ان الحديث عن الشباب فى سنته العالمية التى هى تحت شعار : « المشاركة التنمية ، السلم » تستلزم منا أن نبحث فى العناصر المرتبطة بشخصية كل شاب وهى العنصر البدنى والعامل النفسى والعوامل الاجتماعية والثقافية .
وبالرغم من أن لكل شاب شخصيته التى تميزه عن غيره حيث يقول الفيلسوف - فيللو - : «الشخصية هى التشكيلة الفريدة المتميزة التى يتخذها الفرد من مجموع العوامل المسؤولة عن سلوكه» فان هناك العديد من العناصر التى تجمع بين الشباب بحكم الاشتراك فى هذه المرحلة من العمر ضمن اطار حضارى له سماته التى تميزه عن غيره .
العنصر البدنى :
ففى العنصر البدنى نجد للشباب قوة الاندفاع والميل الى اظهار القدرة البدنية ، ومن هنا جاء ميله الى القيام بأخطر المهام وركوب متن المغامرة دون وجل أو خشية ، فكان لتوجيه التربية البدنية قيمة هامة فى استغلال تلك الشحنات من القوة والقدرة لصقلها وتهذيبها وصرفها فى ما ينفع الفرد والمجتمع .
العامل النفسى :
أما من الناحية النفسية فان البحوث قد أثبتت العديد من مميزات هذه المرحلة العمرية من حياة الفرد ، فمرحلة الشباب تتميز بميلاد الميل الشديد
الى استقلال الشخصية حيث يتخلص الشاب من فكرة التبعية السلوكية وخاصة الابوين . وهذه الشخصية المستقلة تولد امامه ضرورات جديدة لم لكن يفكر فيها من قبل وهى الاعتماد على النفس والتفكير فى المستقبل واثبات الذات وتحدى العراقيل التى تعترضه والتشبث بقيم اخلاقية معينة ومحاولة فهم غوامض الامور والتعمق فى أسباب الظواهر الطبيعية والاجتماعية والاهتمام بالنتائح والافرازات التى تفرزها المذاهب العقائدية ، ومن هنا جاء الاهتمام بهذه المرحلة من العمر والسعى الى تأطير الشباب ضمن اطار سليم ينمي فيه الميل الى التفكير المنطقى ويعمق فيه الروح العلمية والتفكير الرياضى حتى ينتهج فى حياته منهجا تجريبيا عقليا يمكنه من ان يكون موضوعيا فى مسيرته الحياتية .
العوامل الاجتماعية والثقافية :
لاحظنا فى العنصرين السابقين مدى ترابط العوامل الجسمية والنفسية عند الشباب مع التركيبة الاجتماعية التى يعيش فيها . فلكل مجتمع ثقافته التى تميزه عن غيره . والانسان مدنى بالطبع كما ذهب الى ذلك ابن خلدون وهو بالتالى لا يستطيع العيش خاج اطاره الاجتماعى والثقافى . ولا يستطيع أن يتخلى كليا عن القواعد المعينة للسلوك المتفق عليها . وما الثقافة حسب رأى - رالف لنتون - : «الا مجموعة منظمة من أنماط السلوك ، وهذه النماذج والانماط هى عادات اجتماعية لها طابع الزامى» .
والطابع الالزامى هذا له وقعه الخاص على الشاب الذى يمر بمرحلة المراهقة التى تجعله جسميا ونفسيا يميل الى التعبير عن الذات بكل تلقائية متحديا بعض المعايير الاجتماعية التى اقرها المجتمع ، وبذلك تنشأ له صعوبات مردها الصراع القائم بين فكرة التأصيل التام والتجذر الكلى وبين التفتح على التيارات المعاصرة التى قد لا تتماشى بعض مقوماتها مع ما للمجتمع من مثل وقيم اخلاقية أصيلة .
