الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "الفكر"

من اعلام الاصلاح، الاستاذ محمد عبده، ( 1905-1849 )

Share

فى فترة من تاريخ ثقافتنا العربية وأيام الحرب العالمية الاولى ، كان السائل يسأل : من أكتب الكتاب في لغة الضاد ؟ ومن أبرعهم نطقا وأفصحهم لسانا ؟ وكثيرا ما تردد بين أغلب مثقفى تلك الفترة : انهما اثنان الكاتب الذائع الصيت : الشيخ " على يوسف " ، صاحب جريدة " المؤيد " والاديب اللامع : مصطفى لطفى المنفلوطي صاحب " النظرات " و " العبرات " و " المختارات " و " ماجدولين " و " فى سبيل التاج " الخ . .

وكانت معارك ومطارحات أدبية ممتعة لا بد منها لتصحيح التقدير فى موازين الادب والادباء ، وكثيرا ما ترددت اسئلة السائلين بعد هذه الفترة عن " رواد الاصلاح " ، الذين عملوا على نشر الدين الحي النافذ الاثر ، لا الدين المحفوظ فى رواسم وصيغ فيتساءلون عن اعلام نزعة التجديد والاصلاح ، فى البلاد الاسلامية ؟ وعن أرض الدين الحق ؟ وعن أولئك الذين حملوا مشعل النضال ضد المستبدين والجائرين ، وقاوموا أنظمة الحكم الفردى والوراثى وما تبعهما من فساد وجور واعتساف ؟

وكانت مناقشات حادة وشطحات صوفية بين المعممين والمطربشين ، والقدامى والمجددين ، وفي وسط هذه الحركية الزاخرة والنقاش البناء ، كان يتردد على الشفاه دائما أسماء عدة ، فهذا جمال الدين الافغاني ، وهذا محمد عبده ، وهذا عبد العزيز جاويش ، وهذا السيد رشيد رضا ، وهذا عبد الرحمان الكواكبى ، وهذا عبد الحميد بن باديس والشيخ عبد العزيز الثعالبي ومحمد بيرم الخ . . .

لقد كان كل هؤلاء ممن اشتغلوا بهذا الهدف السامي النبي . . فكان زحام على السبق ، وتصحيح لتقييم الحقيقة ، وتطوح للتنويه بمن اوقفوا حياتهم من أجل الغير ، وتفانوا فى محاربة الرجعيين والسماسرة والظالمين

وكان لا بد للامام محمد عبده - بما عرفنا عنه من بعد نظر ، وضمير حي ، وطنية صادقة ، وايمان عميق بالمثل العليا - أن يحتل الصدارة لهذا المجد الصحيح البعيد عن التضليل والزيف وعن كل ما يشين فى هذا العصر المضطرب الذي عرف انهيار السلطة العثمانية ، وتقسيم الممالك الاسلامية بين الدول المستعمرة ، وتفقير الشعوب ، واستبداد الحكام وجورهم الذى لا يوصف ولا يقف عند حد .

لقد كانت شخصية هذا الرائد الشجاع ذات طابع خاص يميزها عن باقى الشخصيات الدينية الاخرى فى هذا القرن . . . انه ثائر حر . . ناضل فى كل ميدان ، وخاض معترك الحياة بعزيمة لا تقل ، اذ ما أفنتها قوة الخصم وما ارهبتها المظالم ولا الحرمان أو الايقافات والسجون

انه شق عصا الطاعة فى وجه الانقليز ، وحمل على عملائه من حكام مصر ، ونادى باصلاح التعليم فى الازهر وفى غيره من الجامعات والمعاهد فى الشرق وارتحل الى عديد الاقطار للتعريف بمنهجه الاصلاحى ، كما نادى بفتح باب لاجتهاد ، وأعلن الثورة عن كل قديم بال ، قصد اعداد جيل يشعر بمسؤوليته ، ويذود عن حياض أمته العربية الاسلامية ، ويؤمن برسالته فى هذا الوجود الذي تتقاذفه الاهواء والمطامع من كل جانب ، كل ذلك من أجل تحقيق الكرامة ، والغد الافضل المشرق للانسان العربى فى كل مكان

انه ايثار ، وثورة ، وطموح ومد مارد تجاوز الحدود والابعاد

وأمام هذا العمل الجبار الضخم فى شتى المجالات كانت أسئلة المتشوفين تنهمر كالمطر الغزير لتستوضح عن معالم الطريق لتتقدم فى دربها الطويل الصامت ، ومسيرتها الدائبة الصامدة

