طلب الي ، سعادة شاعرنا الكبير الشيخ أحمد بن ابراهيم الغزاوي أن اترجم لقراء المنهل " العلامة الشيخ " ابا بكر بن عمر الداغستاني " رحمه الله .
ولا يسعني الا ان البي هذا الطلب الكريم لتعاود الكتابة عن هذه الاسرة العريقة فى المجد والعلم والادب فأقول :
لقد أورد الشيخ عبدالرحمن الانصارى فى تراجمه للمدنيين انه في عام ١١٦٠ هاجر الى المدينة الشريفة ثلاثة أخوة من داغستان وهم : عبد الله وعبدالرحيم وعبدال السلام ابنا الشيخ محمد أمين بن شمس الدين الداغستاني . . ولعل الهجرة كانت عام ١١٤٠ كما اخبرني
المرحوم العم محمد بن عثمان الداغستاني . ويؤيد ذلك ما ذكره علامة هذه الاسرة الشيخ عبد السلام الداغستاني المتوفى عام ١٢٠٢ في ذيل حاشيته على صحيح البخارى من أنه الف هذه الحاشية فى المدينة المنورة وختمها فى الروضة النبوية الطاهرة عام ١١٦٠ وهذا هو الاقرب الى الصحة في تاريخ هذه الهجرة ثم قال الانصارى ان عبدالرحيم عاد الى بلاده فأسره الروس واستشهد هناك .
وأخبرني الشيخ محمد ان عبدالله عاد الى بلاده واستشهد فى حروب الداغستان مع الروس وترك أولادا بالمدينة انقرضوا من بعده وان جميع من في المدينة المنورة من ذرية الاخ الثالث وهو الشيخ عبد السلام . ولقد عاش الشيخ عبد السلام بالمدينة المنورة وبها درس العلم على كبار علمائها وكان استاذه المفضل علامة المدينة ومحدثها الحافظ الشيخ محمد حياة السندى .
وللشيخ عبد السلام رحلات متعددة الى
مصر وتركيا فائر ، مع هذه الرحلات وتمول مصر وتركيا فأثرى من هذه الرحلات وتمول واقتني الدور والبساتين وأصبح علما من اعلام المدينة المنورة وعلمائها الذين يشار اليهم بالبنان وأصبح من مدرسي المسجد النبوى الشريف يدرس الفقه والحديث وخلف مؤلفات فى علوم شتى . وكل مؤلفاته موجودة مكتوبة بخطه النسخى أو بخطه الفارسي الدقيق الجميل وأهم مؤلف له حاشيته على صحيح البخارى فى أربعة مجلدات ضخام لا يقل المجلد منها عن ٢٢٠ صفحة وكل صفحة تحتوى على ٣٥ سطرا ، وهي حاشية لطيفة مفيدة قيمة تدل على الزكانة والوعى فى استقصاء المعانى وترتيب الادلة وتفسير بل ٥ والتوجيهات الفقهية المفيدة البيتطة الالفاظ والتوجيهات الفقهية المفيدة المستنبطة من صميم الاحاديث النبوية الشريفة . كل ذلك مع تخريج تلك الاحاديث وترجمة رجال اسنادها .
ويقول : انه راجع جميع ما كتب ، على كبار علماء عصره ، ومن أبرزهم استاذه الشيخ محمد حياة السندى . وفي آخر الكتاب اجازة له من السندى بجميع مروياته . . والحق انها حاشية قيمة تعد درة نادرة بين حواشي البخارى الشريف
ومن مؤلفات الشيخ عبد السلام حاشية بديعة على شرح الشمائل النبوية للترمذى ، وحاشية اخرى على شرح القدورى في الفقه الحنفي ، وحاشية على شرعة الاسلام ، وأخرى على الطريقة المحمدية . وله ايضا حاشية على نخبة الفكر في مصطلح الحديث لابن حجر المكى . وله : " الوثيقة في رجال الطريقة " و " الجزء اللطيف من انساب العرب " و " خلاصة الجواهر في طبقات الأئمة الحنفية الأكابر " . وكل هذه المؤلفات القيمة رأيتها في مكتبة آل الدغستاني عام ١٣٧٩ ه في دار المرحوم العم محمد عثمان وكان رحمه الله تعالى يتمنى لو طبع
من هذه المؤلفات شئ ، ولعل امنيته تتحقق على يد احد أبنائه لاسيما الاخ عبد العزيز . ويظهر لي ان امكاناته لا تعجز عن تحقيق ذلك وان قيامه بمثل هذا العمل لعد مفخرة له ولآبائه الأماجد . وان هذه المؤلفات التى ذكرتها لا تشمل ما فقد وضاع وسرق في الحروب والحركات التى وقعت في المدينة المنورة ، ومن ذلك حاشية على ملتقى الأبحر شرح مجمع الأنهر في الفقه الحنفي ، وحاشية على شرح " الشفاء " الشريف وتعليق على " منية المصلى " و " شرح لدلائل الخيرات " وللمترجم مجموعة من رسائل شتى في علوم متنوعة . كل هذه الآثار القيمة مع ما كان نارجل من وجاهة وثروة ومكانة في نفوس رجال الدولة العثمانية فى الاستانة وفي المدينة المنورة . وان من مخلفاته الموجودة الآن داره الكبيرة التى عمرها بمقعد بني حسين بسوق الحدرة والتي حبسها على أبنائه يستغلونها الى الآن .
