ماء رقة وانطلاقا . . . وعمرت فيه راحة ، هى كسكينة الروح اذا أخذها السلام . . .
. . . انتابته كالرجة أو كما يولد خلق من فيض الخلق الاعظم ، فاذا هو محطوط على صخرة بساحل ينتصب فيه كوخ مهجور ، تلاعبت العواصف بأجزائه فبعثرتها . . . , التفت اليه السندباد بعين ذابلة وهمس : (( انه كوخ أمى ، إنى لدافنه متى بلغت المائة من عمرى )) .
وأحس بوهج يلفه فأدلى الى الماء رجليه فانجذب الماء ، فالتفت يبحث عن مركبه بين الصخور الصلداء . المزرقة ، فلم يجد مركبا ولا أثر لمركب . . .
وتناهى اليه صراخ أطفال يشيرون الى مد البحر هاجما على الارض فى جلجلة واصطخاب ، فنزل الى الكوخ يطلب النوم ، فأنكره الاطفال غير واحد . . .
قال له الطفل : - أراك ، يا أبت ترتعش . أترغب فى نار وغطاء . فقال له السندباد : - لا يا ولدى ، إنها نوبة تعرونى كلما وطئت الارض , ستذهب ككل شئ . - أليس لك أهل ؟ - بلى . لى أهل . - دلنى عليهم آدعهم لك . - إنهم آتون بعد حين ، قادمون .
كان الظلام يعمق شيئا فشيئا فمال السندبدباد برأسه نحو البحر وبقى يرمقه بعين مخضلة وهدب مبتل ، فنهض الطفل قائلا : (( سأعود مع القوم ، مع قومك ، وسأتى لك بطعام )) . فقال السندباد بدون أن يصيت : (( لقد تهدمت فى الاشياء وهمد البلاء ، وتصدع البناء وقام الفناء ، ولفتنى الاسطورة ، إنى راحل ، راحل . . . )) وحاول الوقوف فلم يستطع فأغمض عينيه ونام ، أو هكذا بدا له . . .
