- ابن باديس الاديب :
وفضل عبد الحميد ابن باديس على النهضة الادبية الحديثه فى الجزائر لا ينكر رفع مستوى الكتابة والانشاء فيها واحتضنهما من غثاثة الانحطاط وركاكة التركيب ، وتعقيد الاساليب ، الى المتانة التعبيرية المقترنة بالسهولة والانسجام والصفاء الشفاف . .
ونحن لو تأملنا بعض انتاجه المنشور فى صحافة الجزائر آنذاك لوجدناه يمتاز بجمال الفكر والمادة ، فهو يحسن التحليل والتعليل على طريقة الجدل ويختار اللفظة ويحسن تركيبها فى الجملة تركيبا يتوفر معه التوازن غير المبنى على السجع فى أغلب الاحيان
انه أديب ممتاز أكسب بلغته العربية قوة فأصبحت طيعة تنقاد لكل من يتكلم بها ، وتتكيف مع كل قصد ، وهو كاتب متقن واضح الافكار تتصاعد من عباراته موسيقى خفيفة يرافقها نوع من الترادف اللفظى الذى يحتاج نوعا ما الى شئ من التهذيب والتشذيب فهو اذن يجمع بين منطق (( المدرسة الحميدية )) ويزيد على (( ابن المقفع )) التقطيع الصوتى والترادف الموسيقى
ومن ميزات نثر ابن باديس الذى يتمثل فى مقالاته الكثيرة ، وفي افتتاحياته المنشورة في كل من (( الشهاب )) و (( البصائر )) و (( المنتقد )) ، انه نثر يخطو ووجه الجدلية وبنزعته التأليفية ، وبموسيقى الفاظه خطوة كبيرة نحو الجاحظ ، فأين باريس بهذا المعنى يمثل حلقة الوصل بين المدرسة (( الحميدية )) و (( المدرسة الجاحظية )).
وفي رأى الاستاذ (( عبد الحميد بن باديس )) حينما يقرأ الواحد منا البعض من انتاجه النثرى يستطيع أن يلمس كل هذه الخصائص والميزات ،
كما يمكنه أن يتحسس تأثره بلون من ألوان الكتب القيمة والمصادر النفسية التى انتجها أقطاب الفكر العربى على مر العصور خاصة (( ديوان الحماسة )) لأبى تمام : ( 796-843 م ) و (( الموطأ )) للامام مالك بن أنس ( 708-795 ) و (( الامالى )) لأبى على القالى ( 901-967 م ) و (( المقدمة )) لعبد الرحمان بن خلدون : ( 1332-1406 م ) (( دلائل الاعجاز وأسرار البلاغة )) لعبد القاهر الجرجانى : ( 987-1078 م ) و (( الكامل فى اللغة )) للمبرد : ( 826-898 م ) و (( نهاية الارب )) للنويرى : ( 372 ه - 1332 م ).
أما شعره فهو قليل لكنه أجاد فيه ، وهو شعر سهل بين المعانى ، بعيد عن الغريب المصطنع تنتزع صوره الصادقة نياط القلوب ، والى جانب ذلك فهو لم يقرض الشعر صناعة بل أحله من نفسه محل الصدى من الصوت وان أنت قرأت بعض قصائده تلاحظ نفس الشاعر الثائرة وحساسيته التى ينبض بها كل بيت من أشعاره القوية المؤثرة
والملاحظ أن معظم أشعار ابن باديس تتمثل فى أناشيد وطنية كان لها وقع فى ايقاظ شعور الوطنيين الجزائريين ، اذ حفزتهم الى الكفاح ، وقادتهم الى الثورة ، وألهبت عواطفهم لنصرة الجزائر والقومية فهل نسى العرب اليوم هذه الابيات الخالدة من قصيدة طويلة تبلغ أبياتها 41 بيتا كان القاها فى حفل بهيج اقامته جمعية التربية والتعليم الاسلامية بقسنطينة بمناسبة المولد النبوى عام 1356 ه - 1937 م ، وقد أصبحت فيما بعد نشيدا للجزائر . . هتف بها ثوارها الابطال عند انطلاق زحفهم الصامد المجيد فى فاتح نوفمبر 1954 م :