ترى من يكون هذا الاستاذ الذى يجيد الفرنسية كتابة ونطقا ، ويسيح فى بلاد اروبا ، ويترجم آثار مفكريها ، وينقل عن فلاسفتها ، ويباحث علماءها ويفتي بما لم يقل به أحد من المتقدمين ، ويشترك فى الجمعيات الخيرية ويجمع المال للفقراء والمنكوبين ؟

انهم رأوه يعمل فى كل مكان ، ويتسع صدره لكل الناس ، ويقضى أوفر وقته في خدمة الغير والتفانى فى اعلاء شأن الاسلام والمسلمين

وازدادت معالم هذه الشخصية الفذة تبرز مع مرور الايام وتوالى السنين . انه علم من اعلام النهضة الاسلامية وقائد من قادة الفكر العربى العظام وزعيم من زعماء الاصلاح وهو فوق كل ذلك فيلسوف انسانى مجدد ، وكاتب اجتماعى مبدع ، وخطيب ثائر مصقع ، ومتحدث بارع ، ومجادل مقنع . . انه الامام محمد عبده ثائر الشرق وتلميذ جمال الدين الافغاني : ) 1839-1897 م وصديقه الحميم ، وزميله فى النضال ضد انحلال القومية ، وتفرق الكلمة والاستسلام للرجعية والاستعمار

عاش محمد عبده سبعا وخمسين سنة قضاها جميعا فى التعلم والتدريس وفى اعلاء شأن الاسلام ونفع أبنائه : ) 1849-1905 م ( .

فقد كانت حياة هذا المصلح كالشعلة المضيئة ، والقوة الدافعة صنعها بقلبه وفكره ويده ، شأن كل فنان موهوب حينما يريد أن يصنع تحفة رائعة أخاذة . . انها حافلة بالسعى والجد فيما ينفع الناس والدين

وقد اختلف المؤرخون فى تحديد تاريخ ميلاد هذا العبقرى الفذ فبينما يرى بعضهم - ومنهم " جرجى زيدان " فى مجلة " الهلال " و " ابراهيم اليازجى فى مجلة " الضياء " و " رشيد رضا " فى كتابه عن الامام محمد عبده - أن ميلاده كان عام 1849 م - يرى البعض الآخر أنه من مواليد ستة 1842 م على ان معظم المؤرخين اتفقوا على أنه ولد وتربى " بمحلة نصر " ونشأ فيها شأن عادة كل أطفال الريف ، ولم يكن والداه من الاثرياء ولا من العظماء ، ولا من صحاب الجاه والسلطة ، فلقد كانا عاديين كبقية الناس المتوسطين وأن كل تروتهما يساوى " أربعين فدانا " وان والده " عبده خير الله " قد هجر ارضه فرارا من ظلم الحكام وقسوتهم وتعسفهم

ويشيد بعض المؤرخين ، ومنهم الدكتور " تشارلز آدمس " - بالخصال الحميدة التى يتمتع بها أبوا محمد عبده حيث يقول : " ويظهر أن أبوى محمد عبده كانا على خلق عظيم وان لم يكن لهما حظ من العلم شأن الكثرة من العامة ومن أوساط الناس فى مصر حتى فى عصرنا الحاضر ) 1 ( .

واهتم والداه بتربته فبعد أن استكمل معارفه الابتدائية الحقاه " بالجامع الاحمدى " فى " طنطا " ، تم تخلى عن الدراسة واشتغل بالزراعة عدة سنين الى أن تداخل أحد أخوال أبيه وهو " الشيخ درويش خضر " وقد استطاع هذا الاخير ان يحب اليه العلم وأن يبث فى نفسه المعانى الروحية السامية وقد تحدث محمد عبده عن فضل هذا الرجل وعما أسداه اليه من نصح وتوجيه فى ترجمته التى خطها بقلمه اذ قال : " . . . تفرقت عنى جميع الهموم ولم يبق الا هم واحد ، وهو أن أكون كامل المعرفة . . كامل أدب النفس . . ولم أجد اماما يرشدني الى ما وجهت اليه نفسى سوى ذلك الشيخ الذي أخرجنى فى بضعة ايام من سجن الجهل الى فضاء المعرفة ، ومن قيود التقليد الى اطلاق التوحيد . . . هذا هو الأثر الذى وجدته فى نفسى من صحبة احد أقاربى . . فهو مفتاح سعادتى ان كانت لى سعادة فى هذه الحياة . . . " .

