الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

من الادب اليابانى ، عمل غريب

Share

ولد أووي كانزابورو (*) سنة 1935 و درس الآداب الفرنسية بجامعة طوكيو موليا  اهتماما خاصا لجان بول سارتر وقد تأثر فعلا بسارتر وبيار قاسقار ويظهر  ذلك في قصته الاولى بعوان ( كيميو ناشيقوتو) ( عمل غريب ) التي أحرز من  أجلها على جائزة مجلة جامعة طوكيو بينما كان طالبا بها . وتعود شهرته الى تلك  الفترة اذ نشرت له في نفس السنة قصص قصيرة عديدة منها ((الميت الوقح))   و ((رجلا الآخر)) كما نشرت له رواية قصصية سنة 1957 بعنوان (( الفخ))  أحرز بها على جائزة ( اكوتاقا) المحترمة جدا في اليابان . وبعد سنوات عديدة  شرع في كتابة روايات قصصية طويلة جدا بالنسبة الى سابقاتها ومنها ( ساستیکی نينغن) ( انسانية شبقية ) و ( مغامرة حياة خاصة ) و ( الصرخة)  (الساكنة ) و ( قضية شخصية جدا ).

ويعرض أووي كانزابورو في روايته لقضايا شائكة ومواضيع يهولها الى  أقصى الحدود ومنها مسائل الجنس والعنف اذ يتناولها وهي في ذروة الجنون  ليعبر بذلك عن الاختلال وعن الامراض والعاهات التي بلي بها الكائن الحي في المجتمع الجديد .

وأووي كانزابورو روائى يشاطر آراء وهموم الكتاب الامريكيين  والفرنسيين الذين هم من جيله وهو في نفس الوقت يعتبر أنه الوريث  الشرعي الأول للتقاليد الادبية اليابانية الخاصة بفترة ما بعد الحرب . ولا  يقتصر هذا الولاء للتقاليد عند الكاتب على الناحية التقنية الصرف بل أن ذلك

يتمثل أيضا وبالخصوص في مساندته الدائمة للمبادىء الفلسفية والسياسية  الرئيسية التي تركزت عليها ديمقراطيات ما بعد الحرب

وبوصفه كاتبا فهو في موقف دائم من القضايا التي يواجهها اليابان المعاصر  لترسيخ الديمقراطية في البلاد وفى نفس الوقت يساهم الكاتب في نشاطات  العديد من الفرق الرافضة المشاكسة للنظام القائم . وهو أيضا ومنذ سنوات  عضو قيادی ناشط بالفرع الياباني لاتحاد كتاب آسيا وافريقيا . ترجمت  آثاره الى كثير من اللغات ولها قراؤها وانصارها في أوربا والولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفياتي.

((عمل غريب))

اذا سنحت لك الفرصة لتعبر الشارع الكبير مرورا بالمستشفى الجامعي في  اتجاه البرج الشامخ المتوج بالساعة الدقاقة فانك ستنتهى الى مفترق طرقات  يفتح أمامك فجأة وبصفة غير منتظرة مجموعة من الرؤى والمشاهد . هناك ،  خلف أفنان الشجيرات الرقيقة الوادعة على مقربة من الدربزين الفولاذي  نبتت عمارات هي بصدد البناء تصاعد الى عنان السماء . سيمكنك أن تسمع  كثيرا من نباح الكلاب وكلما تبدل اتجاه الريح وتغيرت ايقاعاتها يتخذ ذاك  النباح رنينا حادا كما لو كان يتجه بصلاة الى السماء ويود ان يرجع الصدى  في الافق البعيد بامعان والحاح . فعندما أتمشى مهلا في ذلك الشارع قاصدا  الى الجامعة الوطنية أو راجعا ادراجي منها يحدث عادة أن أولي اذنا صاغية في  الحين الذي أبلغ فيه ذلك المفترق . وكأن شعورا من الاعماق يدعوني الى  الاستماع الى نباح الكلاب . لكن يحدث احيانا أن لا أستمع أي شيء . والواقع  اني لا أشعر باهتام خاص يشدني الى مجوعة من كلاب نابحة . لكن عندما  عرض علي فى موفى شهر مارس أن أعمل نصف وقت وكان العرض مثبتا على  لوح المدرسة أحاطت بي أصوات تلك الكلاب والتصقت بجسدي كالثوب الندي وبدأت تنفذ الى حياتي.