شعب الجزائر مسلم والى العروبة ينتسب
من قال حاد عن أصله أو قال مات فقد كذب
أو رام ادماجا له رام المحال من الطلب
وهكذا يمكننى من خلال هذا التحليل السريع لأدب ابن باديس أن أقول : ان أدب هذا الرائد الثورى على العموم أدب مستمد من واقع شعبه وهو أيضا جذوة من نفسيته القلقة المضطربة ، انه مجموعة من العواطف الثائرة والافكار المستعره ، برز أحيانا فى مقطوعات موسيقية منسجمة ، وظهر بعضه خاليا من الرموز والاحاجى ، مبرزا ثقافته الواسعة وتشبعه بآراء المصلحين العظام أمثال جمال الدين الافغانى ( 1839-1898 م ) والامام محمد عبده ( 1849 - 1905 ) والأمير شكيب أرسلان : ( 1870-1946) ، ومن خصائصه أنا أدب
ينطبع بطابع حياته ووليد ثقافته العامة ، وثمرة اطلاعه على الاداب العربية و الاروبية ، وخلاصة تفكيره فى قضايا كثيرة . . انه ادب عبر به عن فلسفته وعن عقيدته ، وعن حبه لوطنه ولأرضيته الفكرية
- الصحفى
يعد عبد الحميد بن باديس من بناة الصحافة العربية الحديثة فى الجزائر ، ومن الذين أرسوا أسسها هناك ، فهو أحد أولئك الذين عملوا فيها عملا طويلا يتسم بالصدق والثبات على المبدأ رغم ما كان يتلقاه من مضايقات
أما تاريخ اتصاله بها فهو يعود الى عام 1925 ، اذ فى هذه الفترة شعر بحنين الى ابراز عمله الاصلاحى الذى شرع فيه بداية من سنة 1913 بمدينة قسنطينة فأراد أن يعطى عمله هذا صفة الشمول والانتشار حينما يكسبه القدرة على تحدى حدود الجزائر الشرقية الى كامل الوطن والى كل مكان تحيا فيه الكلمة الطيبة والمبدأ الصادق
وعلى ضوء هذا الاختيار أصدر ابن باديس فى 2 جويلية 1925 أول عدد من جريدته (( المنتقد )) الذى جعل شعارها : (( الحق فوق كل أحد )) كما كتب افتتاحيته بدماء قلبه تحت عنوان : (( مبادئا وغاياتنا وشعارنا )) وقد لخص فيها جملة من المبادىء التزم بها ابن باديس لدى القراء وهذه المبادى هى ثلاثة :
أ ) معالجة الوضع السياسى وانارة الرأى العام الجزائرى بأطوار قضية الوطن الكبرى قصد تهيئة جيل واع بمشاكل امته ومستعد للتضحية والبذل .
ب ( جعل الجريدة منبرا تتخذه الكفاءات الجزائرية لتوضيح ارائها الانتقادية فى أمهات المشاكل التى تتصل بشخصية الامة وبواقعها
ج ) تخصيص أركان قارة فى (( المتقد )) لتنمية الوازع الاخلاقى والدينى بما يكفل ايجاد تيار فكرى أصيل يحفظ شباب البلاد من التمزق والانزلاق .
ونحن لو اردنا أن نتحسس هذه المبادى من قلمه ، فلنقرأ له هذه الفقرة من هذه الافتتاحية التى احتلت صفحات ( من 1 الى 5 ) . . يقول هذا الرائد : (( بسم الله ثم باسم الحق والوطن ندخل عالم الصحافة العظيم شاعرين بعظمة المسؤولية التى تتحملها فيه مستسهلين كل صعب فى سبيل الغاية التى نحن اليها ساعات والمبدأ الذى نحن عليه عاملون ، وها نحن نعرض على العموم
مبادئنا التى عقدنا العزم على السير عليها لا مقصرين ولا متوانين راجين أن ندرك شيئا من العناية التى نرمى اليها بعون الله ، ثم بجدنا وثباتنا واخلاصنا واعانة اخواننا الصادقين فى خدمة الدين والوطن . .)). .