وتأتى سنة 1866 م فيلتحق " بجامع الازهر " ويقضى فيه ثلاث سنين دون ان يجني فائدة كبرى من دروسه ثم يحل الرائد العظيم : جمال الدين الافغانى بمصر لاول مرة سنة 1869 م فيتصل به هذا التلميذ الازهرى ويجد فى علمه وفي أفكاره ما جعله يتشوف الى الحياة الحقة التى ينشدها كل ثائر حر فى الوطن العربي

اتصاله بالافغانى :

أحس جمال الدين الافغاني بحيرة هذا الشاب وبولوعه الى المعرفة الصحيحة فوجهه توجبها صائبا نحو الحياة المثلى وقد امكنه - وبفضل طرائقه البيداغوجية المثالية - أن يدربه على تحرير المقالات وعلى الخطابة حتى يهيئه وبعده للمستقبل

وادرك الشاب الازهرى هذه الطرق الجديدة فى التعليم التى يسعى جمال الدين لغرسها فى الناشئة قصد اعداد الرجال الذين يمكنهم قيادة الشعب والنهوض بالبلاد ، ووجد عنده ايضا نظرة أخرى عميقة الى الحياة لم يرها عند غيره ، وتأثر به أيما تأثر ، فأقبل على الحياة ، وانكب على العلوم وخاصة العصرية منها ، وتطلعت نفسه الى آفاق اخرى لم يجدها فى الازهر . . انها الاجواء التى كان يتمناها كل متحطش للمعارف والعلم . . فاتجه اتجاها جديدا . . انه أقبل على التمرن على الخطابة ليكون خطيبا ثوريا ، كما أقبل على تحرير

المقالات والفصول النقدية ، ليكون محررا بارعا وكاتبا بليغا له تأثيره على الرأي العام ، كما بدأ بقراءة أحدث الكتب المترجمة من مختلف اللغات فوجد فيها لذة أخرى لم يحس بها من قبل ) 1 (

وتمضى الايام وتظهر باكورة مقالاته بجريدة " الاهرام " فى سنتها الاولى فيتطلع الناس الى كاتب مقال " فلسفة التربية " و " فلسفة الصناعة و " الدعوة الى العلوم العصرية " و " العلوم الكلامية " و " القلم " و " المدير الانسانى والمدير العقلي الروحانى " و ٠٠ الخ . .

والملاحظ أن " محمد عبده " قد كان فى جميع هذه المقالات يدعو الى الحيطة من تدخل الاجانب في مشاكل الامة الداخلية ، حاثا على الاعتناء بالشباب ، داعيا الى طرح انظمة التعليم العتيقة ويفرد المرحوم : " رشيد رضا " فقرة فى كتابه : " تاريخ الاستاذ الامام " ج 2 ص 48 للحديث عن هذه المقالات الدسمة الممتعة فيقول : " ٠٠ هذا آخر ما رأينا للاستاذ الامام من المقالات فى السنة الاولى من جريدة الاهرام ، وكان لا يزال مجاورا فى الازهر لم يصر مدرسا رسميا ، وهى تدل على انه أوتى من كمال العقل ، وسداد الرأى فى بدايته ما لا يزال كبار علمائنا وعظماء رجالنا قاصرين عن ادراكه ولو عمل أهل هذه البلاد بارشاده منذ تصدى للاصلاح ونشر آراءه فى الصحف لكانت مصر الآن من أعظم الامم علما ، وحضارة ، واستقلالا ، وقوة ، ولكن استعداد الامة كان ناقصا . . . " .

وتخرج الرائد : محمد عبده من الازهر عام 1877 م باحرازه على شهادة العالمية فتلقفته النظارة العلمية فى هذه الجامعة ليكون مدرسا بها ، ثم تلقفته أيضا كل من مدرسة " دار العلوم " ومدرسة " الالسن " ليكون استاذا للتاريخ بهما .

وتهيأ لتلاميذ مصر أن يستفيدوا من محاضرات ودروس هذا الاستاذ الجديد وخاصة ما كان منها يهم " فلسفة ابن خلدون " الى ان تولى : " الخديوي توفيق " حكم مصر فخشى من هذه الدعوة الجديدة التى يحمل لواءها : " جمال الدين الافغانى " فأصدر أمرا بنفيه من البلاد ، كما أصدر أمرا ثانيا بعزل محمد عبده عن : - دار العلوم - ( 2 ) .

