فى زحمة الحج ادب تمتلئ به الدفاتر مكتظ به الصحف ويستهوي النفوس بحلاوته ويختلب العقول بطلاوته . لو كان لدينا من يكتبه ويعني به .
ولكن تلك الزحمة التى تختلف الينا فى كل عام تصرفنا عن هذا الأدب القيم الممتع فنفتقد بذلك ثروة أدبية نحن فى امس الحاجة اليها .
ولا أظن احدا يشعر بمقدار هذه الخسارة الفادحة التى تمنى بها فى ادبنا كل عام . ذلك لان زحمة الحج تصرفنا عن التغلغل بافكارنا إلى ما تنطوى عليه من من معان تزخر بالرائع والمفيد . وتدفعنا مكرهين إلى ما تقضى به حالتنا المعاشية وما تطلبه منا ضرورات الحياة . وفى ذلك عذر مبين .
وما كان لنا ان نعتذر بذلك لولا اننا إلى جرس ) القرش ( ورنين ) الريال ( احوج منا الى جرس اللفظ ورنين المقال .
ولكن عملا بقول القائل " مالا يدرك كله لا يترك جله " احاول ان اتحدث عما تنطوي عليه زحمة الحج من اساليب القول وافانين البيان افتقدناهما من ادبنا . ويقينا فى هذه الدائرة الادبية الضيقة المحدودة التى قد نفوسنا ان تختنق من ضيق نطاقها واعادتها وتكريرها ومن خرج عنها فما خرج الائيلف حولها ثم هو لا يأتي بشئ . يصلح لان يكون محلا لتحريك الفكر وتغذية الشعور
قد لا يرى المنهمك في زحمة الحج - للعمل والكد غير ضجيج وعجيج وغواء وجلبة تخمد الذهن وتعبث بالفكر ولا مجال فها للخيال .
ولكن لو اطلق الانسان لفكره عنانه وتركه يسلك فى زحمة الحج باحثا منقبا لتكشفت له عن غير هذا الذي ظن . ولو جد فى تضاعيفها مادة غزيرة تصلح لان يغترف منها الأدب ما شاء دون ان يدر كها نصوب ويتطرق إلى نفس المغترف منها سام او ملل . لان المعاني فيها تتجدد بتجدد الوافدين . وصور الأشياء تختلف باختلاف المشاهد والمرائى التى يعج بها هذا البلد الأمين ويستطيع الانسان ان يتوسع فى ذلك كله باتساع فكره ومدى امد ثقافته ومداركه .
صادف حج العام ) الفائت ( ان كانت فيه الحجة بالجمعة . والحج فى الاسلام فريضة . والجمعة عند المسلمين عيد وللعيد في القلوب فرحة . واثرت عن حجة الجمعة اقوال . لذلك نجد المسلمين فى مشارق الأرض ومغاربها يتلهفون على حجة الجمعة ويحسبون لها الشهور والايام . وينتظرون حلولها بفارغ الصبر ومنتهي الاشتياق اذهم يميزون الحج فيها على الحج فى سواها . ويكون - عادة - الاقبال على الحج عظيما إذا كان الوقوف بعرفة يوافق يوم جمعة .
