الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

من اعماق بيت

Share

نور الصباح يتلاعب فى ارجاء الغرفة . . نور بكر . . شقيق العذارى . يعبث بعينى الناعستين . . النصف نائمتين .

بعينى اللتين حارتا بين الاندساس تحت أستار النوم والخروج الى معانقة اليقظة . .

يالى من مداهن . . . يالي من مملق . أأخجل من أن أقول الحقيقة . . . . أأخجل من أن أقول بان . . . " الخمول " اصبح يعيش فى غرفتى . . أصبح تحت سريري . . كالفأر الأحمق . . يصعد رأسه العظمى الحقير ليحلق فى عينى . . . ليوحى اليهما ابحائاته ويدس لهما دسائسه . . . المخدرة . . . ولكنى ٠٠٠

هذه المرة . . قفزت من فوق سريرى . . ومن فوق الخمول . . ووقفت أضحك . . مقهقها . . ساخرا بالفأر المختبئ تحت سريرى . . المطرق المنكس الرأس بعد الهزيمة التى منى بها ٠٠

وكانت مني التفاتة نحو المرآة المقابلة لسريرى . . شعري أشعث كأنه خارج من ميدان معركة دامية . . . مجنونة . . خرج منها داميا مجنونا . . .

اما ملامحى فعليها طبقة من الشحوب . . وشحوب ما بعد النوم . فكرة الوقوف وراء النافذة الكبيرة تسللت الى خاطرى . . .

ولكن . . يدا . . دفعت الباب . . وصوتا صعق فى أذنى . - أما زلت هنا . . التاسعة صباحا تؤذن بالدخول .

- وأنا آذن لحضرتك بالخروج

- سامحك الله . . عابث من الطراز الرفيع . . الذى لا يتكسر كما يتكسر البلور . . هل تريد أن تقضى يومك كله هنا . . هيا . . إني أريد تنظيفها . وترتيبها ٠٠

- تنظيفها . . وترتيبها . . وهل نظفت بيتك ورتبتها قبل كل شئ . - أوه . . إنى . . لم أعد أطيق ولو حرفا واحدا من كلامك . . بل هذيانك . . وانفلتت ضحكة . . من بين أسنانى ولسانى ...

- ممن تسخر ؟ ؟ ؟ . - أسخر ؟ لا . . ليس منك . . بل ليست من نوع السخريات . . إنما ضحكة . . ضحكة . . سمها ضحكة إعجاب . - وأى شىء أعجبك ؟ ؟ .

- لقد . . لقد مر أمامى في الطريق قبل قليل . . نعم . . نعم . . قبل قليل فقط رجل . . فوق ظهره مجموعة . . من ٠٠ من الأرانب . . أرانب سوداء . اكلها الشيب . . ليس فوق رأسها فقط بل حتى فوق ظهرها . . نعم . ظهرها وصدرها . . مسكينة . . أنت أيتها الارانب كم تقاسين من حرقة هذا الشيب اللعين . . إنها مصيبة . .

بقيت . . تحملق فى بعين . . بعين . . بألف عين ... بمختلف ألوان النظرات وأشكالها . . وصفاتها . وانطلقت تعدو فى الردهة . . بحذائها الصغير .... ما بها ؟ ؟

ألم تقل أنها ستنظف الغرفة وترتبها ؟ ؟ أين تنظيفها ؟ وأين ترتيبها ؟ لا بد أنها قد تركت مسؤولية التنظيف لى . . كعقاب على سخريتى منها ....

مددت يدى على حافة النافذة أحملق . ....

نقرات حذائها تسمع عن بعيد . . إنها . . إنها . . إنها عادت . . تمزق سكون غرفتى .......

ولكنها ليست بمفردها . . اقبلت ومعها . . زوجها . . التفتت اليه . . وإلى ألف التفاتة . . فى عينيهما . . إحساس غريب ....فى عينيهما ريبة . . قاسية . . مميتة . .

ترى . . ماذا قالت له وعن أية أسطورة ملفقة أتيا يتناقشان معى .

يا لهما من زوجين طفلين . . يبدو أنهما قد ملا لغة الناس . . ملا الكلمات لسبب ما . . والتجآ الى لغة عصرية . . ميدانها . . العيون المتهيجية . وأهدابها التى لا تقف على الحركة . .

تماديا فى كلامهم الخفى المبهم . . فزادنى . . نفسى إبهاما . ولكنهما أطلقا لرجليهما العنان . . فانطلقا يتمتمان . . تمتمة لم تتعد فههما . . وأعقبا ذلك . . بضحكة . . فيها مزيج من السخرية . . والمرح الطفلى . .

