الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "المنهل"

من اسرار التشريع :, الحدود

Share

سبحانك ربي ما اعظم شأنك ، وما اسطع برهانك ، وما اوسع رحمتك ، وما أشد عقابك أنت الغفور التواب ، وانت شديد العقاب وسريع الحساب ، قلت فى كتابك الكريم " نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم وان عذابي هو العذاب الاليم"

وقد جعلت لنا شريعة على لسان رسولك المصطفى صلى الله عليه وسلم تكفل لنا سعادتنا وصلاحنا وفلاحنا فى الدين والدنيا والآخرة ، ان اتبعناها وفقهنا اسرارها ، واقتبسنا انوارها لن تزيغ بنا الاهواء ولا تضل الاراء وقد شرعت لنا الحدود الشرعية لتكون كافلة براحة البشر في كل زمان ومكان حتى تمتنع الجرائم التى ترتكب وكل فعل يحدث في الارض فسادا لا يمكن اصلاحه الا بالعقوبة ، ان الذين لم يفقهوا اسرار هذا الدين الحنيف الذي جاء كاملا شاملا لمنفعة بني الانسان ولم يقفوا على حقيقة العلل التى لاجلها جعلت العقوبات متنوعة في الشدة يقولون ان هذه الحدود مضرة وقولهم هذا منقوص فان مصلحة الامن العامة والمحافظة على الامن والضرب على أيدى المجرمين مما حققته والحمد لله احكام الشريعة السمحة الغراء بما نقض شبه أولئك الناقدين الطاعنين

على الاسلام أن لهذه الحدود الشرعية سرا عظيما فهي دروس عبرة وتوجيه ونذر ترهيب وارشاد وآيات زجر وتنبيه شرع الله تبارك وتعالى حد السرقة بقطع يد السارق على مرأى ومسمع من الناس ليكون اعلانا متحركا كلما رآه أحد اعتبر فهو نذير اللصوص فى الاسواق والاندية . . والحضر والبوادى فأن اليد الامينة قيمتها ثمينة ودييتها نصف دية الانسان فلما خانت هانت ولحقها الذل والعار وقطعت بسبب التعدى على ربع دينار قال الشاعر:

يد بخمس مئين عسجد وديت

        ما بالها قطعت في ربع دينار

عز الامانة أغلاها وارخصها

        ذل الخيانة فافهم حكمة البارى

ان الانسان يكدح في جمع الرزق وما يقوم أود حياته تارة بفلح الارض واستثمارها فيصهر جلده أتون الشمس صيفا ويؤذيه الزمهرير شتاء وآونة بالسفر في القفار متعرضا للوحوش الضارية والرياح الذارية بين الجبال والوهاد ومرة بالسفر فى البحار متعرضا للخطر اذا هاج البحر وجرت السفينة فى موج كالجبال ويوما يربح ويوما يخسر ويوما يفقد رأس المال أما إذا كان موظفا فهو دائما

وجرت ويوما رأس المال

فى تعب وذل لسطوة الرؤساء وعقوبتهم عند الاهمال كم يعاني الانسان فى سبيل كسبه من متاعب ويتحمل من مشاق ومصائب ليكون عالي الهمة لا يتحمل ذل السؤال وكم يضيق على نفسه ليوفر شيئا من مدخوله ليتخذه لليوم الاسود حصنا ووسيلة لاهدافه وتحقيق امانيه واجابة طلب عائلته أفبعد هذه الاتعاب يأتي اللص الظالم فيسلب هذا العامل ثمرة مجهوده وخلاصة أتعابه ويقضي على مستقبله وعلى امانيه . . هذا فى الحقيقة تقويض لدعائم العمران وسبب للفوضى وقضاء على النظام واخلال بالامن العام ما أظلم هذا اللص يغير على الآمنين فى دورهم فيزعجهم ، ويفقرهم وربما أدى الحال الى سفك الدماء وقتل الرجال وضياع الاموال وترميل النساء والاطفال اذن هو عضو فاسد فى جسد الامة يجب تلافى شره وحيث كانت الجريمة التى ارتكبها بيده الاثيمة فقد جعل الشارع العقوبة علنا فاذا عاد لذلك فقد شاركت يده رجلة التي مشي بها لمكان الجريمة فحق أن تقطع فاذا ما شاهد الناس ذلك ارتعدت فرائصهم من رؤية هذه العبرة ولذا فأنا نجد ان الحكومة التى وفقها الله تعالى لاقامة الحدود ورفع منار الشرع الشريف وتطبيق الاحكام الربانية تتمتع بالامان والسكينة . . فينام الناس فى بيوتهم آمنين وهي مفتحة الابواب وكذا الخزائن المالية والمستودعات التجارية والبضائع ملقاة في ابواب الحوانيت وعلى جوانب الشوارع ليس لها حارسن الا عدل هذا الشارع الحكيم وتطبيق حدوده الجليلة ولذا يستريح الناس والقضاة