والملاحظ أن هذه الافتتاحية تعد هامة جدا ، لانها أول افتتاحية كتبها هذا الرائد منذ مباشرته للصحافة فى الجزائر
وتمر الايام كالبرق الخاطف وترى السلط الفرنسية هناك أن ابن باديس بدأ يشاغبها من طريق آخر هو الصحافة فقررت أن توقف له (( المنتقد )) فلعله يخاف وتهدأ ثورته أو ينهزم . . لكن من كانت نفسيته كابن باديس الذى تشبع بآراء المصلحين العظام ، ودرس الثورات دراسة عميقة لا يتصور عقل منصف أن يسكت أو يلوذ بالصمت فهو من صنف الثوار الذين خلقوا للجهاد والنضال حتى يثبتوا المبادىء التى آمنوا بها واعتنقوها منذ نعومة الاظفار . لا يتصور رجل عاقل أن ينهزم ابن باديس أمام هذا الاجراء التعسفى الذى اتخذ ضده فقد عاهد ابن باديس منذ عام 1913 بالمدينة أصدقاءه من الجزائر وغيرها على أن يظل المشعل الذى ينير دروب النصر لكى تحيا الجزائر ويعيش شعبها حرا عزيزا مهما كلفه هذا المسعى من جهد وتضحية .
وفى نطاق مخططه الهادف أصدر ابن باديس بعد أشهر قليلة من نفس السنة التى وقع فيها تعطيل (( المنتقد )) وهو عام 1925 - جريدة أسبوعية تحت اسم (( الشهاب )) ثم وبداية من شهر فيفرى 1922 حولها الى مجلة شهرية وقد رسم هذا المفكر فى رأس صفحة العدد الاول منها كدليل على قوة روح الاستمرار فى نفسه هذه العبارة التى أصبحت مثلا يحتذى فيما بعد : (( تستطيع الظروف ان تكيفنا ولا تستطيع باذن الله اتلافنا)) .
وظلت مجلة (( الشهاب )) منذ صدورها الى أن أوقفها ابن باديس بنفسه بعد نشوب الحرب العالمية الثانية منبرا تعاطفت عليه جميع القوى التقدمية فى الجزائر ، كما كانت من حيث المحتوى والعقيدة والاتجاه الاصلاحى تعد ثالث مجلة رائدة فى الوطن العربى والاسلامى بعد (( العروة الوثقى )) للسيد جمال الدين الافغانى ومحمد عبده ، و (( المنار )) للمرحوم رشيد رضا .
وحافظت (( الشهاب )) على هذا المنهج طيلة صدورها : ( 1925-1939 م ) فكانت لسان الجزائريين والمدافعة عن شخصيتهم القومية المتمثلة فى : (( العروبة والاسلام والجزائر )) ومن ينسى وقفة هذه الجريدة الصامدة فى
وجه الاستعمار وحملاتها على قوانين التجنيس ودفاعها عن قضايا الشعب و نضالها ضد سياسة التفرقة والتمزق ؟ مما دعا أحد النواب الفرنسيين فى عام 1937 أن يحمل عليها حملة شعواء مدعيا أن ابن باديس أصبح من خلال ((الشهاب)) الناطق الرسمى الذى تتجسم فيه القومية الجزائرية وهو يقصد من هذا القول حمل السلط فى الجزائر على ايقاف هذه المجلة على غرار ايقافها لصحيفة (( المنتقد )) فى بداية عام 1925 فكتب ابن باديس معلقا على هذه المناورة الجديدة قائلا : (( ان الشهاب معتز بخطته ثابت على مبادئه وهو يتشرف بأن يكون ممثلا للقومية الاسلامية الجزائرية )) .
ثم أضاف قائلا : (( ان هذه القومية الجزائرية التى لن تفنى ولن تزول ليست بالحركة الهدامة ولا هى بالحركة المثيرة المهيجة كلا بل انما هى حركة أمة تريد أن تحفظ نفسها وتصون ذكرى أسلافها ، وتحتفظ بميزاتها وتراثها العتيق ، وتمد يد الصداقة والولاء والانعطاف والارتباط المتين لدولة الجمهورية ان هى مدت لها يد الصداقة والانعطاف ، وعاملتها معاملة الصديق لصديقه أو الاخ لاخيه أو الوالد لابنه لا معاملة السيد لعبده ، أو المخدوم لخادمه . . )) ويضيف الى ذلك قوله : فان كانت لغيرنا كرامة فليعلم ذلك الغير ان لنا نحن ايضا كرامة نغار عليها وان كان لغيرنا شرف لا يريد أن تمتد اليه يد فليعلم ذلك الغير ان لنا نحن ايضا شرفا رفيع العماد لا نسمح بأن يدنسه أحد ( 1) )) .
والملاحظ ان الاستاذ عبد الحميد بن باديس كان يحرر معظم أبواب مجلة (( الشهاب )) وخاصة الرئيسية منها مرة بامضائه الصريح ومرة أخرى بامضاء مستعار ، زيادة عما كان يقدمه لصحف (( جمعية العلماء )) التالية فى الفترة التى كان يتولى رآستها وهى : (( الشريعة )) و (( البصائر )) و (( الصراط )) و (( السنة )) .