ماذا دهاهما ؟ . . وأول جواب أنجدنى به فكرى . . انهما قد ولجا عالما آخر .... عالم البله ... ولكن مالى ومالهما . . والتقت نظراتى اللاهية بمجلة ملقاة . . تحت السرير بعثرت أوراقها . . ساكنة . . خامدة . . اندسست ارفعها . . أنفض عنها ما علق بها من غبار النسيان . جلست اتصفحها . . . الزوجان الأبلهان يطلان على من وراء باب الحجرة المقابلة لحجرتى... ثم يختفيان . . بسرعة الفأر عندما ترعب قلبه قطة . . عدت بنظراتي الشاردة الى المجلة . . المنسية . عادا الى اختلاس النظرات . . من وراء . . الباب . . بعين خضراء . . وعين سوداء . .

كفاكما عبثا واتركانى أطالع مجلتى . . هربا ٠٠ بطنين . . ضحك ممزق . . وغمغمة . . وصوت ناعم . وطدت عزمى على مغادرة الغرفة والبيت . . إلى الأبد . . إن هما عادا الى سلسلة ألعابهما التى لا أرى لها مبررا . .

انغمست بفكرى . . فى موضوع تصدرت به المجلة . . قرأت . . أو بالأحرى التهمت صفحة دون أن أفهم كلمة . . بل فهمت كل الكلمات ولكن دون أن تبقى فى ذهنى أية فكرة . . أساسية أو فرعية . . كل الفكر . التى استعرضتها . . مرت واختبأت بضمير اللاشئ .

أبت زواج فكرى . . ابت الخنوع لمادتى الشخماء . . طارت . عين سوداء تطل من خلف الباب . . أين هربت صديقتها الخضراء . .

أم أنها قد ملت العبث . . - أقبلى . . أقبلي . . - ماذا ؟ ؟ . . ما بك ؟ ؟

- أنت ؟ ؟ . كنت . . كنت أحسب أن . . أليست زوجتك سوداء العينين ملا الغرفة ضحكا كالرعد القاصف . . الشئ الذي دعا الزوجة الى المسارعة بالدخول علينا . . - ما به يا أمجد ؟ ؟ . . هل . . تحق ٠٠

- نعم . . نعم . . نعم إن كل ما قلته صحيح كيف عرفت ؟ ؟ . . - لقد قال لى أن عينيك سوداوين . . نعم . . نعم . . هو الذى قضى معنا . . أربع سنوات . . وأكملت هى الفصل الثانى من مسرحية . . " الضحك " . . - اسرعي يا سامية . . اسرعى . . إلى ٠٠ - نعم . . نعم . . أعرف . . - لا تبطئي . . وإلا . . أن . . ماذا أسمع . . وماذا أرى . . إلى أين ذاهبة . . طائرة بلا أجنحة . - ماذا أصاب زوجتك ؟ - لا تجزع . . من أعمالها . . الغريبة . . إنها ..... مجرد . . نوبة عصبية . . من نوباتها التى أصبحت ضرورة من ضرورات . . حياتها . . - وماذا دعاها الى هذا ؟ ؟ ؟ - لا أدرى . . قد يكون . . حبها لبعث الجزع فى نفسينا . . هذه الذكية الفطنة اللعوب .....

جلس بجانبى . . طوقت عيناه المجلة تلتقطان " الحب " من الأسطر بلا . . " نظام " . لا للفهم . .بل .... "للاشئ " . - ألا تعرف أين ذهبت صاحبة النوبات العصبية ؟ - يا للعجب ! . من هو أعلم بأحوال زوجتك ؟ أنا أم أنت ؟ ؟ . كم كانت دهشتى شديدة حين رأيتها داخلة . . يداها فى خصرها . . لم تدهشنى هى . . إذ ليس فيها أى شئ غريب . . أو جديد . لم يكن بين أصابعها . . سكين أو خنجر . . أو مسدس . وانما كان وراءها ما هو ادهى من السكين والخنجر والمسدس .... ثلاثة من أعوان مستشفى المجانين.... تشير بأصبعها النحيل الرقيق العذب . . إلى...

لم أدر عدد الايام التى قضيتها هناك . وكم قاسيت من الاشباح الآدمية المصطخبة أمام عينى . . بل كم تمزقت أمام عينى الطبيب . . كم قطعت ما قطعت . . وتمرغت أشلاء ودماء . . تحت رجليه . . لكي أثبت له أني لست مجنونا . . بل فى تمام صحتى . . العقلية . . ولكن . .

دون جدوى . . ذهبت دمائى وأشلائى . . بدون " سعر " . . كأنها لا تعنى شيئا . .

اشترك في نشرتنا البريدية