الترابط بين الخصال وتكييف السلوك :
ان الربط بين خصائص شخصية الشباب ودوره فى الحياة له أهمية فقصوى فى اعداده للاضطلاع بدوره الفعال فى حماية الذات والوطن والانسانية
وقد أدرك الزعماء والفلاسفة والمصلحون الاهمية القصوى لهذا الترابط بين خصال الشباب وتكييف سلوكه ، فركزوا عليه تفكيرهم وانتهجوا فيه مناهج قد اختلفت فى المسلك ولكنها تقاربت فى الاهداف ، ومن ذلك ما ذهب اليه المجاهد الاكبر فخامة الرئيس الحبيب بورقيبة حيث يقول : «الشباب فى نظرنا عقلية وطاقة ورهان مستقبلى» .
فهذا التعريف يأخذ فى الاعتبار الخصائص الجسمية والنفسية التى يتميز بها الشباب الا انه يسمو بها الى أعلى درجات الاعتبار الانسانى ، فالعقلية المتحررة هى التى توظف الطاقات التى يمتلكها الشباب الى الخلق والابداع والعطاء من أجل تحقيق خير المجتمع بعيدا عن النظرة الضيقة النفعية وهذا لا يتم الا بتكوين العقلية العامة للجموعة البشرية المتعايشة عن طريق البرامج التربوية والثقافية الواعية التى تفسح المجال أمام التفكير الحر الموضوعى الذى ينطلق من أصالة الشعب وجذوره التاريخية والحضارية .
واذا كان الشباب عقلية فهو طاقة خلافة لا تعرف التهيب والتحرز كلما اتضحت أمامها المسالك وآمنت بما هى قادمة عليه من تغيير واصلاح واجتثاث لعناصر التزمت والتخلف والتعصب حتى تغرس مكانها التفتح المتزن والتقدم الواعى والتأقلم مع مقتضيات المثل الانسانية الراقية ، ومن هنا جاءت قدرة الشباب على الاضطلاع بأعباء أهم الثورات التى غيرت مجرى التاريخ فى العالم وجعلت الانسان يتبوأ منازل رفيعة فى مدارج التحضر والتمدن .
ثم ان الشباب رهان مستقبلى لان خصاله ونفسيته وطاقاته تجعل منه رصيد الشعوب لمواجهة حاجات الاستمرار والتجديد وتحقيق الاهداف المستقبلية .
وهذا لا يتم الا بافساح المجال أمامه للتدرب على تحمل المسؤولية لان الخصال تتطلب الصقل والتهذيب والتدريب حتى تكون لها جدوى وحتى تحافظ على جوهر الحضارة ورصيدها الذى ساهمت فى تكوينه الاجيال المتعاقبة عبر العصور المتتالية .
المدلول الوطنى لشعار السنة الدولية للشباب
ان الشعارات التى لها مدلول انسانى شامل لابد أن تقع مسايرتها لكل الانظمة فى العالم بعيدا عن الهيمنة والتبعية .
فالمشاركة بالنسبة لتونس لها بعدان يتمثل الاول فى ادراك أهمية الدور الذى يمكن أن يقوم به كل شاب ، والثانى فى نوعية المشاركة التى يجب أن تكون منطلقة من الارضية التى ضحى الشعب من أجل توفيرها .
فالشباب مدعو الى المشاركة التى تضمن ديمومة الذاتية القومية عزيزة الجانب حاملة لمقومات صلاحية العيش ضمن التيارات العالمية المختلفة .
فالبورقيبية من الأنظمة التى لها قوة الدفع الدائم نحو ارتياد مجالات جديدة تتكيف مع الضرورات الحتمية للعصر فهى تفسح المجال أمام الفرد ليدرك وضعيته وبالتالى تمكن الشباب من ادراك مدى مساهمته فى اثراء الواقع لانها تدعوه لاعمال العقل والسير حسب المناهج العلمية المضبوطة .