ولقيام الحرب وارتبك السبل لم يكن الاقبال على الحج فى هذه السنة كما كان المنتظر فلقد نخلف - من جراء ذلك - كثير من الناس . وتفقدنا كثيرا من الاجناس فلم نجدهم فى موسم هذا العام . ومع كل ذلك فان زحمة الحج هي زحمة الحج لم تتأثر كثيرا بمن تخلف عنها . فالمسجد الحرام غص بالطائفين . والصفا والمروة ملئنا بالساعين . وشوارع مكة ازدحمت بالغادين والرائحين (والأخاشب) ضاقت بالهوادج والاباعر . والمسالك اكتظت بالسالك والعابر . ونصبت فى ساحة عرفة الخيام ووفرفت في سمائها الأعلام . وزخر الموقف بالحفاة العراة الطائعين الخاشعين رجالا وعلى كل ضامر من كل فج عميق
وفى كل ذلك من المناظر المختلفة والمشاعر المتنوعة ما يثير فى النفس خواطر واحاسيس لو تهيا الانسان للأبانة . عنها لوجد مجالا واسعا لضروب القول . وميدانا
فسيحا لأنواع البيان ولو وجد متسعا من الوقت لالتقاط ما يتفوه به الحجاج فى مجتمعاتهم حينما يسمرون . وفي غدواتهم وروحاتهم حينما يتبايعون ويتشاورن وما يزجيه الناس لبعضهم في غير ما كلفة ولا عسر من احاديث ومسائل . وحكايات واقاصيص . وعلوم ومواعظ . ومثل وامثال . ونكت ونوادر . وما يبديه بعض الافراد من تواضع أو تفاخر . أو نصح أو تهاجر . أو تنافس او تحايل . او غير ذلك لأوجد للقراء او المتادبين - من كل ذلك - متعة يستهويهم بها الى الأدب ولتركهم فى لهفة الى ما يجود به براعته من نتاج ادبى قيم وما يدبجه قله من موضوعات شيقة شهية ترتاح اليها النفوس وتغتذي منها الالباب .
ولو تتبع الكاتب ما يلاحظه الحجاج علينا وما نلاحظه عليهم من أقوال وأعمال وما يحمدونه لنا وما نحمده لهم من اخلاق وخصال وما ينكرونه علينا وما ننكره عليهم من عيوب وهنات لا يخلو منها قطر ولا يسلم منها انسان وبحث عما يرتاح له الحجاج وما يحبذونه من مشروعاتنا ومنشاتنا وافكارنا وعاداتنا . وأمورنا ومعاملاتنا وما لا يرتاحون له ولا يحبذون صدوره منا وما يرونه اللائق بنا وما لا يليق ان نتخلق به ودرس كل ذلك ببصيرة واخلاص وابان قبح القبيح وحسن الحسن ونوه عن المنتقد وغير المنتقد من الامور دون ما تحيز ولا تعصب وقصد ببحوثه ودراساته الحق لوجهه لأمد ادبنا باراء وافكار يحمد له فيها سعيه وجهوده ولكان بيننا الأديب المشكور
وناحية اخرى - فى زحمة الحج - لو انصرف الانسان بفكره وعنايته اليها لوجد فيها الطريف الممتع تلك هى ملاحظة الناس على اختلاف اجناسهم وتباين لغاتهم وهم يحاولون محادثة بعضهم إذ يستبين له فى ذلك نفسيات الا وطبائع الشعوب التى جمعها الاسلام تحت لوائه ويرى اخلاق كل امة متمد . أخلاق أفرادها بابز مظاهرها . ذلك حينما تتطلع نفس المصري لمداعبة الهندي ويهم الجاوى لمخاطبة الصيني . ويحاول التركي المفاهمة مع العربى ويحتك الحضرى بالبدوي ويريد الشامي ان يختبر الكردي ويميل المشرقي لاستجلاء نفسية المغربي . وما
يترسم على وجه كل منهم من المعاني التى يجيش بها صدورهم . وهم لا يستطيعون الاقضاء بها إلى بعض لجهل كل واحد منهم بلغة الاخر . وما يبذله كل واحد من الجهد والعناء إذا صمم على تفهيم الاخرين ما يدور بخلده وانك لتجد من الصور " الكاريكاتورية " الوانا حيثما يتكلمون بالاشارة او يتكلم كل منهم بلغته معتمدا على ذكاء مخاطبه فى فهم ما يقول . وعند ذاك ترى ذوى الحظائر الضيقة والافهام المحدودة كيف يتذمرون . وذوي النفوس الكريمة كيف يحتملون ويبسمون . اليس فى تصوير هذا أو بغضه متعة للقارئين ؟