ولقد كانت حلقات درسه تعقد في الروضة النبوية الطاهرة فضلا عن حصص من الدروس كان يؤديها ويلقيها على طلاب مدرسة " قره باش ( بمحلة ذروان .
ويوجد على هامش تاريخ المدينة بخط السيد محمد جمل الليل تعريفه بمؤلفات هذا الرجل وآثاره . ولقد ترجمه الانصارى وأشاد بعلمه وترجمه المرادى الدمشقى وغيرهما ووصفوه بالعلم والصلاح : وكانت وفاته عام ١٢٠٢ ، ودفن في البقيع الشريف ، وخلف أبناء أجلاء لهم قدم راسخة في الوجاهة والعلم والأدب .
ومن أبنائه الأديب الشاعر المؤرخ ( الشيخ عمر بن عبد السلام الداغستاني المدني ) وهو من مواليد المدينة المنورة . . وكان موجودا في اواخر القرن الثاني عشر وأوائل القرن الثالث عشر الهجرى ، وهو
صاحب كتاب : " تحفة الدهر في اعيان أهل المدينة من أهل العصر " ، وهو كتاب جليل ، ترجم فيه أهل جيله من الأشراف والعلماء والقضاة والكتاب والشعراء والأعيان وأورد فيه بعض آثارهم النثرية والشعرية وكانت توجد من هذا الكتاب نسخة تامة في مكتبة شيخ الاسلام ولكنها مفقودة الآن وتوجد منه نسخ في مكتبة آل هاشم ومكتبة السيد ولى الدين أسعد ، ومكتبة السيد عبيد مدني ، وتوجد في مكتبة آل الداغستاني نسخة مخرمة . وأخبرني المرحوم العم محمد الداغستاني أنه عثر عليها في سوق الدلالين بين مجموعة من " دشت الكتب وابتاعها بثمن زهيد . وقد نقلت منها بعض تراجم وأشعارا . وهذا الكتاب قظه كثير من الأدباء . ومن تقريظ السيد زين العابدين ابن السيد محمد الهادى البرزنجي له ( ١١٨٤-١٢٦٨ ه ) قوله :
يا طيب نفحة زهر فاح عاطرها
فاحت كريحانة تشذو بعبهرها
وما السلافة ان قابلت بينهما
الا كخادم أعتاب لمظهرها
لله تحفة دهر قد حوت درا
جمع السراج أخي الآداب باهرها
وللمترجم كثير من الشعر نقل جم كثير من الشعر نقلت بعضه من التحفة وبعضه من كتاب " حلية البشر في تراجم أهل القرن الثالث عشر " للشيخ البيطار في الجزء الثاني ص ( ١١٥)، قال عنه : " أديب لأشتات الفضائل جامع : وأريب اشراق بدره في سماء المعارف لامع شمائله تزري بانفاس الشمول والشمال ومكارمه قد تحلت بانواع الحسن والافتنان والجمال . لا تسامه لطيف مؤانسته . ولا تمل احبابه ظريف مجالسته ، مع فصاحة وبلاغة ولسن ، وتجمل بكل خلق جميل حسن . قد ارتقى من معالي
المكارم ذراها ، وتمسك من اعالي العزائم باوثق عراها . داب في كسب المآثر فتى وكهلا . وسلك مسالكها حزنا وسهلا . حتى قيد منها كل شاردة . وشيد مبانيها فكانت لطلابها ابهى عائدة . ولله در نثره الرائق . ونظمه البديع الفائق . فمن نطائفه الغالية ، وطرائفه السامية ، قوله : مخاطبا الأديب الكامل السيد عمر حيدر المدني بهذه المسمطة :
يوم عيد الوصل اذ اوفي لنا الحب الوعود
وتبدى بالحميا من محياه يجود
حل فى منزل انس مسعدا سعد السعود
وتثنت في رياض الصفو اغصان القدود
وغدت ضاحكة بالانس ازهار الخدود
دور
بالتلاقي والوفا قد احسن الدهر المسى
يا حبيبي أمل من دن التهاني اكوس
لا توخر مطلبي عجل بها كي نحتسي
نمزج الأفراح بالأرواح ثم الأنفس
ما علينا من عذول هان او واش حسود
دور
