منذ خمسة عشر عاما توفي الاديب الكاتب اللوذعي محمد البشروش ومنذ خمسة عشر عاما لم يذكره احد . - فيما اعلم - ولم يتحدث عنه متحدث أو تقم له ذكريات مع انه كان من ادباء تونس الذين عاشوا للادب وخدموه خدمة امينة خالصة
ولد محمد البشروش فى 21 افريل 1991 بقرية دار شعبان بعد ان اتم دراسته الابتدائية بقريته دخل مدرسة المعلمين وعرف عنه منذ هذا الطور ميله للشعر والادب ، ولا سيما ادب المهجر الاميركى شأنه فى ذلك شأن بقية أترابه فى ذلك الوقت . وبعد تخرجه من مدرسة المعلمين عين للتدريس بمليته وهى احدى جزر قرقنة . وفى العام التالي انتقل الى نفطة بالجنوب التونسى حيث قضى بها ثلاثة اعوام ، ومن هناك تعرف بالشاب واتصل به اتصالا وثيقا بل تعلق به تعلقا يبلغ درجة الهيام . وكان يذهب لملاقاته بتوزر ولا سيما فى السنة التى اشتدت فيها العلة على الشابى ، وكان كثيرا ما يصف لى - فى رسائله - زياراته للشابية لملاقاة صديقه وربما حملت هاته الرسائل هوامش بخط الشابى على معنى التحية او التعليق وربما وردت على رسائل من الشابى وفيها هوامش للبشروش وانتهى المطاف بمترجمناسنة 1944 الى بلدة حمام الانف وهناك ادركته المنية فى نوفمبر 1944 ، مبكيا على شبابه وحبرية نفسه .
ان حياة البشروش التعليمية كانت كحياة هؤلاء المعلمين المنبثين فى كل مدينة وقرية رسل نور وجنود معرفة تحارب الجهل والتاخر ، حياة يشبه مساؤها صباحها ويومها أمسها . فهى لا تهمنا الا نسبيا ، انما الذى نريد ان نتحدث عنه انما حياته الادبية وهي حياة خصبة النواحي متعددة الجوانب فقد كان البشروش حركة دائبة لاتهدأ ونشاطا عارما لا يستقر . كان رحمه الله عصبى المزاج ، وكان حظه من الحياة العملية اكثر من حظه من حياة التامل والتفكير - وقد عالج انواع الادب كلها فكتب اقصوصات ناجحة وكتب شعرا
منثورا . وله قصائد قليلة من المنظوم . وترجم الشعر من الفرنسية للعربية كما ترجم شيئا من شعر الشابى للفرنسية بمعونة بعض اصدقائه من الكتاب الفرنسيين ، وكتب كثيرا من المقالات فى الصحف والمجلات التونسيه ، وتولى تحرير سوانح الزهرة الادبية مدة طويلة ، وكان من اعز امانية أن يوفق الى اصدار محلة أدبية لخدمة الادب التونسى - وما زال يسعى لتحقيق هذا الامل العزيز على ضيق ذات اليد حتى استطاع ان يخرج مجلة " المباحث " وهو ببلدة الحمامات بعيدا عن العاصمة فصدر العدد الاول منها فى جائزى لأ 1983 ثم صدر العدد الثاني فى مارس من نفس السنة ، ولكن بعد الشقة بين الحمامات والحاضرة وقلة المساعدة والنصير جعله يعدل عن اصدارها
وفي رايى انه ما سعى للتنقل من الحمامات و هي قريبة من قريته الحبيبة - الى حمام الانف الا ليقترب من الحاضرة ويستانف نشر مجلته . وفعلا فقد اصدرها من جديد في شكل الجرائد بعدان ان كانت في حجم المجلات وخرج العدد الاول من السلسلة الجديدة فى افريل 1944 فى ظروف صعبة من جراء مخلفات الحرب العالمية وندرة الورق - ولكن هاته السلسلة الجديدة كانت انتصارا له وأى انتصار لانها خرجت تحمل اثار واشعار كثير من اعلام الادب التونسي . واستمرت " المباحث " على الصدور قوية ممتعة معبرة احسن تعبير على نهضة تونس الادبية التى مهدت لها من قبل مجلات اخرى مثل العالم الادبي والنهضة الادبية . وما ان صدر العدد الثامن المؤرخ فى نوفمبر 1944 حتى حمل في آخر صفحة منه وفى اطار مجلل بالسواد النبأ الفاجع الا وهو موت هذا الاديب العصامي في عنفوان الشباب وقوة الايمان ، كما