الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

من ادب مصطفى آغا, 1- النسر والانسان

Share

حلق سيد الاطيار ، فى رابعة النهار ، وقد ظهرت الغزالة ، فى عزة وجلاله ، فأرسل بصرا حديدا ، مستطلعا هيكلا جديدا ، اذ رأى على قمة العرين ، هيكل آدمى مسكين ، ينتفض قرا وينتظرا شرا ، مستفزا جزوعا ، منكمشا هلوعا ، شارد البصر ، متوقع الخطر ، جال زعيم الكواسر جوله ثم نزل حائما حوله ، فقنط الانسان من السلام ، لما رأى الجارح أمامه يحدقه بأعين ذهبية ، ويرسل اليه نظرة نارية ، فزاد ارتعاشه ، وتعالى اجهاجه ، وهاله الانفراد ، على قمم الاطواد ، كيف لا وهو البعيد عن الحمى القريب من السما ، أمامه سلطان فى جلاله ، يخفره جند من أمثاله ، ممتلئين قسوة وجسارة ، منتظرين منه أدنى اشاره ، فيتدفقون كالسيل وكلهم ذو مسغبة قرم ولكنهم فى سكون مخيف ، فلا صوت خطى ولا حفيف ، موقف مريب ، وسكون رهيب ، ولكن صرخة من صارخ ، كادت ان تحرك تلك الشوامخ ، صاح صاحب السلطان ، ناطقا بأفصح لسان ، ناظرا شزرا ، منشدا شعرا :

انا سيد الطير غربا وشرقا أجبنى يا أيها الوحش صدقا

اراك بزى غريب فمن أن ت قل ان اردت السلامة صدقا

رأيتك أعزل من كل حد فكيف طرقت الشوامخ طرقا

من أنت أيها الحيوان ، ومن اتى بك الى هذا المكان ، أنزلت من الاجواء الشاهقة ، أم قذفت بك الصاعقه ، وكيف أوصلتك الهمه ، الى هذه القمه ، وكيف تسلقت الصخور ، واجتزت مملكة النسور ، لعمرك لقد دست ارضا لم يطأها أمثالك من دابة أو زاحفه ، منذ قرون سالفه ، فكأنك أيها القادم قد التحقت بذوى القوادم ، فمن رماك على هذه الصخور الملسا التى لا يسمع حولها صوت ، ولا يوجد بها قوت ، ان بينك وبين الارض ، بالحقيقة لا بالفرض ، مسافة لها بال ، تعد بالاميال ، فقص على قصتك ، واشرح لى سفرتك ، واسلك الصدق فى روايتك ، حتى ننظر فى جراءتك ، فاخضع ولا تتجاسر ، فانك فى الكواسر ، فان صدقتنا اوليناك احسانا ، وان كذبت عذبناك الوانا .

الانسان

بربك يا ذا الجلالة رفقا فلن استطيع من الهول نطقا

حنانيك ان القساوة شر وان الوداعة خير وابقى

فيا ذا الجلالة ان حديثى غريب وسمه ان شئت حمقا

رقيت على الطائرات الجوارى بيم الغمام وما مت غرقا

ولكن اصبت بما لست أدرى وكان دويا ورجا وخرقا

تخاذل منها القوادم لما على الطير زادت علوا وسبقا

فأهوت كمسترق السمع نحو الاقراء تعالج دكا وحرقا

وقد خفت الصوت منها وعجت مساجينها الله عطفا ورفقا

وكان دويا فعاد صراخا وكاد الفؤاد يمزق خفقا

ووالله لم ادر ما بعد هذا سوى أننى الآن اسوا واشقى

اراك تهيم بلحمى طعما كما هام قيس بليلاه عشقا

لعمرك لست طعاما وانى مفيدك علما ومهديك حذقا

انا الآدمى الكريم وانى من الوحش والطير اسمى وأرقى

النسر

قر عينا بصحبة الاطيار لا تخف من ملوكها الاحرار

أنت اصبحت فى جوارى مقيما وأنا ارعى ذمة الاجوار

فافصح القول ان اردت فانى قد رايت الاخلال فى الاختصار

اولا ما معنى مقألك انى فوق كل الوحوش والاطيار

فبماذا سموت عنها وانت الا عزل العاجز الضعيف العارى

لا مناقير ، لا مخالب لا اني ـاب ، لا ريش ما سوى الاطمار .