ومرت الايام كالبرق الخاطف ويتم فيها تعيين الامام عبده محررا بجريدة " الوقائع المصرية " ثم رئىسا لتحريرها ، ووجد محمد عبده مجالا فسيحا فى هذه الخطة ، فكانت مقالاته الاخلاقية والاجتماعية والتوجيهية محل اعجاب الجميع ، وتلتهم التهاما من طرف مريديه ومن المثقفين بوجه عام

وتمضى الايام ويتم هذا العبقرى بالمشاركة فى ثورة : " عرابى " ويحكم عملية الانقليز بالسجن ، ثم بالنفي لمدة ثلاث سنوات بسوريا . . ويتقبل لصلح الشجاع هذا الحكم برباطة جأش وبجلد منقطع النظير

ويعيش السجين محمد عبده فى سجنه فى عزلة تامة ، وكل أمانيه أن يرى نور الحرية فى مصر حتى يبدأ الجهاد من جديد فى بلاده أو فى بلاد اخرى من بلاد العالم الاسلامى ، وقد بعث بهذه الامنية من سجنه الى أحد أصدقائه قائلا : " ان الحوادث المريعة سوف تنسى ، وان الشرق سوف يرد . . كل ذلك ان عشت وساعدتني صحة الجسم ، ولا أطلب شيئا فوق هذين سوى معونة الله الذى عرفه بعض الناس وبعضهم له منكرون "

محمد عبده فى باريس :

وأثناء فترة نفه تلقى دعوة من استاذه وصديقه الثائر جمال الدين الافغاني ليلتحق به فى باريس ولبى هذا الطلب . . ويظهر لى انه تأثر بالحضارة الفرنسية وبالتقدم هناك ايما تأثر ومما يدلنا على هذا - انه ما ان مضى شهر على اقامته هناك حتى أصبح كالاروبى فى مظهره وحلاقته وملابسه إنه استطال شعر رأسه ولحبته ، وقارب مظهره مظهر " أهل الفن من الاروبيين ) 1 (

وفي باريس عاصمة الحرية والنور تكاتف جمال الدين الافغانى ومحمد عبده يمل اعادة مجد الاسلام وقوته او يستشهدا فى سبيل ذلك وقد أكد الافغاني هذا الاتفاق فى فقرة من مقال له نشر " بالعروة الوثقى " حيث قال : . . تأخر صدور الجريدة أياما لضرورة مالمسنا من ضعف فى المزاج مع مصادفة رداءة الهواء فى البلاد الفرنسوية هذه الايام والحمد لله على زوال المانع الا اننا مع ذلك لم نقصر فى أداء الواجب من العمل الذى قمنا به فى المدافعة عن حقوق المسلمين فقد خلقنا والشكر لله لهذا العمل وطبعنا عليه

ونرجو من ديان السماوات والأرض أن نموت فى هذا السبيل وان نبعث فى زمرة السالكين فيها . . . ( 1 ) .

ثم فى هذا البلد أيضا أنشأ الافغاني فى عام 1884 م تلك الجمعية السياسية لسرية : " جمعية العروة الوثقى " فانضم اليه الرائد محمد عبده كما انضم اليه غيره من مريدى حركة الاصلاح الدينى والاجتماعى ، وقد كان لابد لمن يريد الانخراط فى سلك العاملين بها أن يقسم يمينا وضعه الثائر محمد عبده نقتطف منه ما يلى :

" . . . أقسم بالله العالم بالكلى والجزئى والجلى والخفى : القائم على كل نفس بما كسبت الآخذ لكل جارحه بما اجترحت ، لاحكمن كتاب الله تعالى فى أعمالى واخلاقى بلا تأويل ولا تضليل . . أقسم بالله مالك روحى ومالى القابض على ناصيتى ، المصرف لاحساسي ووجدانى الناصر لمن نصره الخاذل لمن خذله ، لا بذلن ما فى وسعى لاحياء الاخوة الاسلامية ، ولأنزلنها منزلة الابوة والنبوة الصحيحين ، ولا عرفنها كذلك لكل من ارتبط برابطة العروة الوثقى ، وانتظم فى عقد من عقودها ولأراعينها فى غيرهم من المسلمين الا ان يصدر عن أحد ما يضر بشوكة الاسلام فانى أبذل جهدى فى ابطال عمله المضر بالدين ، وآخذ على نفسى فى أثره مثل ما آخذ عليها فى المدافعة عن شخصى الخ .. (2) .

ولم يكن اسم " العروة الوثقى " مقصورا على الجمعية وحدها فحسب ولكنه أيضا أطلق على " المجلة " التى أنشأتها هذه الجمعية ابتداء من 13 مارس 1884 م وهذه صورة ما كتب فى فاتحة العدد الاول :

اشترك في نشرتنا البريدية