فالمسيرة التحريرية التونسية اقامت الدليل على ان الطاقات الشبابية لها قيمتها فى تغيير واقع لم يكن يتضمن مقومات الشخصية الوطنية المتماشية مع المبادىء العربية الاسلامية . وكان ذلك العمل متسما بخصائص تونسية نابعة من الواقع والشخصية القومية .
ثم ان مشاركة الشباب التونسى هى مشاركة الروح العلمية المتوثبة الى المستقبل ، الحاملة لعناصر الكشف والاختراع والريادة بعيدا عن الخنوع والتعصب ولا يتم ذلك الا بالتخصص الدقيق فى مختلف المجالات العلمية حتى يكون الفكر التونسى خلاقا ميدانيا مبتكرا لأروع مظاهر الاكتشاف والاختراع عندما تتوفر الظروف وتتيسر الامكانات الضرورية .
انها المشاركة الرائدة فى الرفع من مستوى الانسان عن طريق تطبيق المناهج العلمية وعقلنة السلوك والتفكير لضمان الوحدة القومية حاليا ومستقبلا لانها الاطار الاجدر بتحقيق ما وطنا العزم على اخراجه من ميدان الامكان الى ميدان الفعل .
ولعل المشاركة ترتبط مباشرة بالتنمية ، والتنمية ليست فقط ما يتبارد الى الذهن من نمو للانتاج القومى ، وانما هى أبعد مدى وأشمل مجالا فهى تنمية القدرات العلمية وهى الرفع من مدارك الانسان وهى السمو به من الانا الضيق الى أرحب مجالات الاشعاع وهى بالتالى تخليص الانسان من عوامل التثبيط والاحباط الى منزلة الخلق والانتاج بكل جدارة وفاعلية .
فالانسان هو الغاية وهو الوسيلة فى المنهج البورقيبى وهذا ما جعله أهم عنصر من عناصر التنمية فى المسيرة الحضارية فهو عنصر حى قادر على التأقلم مع الظروف ومجابهة التحديات وتحقيق ما كان يعتبر من قبيل المعجزات فقد أعلى السدود وبعث المصانع وطور الانتاج الفلاحى وركز مؤسسات اجتماعية وثقافية كان لها قيمتها فى توفير الظروف لضمان قدرة الشباب التونسى على مواصلة رسالة المساهمة فى تطوير المسار التنموى العام .
ولم يكن لهذه الامور أن تحققها هذه الطاقات البشرية الهائلة التى هى ذخيرة هذه الامة لولا تحقيق مبدأ الوحدة القومية التى نراها مظهرا من مظاهر السلم .
فالسلام لا يمكن أن يتحقق عالميا إذا لم تروض النفوس على نبذ الحقد والضغينة والاستعلاء والميز العنصرى والانتماء الطبقى .
فتحقيق السلام رهين بما ينتج عن التربية الوطنية من تهذيب للنفس البشرية وجعلها ترى فى السلام وجودها وفى التضامن كيانها وفى التعاون الحر النزيه مستقبلها .
ان السلام هو فى التوفيق بين المصالح الشخصية ومصالح المجموعة الانسانية ، هو فى قهر نوازع الهيمنة والتسلط واقرار ميول المحبة والتعاون محلها .
والسلام هو جدلية تتطلب طرفين متفاعلين متلازمين هما احترام القوي للضعيف وتعاونه معه على قدم المساواة من أجل خير الانسانية .
وهكذا فان جعل هذه السنة تحت شعار السنة الدولية للشباب له مضامينه ومدلولاته العميقة الغور الفسيحة الآفاق . فيه توظيف لنوازع الشباب الخيرة من أجل تحقيق مجتمع انسانى أفضل .
وتونس بنظامها المقام على المبادىء الانسانية النبيلة من حرية وديمقراطية ونظام لها القدرة الكافية للمساهمة بطاقات شبابها الواعى المثقف المتحضر فى اقرار نظام دولى يأخذ بعين الاعتبار مصالح التركيبة الدولية بعيدا عن الهيمنة والسيطرة واخذا بأسباب التضامن والتعاون والسلام .