أنت لا تلحق الخفافيش ان ط ـارت ، ولا انت لاحق بالحمار

تسلح الطير فوق هامتك الشعرا ، وتدهيك قطن الاوجار

أنت تخشى سباع طير ووحش بل وحتى الضباع ، يا للعار

أنت تمشى على الاديم رويدا عرضة للهلاك والاخطار

أنت مسبوق ما عدوت عليه بجناحى طير ، وارجل جارى

فاتق النسر ، واترك الطود هذا وتدبر طريقة الانحدار

ولعمى ليس لك شم الكلاب ، ولا عدو الذئاب ، ولا وثبة النمور ،

ولا نظرة النسور ، ولا اسهم الضربان ، ولا سم الافعوان

الانسان :

ضحك ابن حوا ، وقال لقد نطقت على الهوى ، فارتاع النسر من الضحك ، وتحفز وارتبك ، وبدأ لناظره خطيرا ، يرنو اليه فاحصا خبيرا

النسر :

عجبا ماذا أصاب السيد الشهم الكبير

أبلوع من مصاب أم تغن وصفير

أم نداء لاليف غادر الكن يطير

عمرك الله أفدنى ، ان مغزاك عسير

الإنسان

ان ما تسأل عنه ليس بالامر العسير

انما نضحك حينا لانفعال أو سرور

فهو صوت معرب عن حال هزء أو حبور

انه لى ميزة قد فضلتنى عن كثير

اعلم يا قوى السلطان ، وضعيف البرهان ، انى لست محروما مما ذكرته ، ولا محتاجا لما هولته ، فانى رأيت العقربان ، نفث سمه وحقن به الاجسام فأوردها الحمام ، وشاهدت صريعه ، واستحسنت صنيعه ، ففتشت على السم وادخلته على طريق الفم ، ففتكت بالارواح ، وكان اخفى سلاح ، ثم لما رأيت السباع ، تفترس وهى جياع ، ولا يفوتها مأرب ، سلاحها الناب والمخلب عمدت الى الحديد ، ذى البأس الشديد ، وفقت به السبع ، لانى افترس رغم الشبع ، وهكذا استعملت قليله للشفا ، وكثيره للعفا ، نعم لقد كنت خلقا ضعيفا ، ولكنى صرت جبار مخيفا ، وقد كان الضعف سب انتشالى والخوف مطية احتيالى ، فتخلصت من الادراك ، بقوة الادراك ، ونحت من الصخور سلاحا ، فكفانى معارك وكفاحا ، ثم عوضته بالاخشاب ، فاتخذت منها شبه بواتر وحراب ، فحمتني زمنا مديدا ، حتى ألان الله الى الحديد فحصدت به زرعى ، ونفذت به شرعى ، ولما استكملت أدواره ، عمدت الى قذف الحجارة ، فوجدت للتخريب بعض الطريق ، حينما نصبت المجانيق ثم ظهرت المعجزات ، فأتيت بالمفرقعات ، فأصبت الوحش في صحرائه والطير فى عليائه ، وقاتلت به نوعى ، ممن لم يكن تحت طوعي ، من خالفني فكرا ، وزاحمنى تجرا ، فاكتسبت به العز والجلاله ، واقمت به الحق والعدالة ثم استقللت طوله ، واستصغرت هوله ، فاخترعت ما أفظع هتكا ، وأشد فتكا ، فهدمت الصروح الشامخات ، واغرقت الجوارى المنشآت ، ولكن لم ترونى هذه البله ، ولم تشف لى غله ، فقذفت من الشواهق ، ما أشبه الصواعق فأشفيت الآن علة الغليل ، وقامت بمهمة الابابيل ، فجعلتهم كعصف مأكول ولم تبق عليها الا آثار الطلول ، وبلغت بعض ما اشتهيه ، وتشفى الانسان من أخيه ، أما بداية اسفارى ، وتقلب فيه واطوارى ، فقد ركبت الفرس والنجيب ، واقتحمت مشقة السفر العصيب ، ثم ضاقت على الارض ، في الطول والعرض ، فصنعت من الالواح ، فلكا مسخرة للرياح ، ثم مللت تلاعب الاعصار ، فأتيت بعجيبة البخار ، وأحسست ببعض الارتياح لما رأيت السفن تجرى بما لا تشتهى الرياح ، وتمتعت بالطمأنينة والاسراع