هاتها صفراء مثل التبر في كاس اللجين
ليس يحلو مزجها الا بريق الشفتين
من لمى ذاك الرشا النفار ساجي المقلتين
كم له قد قلت اوف الوعد ان الوعد دين
وهو نفار عن الوصل كما الظبي الشرود
دور
يا لها ساعة اقبال بها جاد الزمان
وبلغنا القصد والممول من حور الجنان
فاختلع فيها عذاب واغتنم وقت التهاني
لا توخر ساعة الأنس إذا وافت لأن
انما الدهر هبات قل فاحرص ان تعود
والمسمطة طويلة ، مدح فيها السيد عمر حيدر واجاد ، ولكن لضيق المقام اقتصرت على ما تقدمت به آنفا . ولقد اجابه السيد
عمر حيدر بصنوها وشرواها ، في البداعة والرقة في بحرها ومعناها ( ٢ )
وللشخ عمر الداغستاني موشحات خفيفة الظل طويلة النفس . تجتذب الأسماع لالتقاط درر معانيها واني اختصر منها نماذج للقراء الكرام :
قل لأحباب لنا رقدوا
والهوى أودى به السهد
زاد منه الوجد والكمد
شذ عنه الشادن الشرد
ساعة المضنى
في هوى لبنى
وافهموا المعنى
ولى اسعدوا
دور
كم تكونوا فى الكرا يا نيام
وتروموا وصل بدر التمام
أنا والنجم وورق الحمام
حالنا فى الليل مطرد
لا نعي لوما
في هوى - الألمى
لا نرى نوما
ولا نجد
وهذه الموشحة مكونة من أدوار عشرة وله ايضاموشحة ) ٣ ( على طريقة موشحة ابن زيدون والشيخ عمر الداغستاني رجل رحالة ولا يكاد يستقر به المقام في المدينة المنورة ، ورحلاته الى مصر والهند وتركيا . وفي الاستانة . . أظهر كتابه : " التحفة " وقدمه لأحد الوزراء العثمانيين عام ١٢٠١ باسم ( الالئ الثمينة في أعيان شعراء المدينة )
أى بعد ظهور التحفة في المدينة المنورة بعامين . ومن دار الخلافة أرسل لوالده القصيدة الآتية يتشوق فيها الى موطنه اذكر بعض أبي أبياتها :
ساكنى وادى الأجارع جودوا
بلقائكم فتصب مفقود
جودوا على ، مع الصبا برسالة
تطفي فؤادا في جواه وقود
فعساه أن يطفى لهيب أضالع
نحلت فشابهها انتحالا عود
لأشم فيها نفحة عطرية
بنسيم أزهار الحجاز تجود
وله قصيدة اخرى أرسلها ايضا الى والده من صعيد مصر وهذه أبيات منها :
سهرت على الأحباب شوقا لياليا
فهل بهم من شدة الوجد ما بيا ؟
وهل عندهم مثلى غرام ولوعة
ووجد بحر القلب قد صار طافيا ؟
سقي الله جيران العقيق ولعلع
ملت سحاب هامع القطر هاميا
وحيا مغاني الأنس أوفى تحية
تدوم لهم ما دام شوقى وانيا
اذا هب من أرض الحجاز نسيمه
يظل كنيران الغضى لى صاليا
لعل الذى قد دبر الكون أمره
يقصر أيام النوى واللياليا
هذا ما توافر لى الآن من الكتابة عن تراجم بعض آل الداغستاني الأفاضل وسأعود الى الكتابة عن بقية الأسرة في العدد القادم ان شاء الله . وممن ساكتب عنهم : الشيخان أبو بكر الداغستاني الاول والثاني ان شاء الله ومنه التوفيق
( المدينة المنورة )
(٢) "المنهل " : بالنظر لروعة هذه المسمطة وجمالنا وخفة ظلها ناامل من فضيلة الاستاذ العلامة كاتب هذا البحث ان يتحف بها قراء المنهل هي وصنوتها مسمطة السيد عمر حيدر ولما في ذلك من جلاء واحياء لصفحة من صفحات التاريخ الادبي لهذه البلاد .
( ٣ ) " المنهل " : وهذه الموشحة ايضا نرجو ان يتحف بها الاستاذ محمد سعيد دفتردار قراء المنهل .