وكان ابن باديس على صلات قوية بالكثير من أعلام الاصلاح فى المشرق العربى منهم أمير البيان شكيب أرسلان الذى كان يدير فى الثلاثينات مجلة بالفرنسية تحت اسم : (( مجلة الامة العربية )) التى كان قد أصدرها فى جنيف بسويسرا ، وأيضا بالشيخ : (( رشيد رضا )) صاحب مجلة (( المنار )) والسيد
(( محب الدين الخطيب )) صاحب مجلة الفتح ، وكثيرا ما ينقل من هذه المجلات بعض المقالات والافتتاحيات فينشرها فى (( الشهاب )) خاصة ما يكتبه محب الدين الخطيب ، ورشيد رضا ، وهدفه من ذلك هو توثيق عرى الاخوة بين أبناء الوطن العربى الواحد ، ومحاولة ربط الجزائريين بتيارات الفكر العربى المعاصر بعد أن ظلت موصدة فى وجوههم منذ ابتلائهم بالاستعمار الفرنسى فى سنة 1830 م .
وهكذا كان ابن باديس يطالع معظم الجرائد والمجلات العالمية وخاصة الشرقية منها وكان يناقش كبار الكتاب ويحرر عشرات المقالات فى مختلف الموضوعات لانه كان يؤمن بشرف الفكر وبدور الصحافة فى اكتساح الأبعاد وتنوير العقول والهاب الحماس على نطاق واسع ، لذلك اتجه اليها عن اقتناع وساهم فيها مساهمة فعالة فأذكى بقلمه وبانتاجه الخصب لهيبها المحرق حتى أعطت ثمرتها المرجوة .
أما أسلوبه الصحفى فهو يختلف اختلافا كبيرا عن أسلوبه فى كتابة (( التفسير والحديث )) والموضوعات الادبية الاخرى . . انه أسلوب منمق وقوى يمتاز بقصر جمله وبتركيزها وهو طافح بالسخرية اللاذعة خاصة حينما يكون الموقف يتطلب الدفاع عن مقومات أمته وعن أصالتها وشخصيتها .
- الخطيب الملهم :
ومن ميزات هذا المفكر الرائد قدرته على الخطابة الارتجالية فقد كان خطيبا مصقعا لا يضارعه فيها أحد من أترابه أو أصدقائه فأنت اذا ما استمعت اليه تلاحظ أن الالفاظ والمعانى تتسابق الى أذنيك من غير التواء أو تعثر وقد ساعدته هذه الموهبة على نشر دعوته الاصلاحية السلفية فى أرض الجزائر وعلى شد وحدة أمته وتماسك أفرادها ويشهد له بهذه الموهبة حتى أعداؤه الذين اندهشوا أمام هذه السيول من الخطب الجماهيرية المؤثرة ، فقد تحدثت عنه صحيفة تصدر بتونس هي جريدة (( البتى ماتان )) بتاريخ 19 ماي 1937 بمناسبة خطاب ألقاه ابن باديس بتونس يوم الذكرى العشرين لوفاة استاذه البشير صفر فقالت عنه :(( . . . . انه يمثل حقا الزعيم الخطيب ، فهو قد ملك مقاليد الكلام ، وبصوته النارى يستفز الجماهير فيثير الحروب او ينزل فى القلوب سكينة السلام ، وهو الرجل الذي وصل فى القطر الجزائرى الى درجة التقديس وتسير وراء خطواته تسعة أعشار الأمة )) .