حمل عزم اسره المباحث على الاستمرار فى اصدار المجلة لتؤدى رسالتها التى آمن بها مؤسسها من قبل - ثم صدر العدد التاسع وفيه شىء من الدراسات عن حياة الفقيد وادبه وبعض المراثى التى قيلت فيه او اهديت الى روحه واستمرت المباحث في الصدور الى سنة 1947 . وكانت منارا وهاجا للادب التونسي كما كانت مجموعة اعدادها تمثل فترة من أزهر فترات الانتاج التونسى وامتازت بظاهرة جديدة لم تعهد من قبل وهى مشاركة كثير من الاساتذة المجازين او المبرزين في العربية من الجامعات الفرنسية - لاول مرة - في الحياة الادبية بينما كانت المجلات التى ظهرت من قبل تقوم على كاهل اهل الهوايات الادبية او اصحاب الثقافة العربية الصرفة
والحقيقة انه لو لم يكن للبشروش من فضل الا انشاء هاته المجلة لكفاه ذلك
مبرة بالادب واهله بتونس - ولكن البشروش الى جانب هو ايته الصحفية كان كاتبا وشاعرا وان كان جانب الشعر فيه ضعيفا لم يوفق فيه توفيقه فى انشاء الاقاصيص او كتابة البحوث التاريخية
فمن هذا الشعر قوله " من قطعة منثورة "
في الصحراء أسير ، والسير يكوى قدمى ، والظمأ يعذب روحى
ولكن اين تراها تلك الظلال الوارفة
اين تراه ذلك الزلال العذب النمير
وألتفت يمينا وشمالا ، وتنطلع عينى الى الامام والى الوراء
فلا أرى الا الرمال الرمال الحمراء
ولا يهب على نفسى سوى لفح الهاجرة .
ان السير يكوى قدمي . ويكويها الوقوف
والظلال الكريمة بعيدة عنى . . . بعيدة
والظما أحرق نفسى . . واصطبارى طال
وامتداد نار الهاجرة ، يلتهم لحظاتى وانفاسي . . الخ
ومن شعره الذى لم ينشر ، أبيات بعث بها الى ضمن رسالة يتحدث فيها عن الاثر الذى تركته فى نفسه قراءة سلامبو - لفلوبير - وخصوصا بطل تلك القصة وبطل الحروب البونيقية " عملكرض " فيقول
هاته الشخصية تأبى عليها همتها وعظمتها الا ان تثور حين يكون كل شئ مدعاة الى الاستسلام وترهقها عواصف الظروف وتتضاعف عوامل اليأس حولها . فمن انقسام بالجمهورية . . الى عداوة الرومان الى ثورة المستاجرين وعددهم لا يقل عن الثلاثمائة الف - الى ضعف الجند الذى يقوده ، الي مخمصة ومجاعة فى الجيش ، ولكنه لايأس ويظل ثابتا فى الميدان يقارع ويكافح ينتظر انبجاس النصر فينبجس
عملكرض ما انت سوى منقذ أتى لانقاذ قرطاج التى تتألم
مشيت أحاطت بالبلاد مصائب أجير ورومان وشعب مقسم
مشيت حبال فى الرقاب تمكنت فأين النجاة والنجاة توهم
تألبت الدنيا عليك سفاهة ولا فجر غير الليل فالليل أدهم
مشيت وانت بالخلاص مبشر قلوبا وللاغلال كنت تحطم
فما انت الا نفحة قدسية رسول فخار - للمواطن تخدم
ترنمت والافاق ليل ودجنة فكان سلام النفس ذاك الترنم
مشيت وقدمت الثمار لذيذة
ونشرت عزا - فالبلاد تبسم
وهذا شعر لا يخلو من الضعف لا محالة . والبشروش نفسه يعقب على هاته الابيات بقوله : ما كان هذا حديثا عن عملكرض ولكنه تحية وكلمه اعجاب . فالاعجاب هو حديثي والاعجاب هو كل ما استطيع
ومن سوانحه التي كان يفتتح بها صحيفه الزهرة الادبية والتي كان يعالج فيها كلها مشكلة طبع المؤلفات التونسيه وتيسير نشرها نقتطف هاته السانحة وهى ما تزال ذات موضوع إلى اليوم
عشرات من تاليف أدبائنا اليوم نائمة سادرة . واكوام من المؤلفات والدواوين تكتب اليوم وتكتب غدا لتنام الى جوار غيرها وهي لا تنتظر غير الانطلاق فى هذا الكون الفسيح . . . "