ان في زحمة الحج كثيرا من الموضوعات القيمة والطلبة التى تستجيب لها نفس الاديب وتحرك فيه شهوة الكتابه لو كان الاديب فى غنية عن طلب العيش من طريق غير طريق الكتابة . ولو توجه الأدباء الى ما فى زحمة الحج لأغنتهم كثرة موضوعاتها عن احراق المخ واجهاد القريحة فى التفتيش عن موضوع يتحفون به القراء إذا ما دعاهم داعى الكتابة فى الصحف أو عند المناسبات
وبد هي ان مثل هذا لا يخفى على حضرات الكرام الكاتبين لولا ان صرفتهم عن ذلك امور وشغلتهم عنه شواغل
ولكن إذا ساغ لنا ان نترك كل ذلك فلا يسوغ لنا ان نترك ما يجمل بنا ان نقوله ويجدر بادبنا ان لا يكون خلوا منه ذلك هو التحدث عما يستولى على النفس من شعور بالبهجة والروعة وما يهيمن على الانسان من احساس غريب عند ما يرى عرفة ومزدلفة ومنى وهن يتلألأن بالمصابيح المختلفة فى ليالي الحج فيبدون كمدائن تموج بالآنوار . او كقطع من السماء المتألقة بالكواكب الزهر انحططن من العلياء وامتددن على الأرض فى تلك السهول الفسيحة والأبعاد الشاسعة . والاجيال من خلفهن تبدو للرائي كمن يتسلل لواذا أو كمن ذهب خائفا يترقب ؟ !
اي شئ تثيره هذه المناظر البديعة الفتانة فى النفس الشاعرة إذا هي رأتها وتاثرت بها لاشك انها تفيض بشعر يهز القلوب ويرنح الإعطاف وتهفو لقائله القلوب التى فى الصدور .
ثم اية خواطر تلك التى تنئال على الذهن انثيال السيل الآتى : آصيل يوم عرفة حينما يخشع النفوس وتضج الأصوات بالتسبيح والدعاء والتلبية والبكاء وكيف نجد الانسان نفسه إذا امتلا قلبه فى تلك الساعه من الخشية وخشع كيانه من الجلال . واحس بقيمة السمو الروحى وتفاهة كل ما هو مادي وادبي على وجه الأرض واى احساس ذاك الذي يلامه عند ما يرى الناس اينما اتجه به بصره بين شاهق يكاد ينقطع نياط قلب من الشهيق خوفا من ربه . ومتذلل بين يدى مولاه يسال غسل حوبته . وحفر بالترب وجهه حسرة على ما فرط منه فى شبابه وصبوته . ومخبت ومنيب . ومستغفر واواه . وقد نطقت سيماهم وحدثت مخائلهم بان نفوسهم قد خلصت من الأدران وأن قلوبهم قد افعمت بالايمان . وانهم انصرفوا بكليتهم إلى الله . ولا شئ يصرفهم عن الله .
وان فبض ذلك الذي يفيضه الله على عباده إذا ما أفاض الناس من عرفة وقصدوا إلى المشعر الحرام ؟ واية نشوة تلك التى تغمر القلب والحواس إذ ما الانسان قصر أو حلق وتحلل - بمنى - من الاحرام ؟
لا جرم ان في كل ذلك من المعانى السامية والافكار العالية ما لو تحرك به القلم بحرارة صادقة لروي الغلة واحيا موات الامل في النفوس البائسة من الحياة وان في ذلك لأدبا روحيا يخلق ببلادنا ان تحمل شعله وتوقد جذوته وتهتف به بين الاحياء . لعل الانسانية تصغى اليه وترتفع بنفسها مما تردت فيه من مادية ما باءت منها بغير البلاء والشقاء
هذا بعض ما تهمس به زحمة الحج فى الأذان وتوحية تلك الايام الغر - أيام الحج - إلى الأذهان . فلا تستجيب له ولا تصغى اليه . وما ذلك . الظن الا للعذر الذي قدمنا فى صدر المقال . فهل من مقبل للاد الأدباء مما منوا به من البئار ؟
عمى ولعل . وعسى ان يكون ذلك قريبا