ان ابن باديس ارتفع في ميدان الخطابة الى درجة لا يضاهيه فيها أحد فى بلاده إذا كان جمال الدين الافغانى يقول عن عبد الله النديم : ( 1845-1896 ) الذى كان أول خطيب مصرى وقف فى وجه الحكام وفتح فاه بالكلام فى مكان عام حتى لقب (( بخطيب الشرق )) و (( محى الوطنية فيه )) : (( ما رأيت مثل النديم طوال حياتى فى توقد الذهن ، وصفاء القريحة ، وشدة العارضة ، ووضوح الدليل ووضع الالفاظ وضعا محكما بازاء المعانى ان خطب أو كتب . . )) فانى لا اكون مغاليا ان قلت : ان ابن باديس أحيا فى الجزائر فن الخطابة وأعاد الى الاسماع ذكرى مجد الخطابة فى العصور الاولى للأمة العربية واستطاع أن ينبه الافكار الى موضوعات حيوية وان يناقش المستبدين فتحرك الجزائريون للثورة ونهضوا من أجل نصرة القومية والتراث ومحاربة الاندماج والتجنيس والانحرافات السياسية حتى استجاب القدر لثورتهم وفازوا بأمانيهم فى العزة والحرية والاستقلال
- على الطريق مع الاحرار :
أراد عبد الحميد بن باديس أن يكون رجل اصلاح فى أمته بعد عودته من بلاد المشرق والتقائه بأعلام الفكر فيها أمثال : محمد كرد على والطاهر الجزائرى ومحمد البشير الابراهيمى ، فانكب على ميدان الاصلاح وعالجه بطرق شتى تارة بدروسه الدينية التى كان يلقيها بجامع الاخضر بقسنطينة طيلة اثنتى عشر عاما ( 1913 - 1925 م) وتارة بانتمائه الى الجمعيات وتأسيسها مثل (( جمعية العلماء المسلمين )) التى أسسها عام 1931 وتارة بالقاء الخطب لانهاض الشعب ، وابراز أصالته وشخصيته .
انه اتخذ هذه الطرق والاساليب لتحقيق الهدف الذى يسعى اليه وهو غرس الثقة فى نفوس الجزائريين ، وتوجيههم ضد الاستعمار ، وضد المتألبين على شخصية الجزائر الكارهين لكل اصلاح
وكانت خطته تقوم على شيئين اثنين 1)بعث حركة تجديد دينية وجعلها فى خدمة قضية الجزائر الوطنية 2) العمل على نشر اللغة العربية باعتبارها مقوما من مقومات الامة
ان هدف ابن باديس من هذه الخطة هو ايقاظ الوعى الانسانى : وعى الحرية والكرامة فى نفوس أبناء أمته ، ومن البديهى أنه متى استيقظ الوعى
تبعه السعى والاقدام ، وزال فتور العزائم وتراخى الهمم ، وآنذاك تستعد النفوس الطامحة لخدمة الشعب . . فوعى الحرية يحتاج أولا وبالذات الى أنصار وأعوان وأول أعوانه الثقافة والعلم اذ بهما كما قال عبد الرحمان الكواكبى يدرك الناس : (( أن الحرية أفضل من الحياة نفسها وأكرم ، وان الشرف أعز من المنصب والمال(1) )) .
وقد سئل ذات مرة من طرف أحد تلاميذه : (( بأى شئ تحارب الاستعمار ؟ )) فأجابه : (( أنا أحارب الاستعمار لاننى أعلم وأهذب ومتى انتشر التعليم والتهذيب فى أرض ، أجدبت على الاستعمار وشعر فى النهاية بسوء المصير ( 2 ).
فابن باديس من هذه الوجهة اتجه فى المنهج الذى سار فيه أحرار العالم الاسلامى بوحى من الرائد المصلح جمال الدين الافغانى فكان من دعاة الحرية والاشتراكية وانصار التعريب ، ومن موقظى الروح والوجدان ، وباعثى التجديد والثورات الجماهيرية أمثال : محمد عبده : ( 1849-1905 ) وعبد الرحمان الكواكبى : ( 1848-1902 ) ومحمد عبده ( 1873-1938 ) وعبد العزيز الثعالبى : ( 1875-1944 م ) وقاسم أمين : ( 1865-1908 ) ومحمد البشير الابراهيمى : ( 1889-1965 م ) وعبد العزيز جاويش : ( 1877-1929 م ) والطاهر الحداد : ( 1901-1935 م ) وغيرهم
وفى رأى انه بالمقارنة بينه وبين هؤلاء العظام الذين أوردتهم نستطيع أن نقارنه بشخصية الامام محمد عبده من عدة وجوه :
1 ) أن الاستاذ الامام محمد عبده كان أول صوت ارتفع فى المشرق العربى داعيا الى نشر العدالة والثقافة بين الفقراء ، وابن باديس الذى ابتدأ كفاحه بعد وفاة الامام محمد عبده بثمانى سنوات ( 1913 م ) قد سلك مسلكه فى المغرب العربى .