وفي الحقيقة - وهذا ما يثلج فؤاد كل من يعطف على حياة الفكر بهاته البلاد ان ادباءنا - حتى من ضعف منهم على تسوية هاته المسالة فى دائرته وفيما يخص نفسه - لم يزهدوا فى الانتاج وظلوا أوفياء لفكرهم أوفياء صابرين مؤمنين بأن الايام ستنصف الصابرين ، ... ان للاديب وظيفته العلوية فى حياة الامم والجماعات يؤكد فيها الحياة التى تجرى فى عروقها ويسمو بها الى دنيا أقل حيوانية وأطهر افقا . فلنؤد واجبنا له ليؤدى لنا واجبه كاملا ، ولنسو مسالة النشر تسوية تؤكد استقرار الفكر التونسى وتضمن له ازدهار تطوره الذى نراه يتحقق ويتم وينزل كالمطر فى هاته الارض التى هصرها الظما واذبلها العقم والارتكاس "
ان عرقلة العراقيل ، واجتثات اصولها وعروقها من حياة الاديب فى ميدان النشر هو ثوابه الذى يستحقه وهو خير خدمة تسدى لازدهار الفكر والثقافة العربية بهاته البلاد
وقد وجدت فى مجموعة رسائله هاته الرسالة الباكية - كتبها الى وهو فى قرية الكريب حين بلغه نعي الشابى صديقه وصفى قلبه ومحل اعجابه ومحبته
" اخي الاعز . . . لا استطيع ان اصف لك ما استولى على من الكمدوا الاسى عندما قرات بجريدة الزهرة نعي صديق روحي وأخي ابى القاسم - لقد والله انطلقت عيناى دموعا تترى وتتتابع وكنت فى جمع من الناس شاهدوا الدمع
ينساب على خدى ومنديلى يبتل فسألونى عن الخبر فقلت قدمات صديق من الاصدقاء الذين لا يظفر بهم الانسان كل حين ، ومات نابغة من الذين لايجود بهم الدهر الا بعد الاجيال - فعزونى وجدير أنا بالتعزية يا اخى - ودموعي الآن وأنا اكتب اليك هذا تتتابع منحدرة على خدى لانى احدثك عن فجيعة قلبي ولان ذكر الشابي يملا فجاج روحى - اى دموعى يا اخى - هاته الدموع التى عهدتها عصية هى الآن تنحدر فى صمت صاغرة طيعة . فالخطب جلل والفجيعة لا يتحملها الفؤاد ، فلنبك ، فالبكاء كل ما استطيع ، وأنا منفى هنا في هاته القرية الضائعة بين الجبال . .
ايموت صديقى ويموت أخي ولا استطيع حتى ان امشى خلف نعشه وان أودعه الى مقره الاخير
أى ابا القاسم روحك السمحة تعلم ان ليس بى جحود لصداقتك وأخوتك فكل شئ هو هين عندى وانى لآتى كل شىء هن أحلك . ولكن هى الحياة . هاته الحياة التى صرعتك واقصتك عن قلوبنا هي التى تصفدنى عن أداء واجب محتوم لصديق مثلك
وفي ذمة الله الآن يا أخى اختارك الله لجواره فما تركت الا قلوبا مكلومة ، وافئدة مقروحة ، ونفوسا والهة ، ولتثق روحك بان تعلقنا بك ، وان ذكراك في قلوبنا ستظل باقية الى ان يجمعنا الله عنده فكلنا بك لاحقون ، ونذكرك في هاته الحياة فنذكر الرجولة ونذكر المرؤوة ونذكر النبوغ والفضيلة ونبكيك لان فراغا فى نفوسنا تركته وهيهات ان يسده غيرك . . "
هذه صورة مستعجلة - لا يسمح المجال باكثر منها - لهذا الاديب صاحب النفس المفتونة بالفنون والاداب ، المفطورة على الاعجاب الكادحة للنفع والعمل لنشر الثقافة الشمال افريقية فى مختلف عصورها
فلو كان البشروش صاحب مال يغنيه عن الارتزاق من الوظائف لكان صحفيا ناجحا أو مؤسس دار للنشر والتوزيع يحل هاته المشكلة المهملة ولو كان الادب في تونس يعيل صاحبه لكان اديبا محترفا ناجحا ولوجد طريقه فى كتابة القصص التى كان يجيدها كما نرى ذلك فيما نشره منها بالمباحث والعالم الادبي وغيرهما ولكنه كان ككثيرين غيره فى هاته البلاد اديبا صاحب هواية لم تترك له ظروف عيشه ولا دواعي وظيفته التعليمية الوقت الكافي للتفرغ ولاستكمال أداته البيانية
ولكنه رغم كل هاته العراقيل ورغم هوان الادب والادباء فى ذلك الوقت استطاع ان يشق طريقه وان يظفر بمكانة تستحق من الجيل الحاضر كل تقدير واعتبار

