الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "المنهل"

من الادب الرمزى

Share

قبل أشهر أهدانى صاحب مجلة الأديب الغراء الاستاذ ألبير اديب مجموعته الشعرية الطريقة " لمن ؟ " وهذه المجموعة لا اتردد فى القول انها اقوى دفاع عن هذا المذهب المعروف من مذاهب الأدب الحديث وأعنى به " المذهب الرمزي " !

ولا انكر انى كنت - وربما لا ازال - من اولئك الكثيرين فى العالم العربى ممن لا يرون فى الرمزية فى الادب على النحو الشائع اليوم - وبالاخص فى لبنان - أى معنى حقيق بالالتفات ؛ او أي مزية جديرة بالعناية . . لأنى ممن يذهبون الى ان الأدب فى صميمه ولبابه ؛ ما هو إلا تعبير . . وتعبير واضح جميل ! فاذا انتفى الوضوح واذا انتفى الجمال من أي قطعة أدبية كان معنى هذا انها ليست ادبا بالمعنى الصحيح وان كان الرمزيون او من لا يرون ( الغموض ) عيبا من عيوب الأدب لا يقروننا على هذا بطبيعة الحال !

ولعل القراء من الادباء لا يزالون يذكرن - ويذكرون جيدا - حكاية قصيدة من القصائد الرمزية أعلن أحد الكتاب الظرفاء ذات يوم فى مجلة الرسالة - يرحمها الله - انه مستعد بتقديم جائزة كذا لمن يستطيع أن يفسر له معانى تلك القصيدة الرائعة . . ولعل القراء لا يزالون يذكرون أن هذه الجائزة المالية لا تزال حتى هذه الساعة تنتظر الاديب الجبهذ . . الأديب الذى يمكنه ان يفك الطلاسم عن معانى قصيدة الدكتور " بشر فارس " وهي التى عناها ذلك الاديب الظريف

وليس المجال الآن مجال بحث فى الرمزية من حيث هى . فقد أعود إلى هذا البحث فى مقال غير هذا المقال ؛ ولكنى اريد فحسب ان انوه بهذه المجموعة الانيقة من الشعر الرمزى مجموعة البير أديب !

لقد قلت إن هذه المجموعة تعتبر أقوى دفاع عن مذهب الرمزيين . . والواقع انها كذلك ، فان من يتصفح قصائد هذه المجموعة لا يجد امامه أى نوع من انواع

تلك الطلاسم إنه يحد امامامه أدبا رمزيا حقا . ولكنه الأدب المفهوم . لا الادب الذي يفهمه احد . . أو الادب الذى يحتاج من يقوم بتفسير معانيه للناس الى جائزة مالية . . أنظر الى هذه القطعة فى مجموعة " لمن " وهى بعنوان " حسن تفاهم " تر الكاتب المؤلف يقول :

لم ار اثنين يفهم احدهما ما يقوله الآخر

إلا قيل إنهما أبكمان

ولم أر احدا بين جماعة تتحدث

بقى محافظا على بريق عينيه

إلا قيل إنه أصم

ولم ار احدا بقى محافظا على أسارير وجهه

أمام اشتات المرئيات ،

إلا قيل انه اعمى

ولم ار احدا يفهم جيدا ما يريد ويسعى اليه

إلا قيل انه مجنون

فهذه القطعة - وهي من صميم أدب الرمزية . . من ذا يستطيع ان يوجه اليها الاتهام الاتهام بالغموض ؛ وعدم وضوح المعنى . . نعم ليست هى من الوضوح بحيث يمكن ان يجد فيها عامة القارئين طلبتهم من القراءة . . ولكنها واضحة اجمل وضوح للقارئ المتعلم الاديب

وهذه قطعة اخرى عنوانها : " طفل كبير" حياة المرء اربعة فصول : تمثل الطفولة البريئة ، والشباب الضاحك والرجولة العاملة العابسة ، والكهولة الهادئة

ويستدل الستار بعد كل فصل ثم يرفع إلا فى الفصل الاخير

وقد لا يرفع بعد الفصل الاول ، أو الثانى أو الثالث

وقد يرفع مرة فى الفصل الاول فلا يسدل الا فى الاخير والمعنى هنا واضح المرامى . . ولعل محل الشاهد فى هذه القطعة هى جملتها الاخيرة فالمؤلف فى هذه العبارة يشير بيديه الى هذا الطفل الكبير . . والا فمن هو الذي يرفع اول ستار من فصول حياته - ويعني به المؤلف : فصل الطفولة البريئة - فلا يسدل الا فى الفصل الاخير : فصل الكهولة الهادئة ؛ ولا يبقى الى آخر هذه المراحل او آخر هذه الفصول ذلك الطفل الكبير بعد ان فاته القطار ولم يتقدم أى خطوة فى مجال الأحساس والادراك والمعرفة لانه لا يزال يعيش فى حدود مجال الفصل الاول من فصول الحياة ، وهو فصل الطفولة ، فاحساسه احساس طفل ؛ وادراكه ادراك طفل ؛ ومعرفته معرفة طفل ولو انه تقدم فى مجال العمر سنوات وسنوات .

وفى قطعة شعرية رشيقة اخرى بعنوان " اشباح من الناس " يقول الاستاذ البير :

أولئك الذين لفظتهم الكرامات ، اولئك الذين يقدسون الباطل

ويزهقون الحق ، ويقيمون فى المآتم أعراسا

اولئك الذين يزحفون على بطونهم ويمرغون وجوههم بالأوحال

ويتلوون كالافاعى

حتى تستقر جباههم على الاقدام ،

وشفاههم على النعال

فيسترسلون فى تقبيلها

ويمعنون

هؤلاء الناس اشباح من الناس

ووضوح مرامي هذه القطعة الاخيرة لا يختلف أى اختلاف عن الوضوح السائد فى مقالات او قصائد غير الرمزيين كما نرى

وبعد فانى احيي الاستاذ الزميل صاحب هذه المجموعة الرشيقة ؛ وازجى له الشكر عاطرا على صفحات "المنهل" الاغر على تفضله باهداء نسخة منها الي ؛ وما من شك انها خير هدية . (مكة)

اشترك في نشرتنا البريدية