2 ) كما أن الاستاذ الامام محمد عبده كان يرى أن التربية هى السبيل القويم
للاصلاح السياسى . . وابن باديس نفسه كان يرى هذا الرأى لذلك رأيناه يتجه فى كفاحه ولمدة 28 عاما فى ميدان التربية والتعليم ، فيقارع السلط الفرنسية وخاصة (( شوطان )) وزير داخليتها الذى أصدر قرارا فى 8 مارس 1938 يقضى باعتبار اللغة العربية لغة أجنبية فى الجزائر ومتدادا للقانون الجائر الصادر في 1904/12/24 الذى يحجر تعليم العربية فى مدارس الجزائر
3) وكلاهما كان داعية حضارة وتقدم وخير بين أبناء البشر
4) ونحن عندما نرى الاستاذ الامام محمد عبده يدخل ميدان الصحافة ، ويغرم بقراءاتها ، ويناقش كتابتها ، ويكتب فى جريدة (( الوقائع المصرية ( 1 ) )) ويلهم الثورة العرابية ( 1882 ) وينشر دعوة ( العروة الوثقى )) ( 1884 م ) ويعلم فى الازهر ، ويصدر الفتاوى ويشترك فى جلسات المجالس الدينية والسياسية ويمقت الاستعمار الانقليزى فان عبد الحميد بن باديس أيضا كان له نفس المنهج ونفس الاسهام ، فكان واعيا واسع الافق ، كثير النشاط وله أصدقاء كثيرون ، كما كان يراسل النبهاء من المفكرين ويصدع بالحق ، ويقاوم التبشير المسيحى بشجاعة وصمود ويؤسس الصحف والمجلات ، ويذب عن شخصية الجزائر ، ويدعو الى التمسك بالدين وبالمحافظة عن اللغة العربية باعتبارها مقوما من مقومات الامة . . أو ليس هو القائل فى عام 1939 م :
((. . ان هذا اللسان العربي العزيز الذى خدم الدين ، وخدم العالم ، وخدم الانسان ، هو الذى نتحدث عن محاسنه منذ زمان ، ونعمل لاحيائه منذ سنين فليحقق الله أمانينا ( 1 ) )) ثم مضى فى كفاحه ضد سياسة (( التحريف الثقافى )) و ((التغريب)) فكانت حملة ضارية فى مجلة ((الشهاب)) وجرائد جمعية العلماء المسلمين حتى استجابت فرنسا لنداءاته ، وتراجعت أمام وقفة أبطال (( جمعية العلماء )) وعلى رأسهم رائدنا ابن باديس فأعلنت فى 20 سبتمبر 1947 ترسيم اللغة العربية في التعليم الثانوى وذلك بعد 117 سنة من مطاردتها لهذه اللغة
أجل كان قرار التراجع نتيجة لوقفة ((جمعية العلماء )) التى تأسست بقسنطينة
فى عام 1931 برئاسة هذا المفكر الشجاع بعدما تبين ازدياد المدارس الابتدائية التابعة لها فى عموم البلاد فأصبحت تعد بالعشرات كما أصبح تلاميذها يزيدون على الخمسين ألف طفل
وهكذا كانت أيام هذا المفكر الرائد فهى حافلة بآيات الشجاعة والوطنية الصادقة والتمسك بالعزة ، والحرص على كرامة الانسان . . انه يريد الدين الحى النافذ الاثر والدين عنده هو فلسفة حياة وبدونه لا تنهض الشعوب ، فقوام النهضة عنده أمران أساسيان : ((الدين والعلم )) الدين الحى والعلم الملهم الواعز ولن تكون هناك عودة الى ماضى الجدود فى أيام ازدهارهم الا بهذين الامرين اذ لا بد من أن يسبق الاصلاح السياسى ثورة تربوية وأخلاقية ليتم بها اعداد جيل ثورى قادر على تحمل رسالته والقيام بواجباته فى معركة البناء و (( اثبات الذات))، وفرض الشخصية . . وعلى منهج وطرائق ومثل الاحرار من أعلام الحركة السلفية فى المشرق الاسلامى عاش ابن باديس وعمل ألم يقل فى محاضرته بقسنطينة فى عام 1937 تحت عنوان (( لمن أعيش ؟ )) وأمام من لبوا دعوة (( جمعية التربية والتعليم الاسلامية )) هناك انه يعيش للاسلام والجزائر ؟ )) .
ألم يعش عبد الحميد بن باديس ملتزما بهذا الاثر الذهبى الخالد حتى أثبت وجوده كمفكر واع ورائد من رواد الثورة فى المغرب العربى ؟ .