والقيت المجاذيف وطويت الشراع ، فلا أسكن ان سكنت ، ولا ارتاع ان عصفت ، بل ذلك البحار ، وسخرت من الاخطار ، ثم عمدت الى القفار فأجريت فيه القطار ، فانساب على القضبان ، انسياب الافعوان ، ثم قادني من بعد اهتدائى ، الى التيار الكهربائى ، فزاد فى الاسراع ، وقضى الايام في ساع ، ثم عرجت الى السماوات ، على جناح الطائرات ، وعلوت على بعض بنى آدم ، والتحقت بذوى القوادم ، وها أنا اليوم فى نشاط مستمر ، متطلعا الى احتلال القمر ، محاولا ايصال هذا العالم ، بغيره من العوالم ، على أجد فيه من النعيم ، ما لم أجده فى عالمى القديم ، وسيسجل التاريخ ، احتلالى للقمر والمريخ ، هذا أنا يا سيد الضوارى ، من زعمت العاجز العارى ، الضعيف الاعزل ، ومن كل سلاح بمعزل . وهاك ما أقول :

أنا لا الحق الخفاش ليلا ولا أنا لاحق بأبى زياد

ولكنى سبقتهما جميعا بفضل المنشآت من الجماد

بفضل الطائرات على غمام بفضل العاديات على المهاد

فما تلك السوائح فى بلاد بآمنة سطوى واضطهادى

ولا ذاك المحلق فى سماء بناج من شباكى واصطيادي

ولا أسطو بمنقار وظفر ولا اعدو بأنياب حداد

ولكن الدواهى من صنيعى عليها اليوم فى الدنيا اعتمادى

ترانى عاجزا ، وأنا قدير بما قد در من ضرع اجتهادى

وما هذه الحياة سوى جهاد وانى ذو البطولة فى الجهاد

لعمرك لو علمت سمو فكرى.....(1)

علمت بأن ضيفك ذو اقتدار خليق بالتجلة والوداد

نعم انى كنت خلقا ضعيفا ، ولكنى اليوم صرت جبار مخيفا ، ملازما السير على هذه الجادة ، لانها الموصلة الى ابواب السعادة ، علنا نقضى حياة هنية ، حتى تفاجئنا المنية ، فعندها ينقطع النعيم ونتوسد بطن الاديم ، ونختلط بثرائه ، ونمتزج بأجزائه ، وهكذا الحال ، فالبقاء محال ،

النسر:

لقد قلت بعد الحياة الهنية تفاجئكم المنية ، فما معنى هذا الكلام فليس لى به أدنى المام ، وانى أرى أن هذه المنية ، على غاية من الاهمية ، فهي أعلى من القوه ، وأعمق من الهوه ، طيف يتردد ، وذكر يتجدد ، تسقط أمامها الجهود ، وتقشعر من ذكرها الجلود ، هذا ما توصلت لفهمه ، واحطت بعلمه ، فزدنى بربك تفسيرا ، فانى اراك خبيرا بصبرا .

الانسان :

هل نحن فى مجون ، أم فى ذهول وجنون ، ام أنتم فى خلق عجيب ، ليس له من العلم نصيب ، ولعمرى ان هذا لاكبر برهان ، على تكريم الانسان ، والآن فأعلم يا ذا الكياسه ، ويا صاحب الرئاسة ، ان هذا الموت ، هو خفوت الصوت ، والصمم والاغضاء ، والشلل بسائر الاعضاء ، وبرودة الجسد ، الى ما فوق الحد ، وتحول الاعصاب ، الى صلابة الاخشاب ، وجمود الدم ، واصفرار الادم ، ثم الاضمحلال ، اما ما بعد ذلك ، فهو مما لا يخطر ببالك ، ولا يمكنك بأى وجه معرفته ، ولا تشملك نعمته ولا نقمته ، ولا ينالك رضاه ، ولا تلحقك لظاه ، فلا نمارق ولا سرر ، ولا جهنم ولا سقر

النسر :

قد علمت الآن ما هو البشر ظرف خبث واعتداءات وشر

ناكث العهد جرىء غاشم فاقد الود كذاب أشر

هكذا المرء حريص جشع ولئن صلى وزكى واعتمر

يعلم الموت نصيبا لازما وهو في لذات عيش مستمر

يدرك البعث ويدرى سقرا ولظاها . وهو لا يخشى سقر

كلما ليم يولى قائلا : كل شئ بقضاء وقدر

وهو يقضى العمر فظا قاسيا فى استلاب الغير أو دفع الخطر

هاجما طورا ، وطورا يتقى غارة ، فهو شجاع منذعر

ضاقت الدنيا بما فيها عليه فأمسى طالبا فتح القمر

انما الانسان شىء عجب ولعمرى انه احدى العبر

اشترك في نشرتنا البريدية