وتخلو السجون من اللصوص ولا يحتاج لتكثير جنود الامن لمجرم أو سارق بل لعدو في الحرب أو طارق

قال تعالى " والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله "

وقال الشاعر :

دين يشيد آية فى آية

            لبناته السورات والاضواء

الحق فيه هو الاساس وكيف لا

          والله جل جلاله البناء

ان الشارع الحكيم قد أحكم كل شئ صنعا ولم يترك الناس سدى شرع القصاص فى القتل ليكون حياة للناس اقامة لميزان العدل فالجزاء من جنس العمل ولو انتشر القتل فى الارض لقل النسل وكثر الفناء واختل نظام عمارة الكون " ولكم في القصاص حياة يا اولى الالباب لعلكم تتقون " وقد تؤخذ الدية فى العمد صلحا أو فى الخطأ للمنفعة المزدوجة بين الطرفين وشرع الحد فى القذف محافظة على عرض المقذوف لان القاذف الصق به وصمة قبيحة فاذا جلد ثمانين جلدة وهي عقوبة بدنية وردت شهادته وهى عقوبة نفسية رجع الحق الى نصابه ، وأمن الناس من هتك الاعراض بمجرد الهوى والأغراض قال تعالى " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا باربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا واولئك هم الفاسقون الا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحو فأن الله غفور رحيم " وشرع تنصيف الحد فى العبد الا فى القتل لانه لا يتجزأ ليكون العدل اتم والمرحمة اعم فان العفو به على قدر

الجناية والجناية تزداد بكمال حال الجاني وتنقص بنقصان حاله والعبد انقص حالا من الحر لاختصاص الحر بنعمة الحرية فكانت جنايته انقص ونقصان الجناية يوجب نقصان العقوبة به ، شرع الرجم على المحصن فى الزنا لان الزنا اصل المفاسد وجريمة الجرائم فبه تفقد الانساب ويتعطل التراحم ويضيع التعارف بضياع الشعوب، والقبائل وتزول العصبية التى يستمد الانسان بها قوة يدفع عن نفسه المضار وتلك مفسدة كبرى وضرر عظيم مع ما ينضم لذلك من هدم بناء الحياء والقضاء على المروءة وخراب البيوت وفساد العوائل واختلال نظام عمران الكون وفقد الاموال وانتشار الامراض فالمحصن الزاني جنى على الجامعة البشرية وعطل امرأته فى بيته ليقع منها مالا تحمد عقباه فانحط عن مستوى الانسانية الى حضيض الشهوة الكلبية فحقه ان يرجم بالحجارة حتى يموت فيستريح ويريح ويعتبر به الفساق ، وأما غير المحصن فقد اندفع لهذا الذنب لعدم احصانه فخفف عنه بالجلد والتغريب عاما

لعله يتوب ويتطهر ويصير نافعا لوطنه وأمته فسبحان الحكيم ما أجمل تدبيره انه بعباده خبير عليم

وشرع الحد على شارب الخمر لان الخمر أم الخبائث وأس المصائب والنقائص ضررها عظيم يتناول الروح والجسد والمال والولد والعرض والشرف كم خربت دورا وافنت عقارا وولدت فتنا ، وأثارت محنا ونقلت العقل من حكمة التفكير الى الجنون والفساد ، كم فرقت الاصدقاء . . يشربها الصعلوك فيظن انه من الملوك والجبان فيظن انه فارس ، والجاهل فيظن انه الحبر فلا كنت ياعقار وشلت يمينك ياخمار وسحقاكم ايها الاشرار وهذه لمحة خاطفة من اسرار تشريع الحدود ولنا ان شاء الله تعالى عودة الى تفصيل الاسرار التشريعية فى الحدود الشرعية أنا نكتب هذا بمناسبة اقامة الحدود على اللصوص فى كل من جدة ومكة والرياض بأمر ولى الامر الملك الموفق أطال الله فى عمره في طاعته ووفقه لنصر شريعته وحفظ ولى عهده وسائر عماله آمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله واصحابه . .

اشترك في نشرتنا البريدية