مكتب الاستعلامات في النزل يدعى أن لا علم له بالمعلقة ولا أي دخل في  العرض الذي وصلني . لذلك الححت وأعدت طلبى لدى أحد الحراس ثم مشيت  في اتجاه مؤخرة المستشفى حيث قبعت صناديق خشبية أعدت للخزن . وأمام

احد هذه المخازن وقفت طالبة يرافقها طالب يدرس بجامعة حرة وكانا يستمعان  الى تفاسير يلقيها رجل في وسط العمر يبدو عليه الهزال وتوعك الحال . وتغطى  ساقيه سوقاء ان من الجلد . وقفت وراء طالب الجامعة الحرة ، واذا بالرجل  يرميني من تحت حاجبيه العريضين بنظرة غاضبة ثم يميل رأسه بحركة سريعة قبل أن يتابع تفاسيره .

قال :((سنقتل خميسين كلبا))، ثم أردف بعد صمت قصير :(( والرجل  المكلف بقتل هذه الكلاب هو الآن هناك بصدد الاستعداد . نحن في حاجة اليها لمدة ثلاثة أيام .......  بدءا من الغد))  .

((رجل انجلیزی ناهض مشروع ارسال مائة وخمسين كلبا للمستشفى  قصد إجراء التجارب على جثثها ، والمستشفى ليست له الميزانية الكافية  لصرفها على إطعام هذا العدد من الكلاب . لذلك السبب قررنا أن نجلبها دفعة  واحدة . من الممكن أن نعرف كل شيء عن التشريح ... وعن عادات الكلاب وغير ذلك من الامور ...)) .

وبعد أن أرشدنا إلى الإثواب التى يجدر بنا أن نرتديها وأعلمنا بمواقيت العمل بتفصيل دخل الرجل الى المستشفى واتجهنا نحن الثلاثة الى باب الجامعة الخلفى .

 سألت الفتاة :(( هل المرتب طيب ؟)) . فأجاب طالب الجامعة الحرة في شكل سؤال :(( هل أنت بصدد التفكير  في قبول العمل أو رفضه ؟))  قال ذلك بلهجة من فوجيء بسؤال لم يكن  ينتظره.

قلت :(( أنا فعلا بصدد التفكير في ذلك ، لقد عملت بقسم علم الحياة  ومارست العمل بتفوق ومهارة. لذلك تعودت على مشاهدة الحيوانات الميتة ...)).  فقال الطالب :(( اذن أنا أيضا سأقبل هذا العمل)) .

و توقفت عند مفترق الطرقات لكن لم استمع الى نباح الكلاب، كانت نسمات الليل تهب على اغصان الاشجار المنتصبة على حافتي الطريق .. وقد تعرت الآن من أوراقها . فحثثت في السير والتحقت بالآخرين . حملق الطالب الآتي من الجامعة الحرة في وجهي وكان في عينيه سؤال .

قلت :(( أنا أيضا سأقبل العمل هنا)) . وفى الغد الباكر ارتديت بنطلوني  الاخضر وخرجت . الرجل قاتل الكلاب في الثلاثين من عمره على ما يظهر ..  ذو قامة قصيرة لكنه بدين قدت احد الكلاب الى مكان مسيج وضع تلقاء  المخزن الخشبي فقتله قاتل الكلاب وأمسك طالب الجامعة الحرة بالجثة وقد  نزع منها جلدها وأعطاها الى شخص آخر . الطالبة الشابة تتولى العناية  بالجلود . واستمر العمل هكذا دواليك وقد قتلنا في تلك الصبيحة خمسة عشر كلبا . بدأت آلف هذا العمل ... أتعود عليه.

توضع الكلاب في مكان مفتوح على السماء يحوطه جدار قصير من الاسمنت  المقوى . ويفصل المتر بالمتر أوتاد مسمرة بالارض يربط بكل واحد منها  كلب . الكلاب هادئة . فقدت حدسها الطبيعى الذى يدفعها الى العداء اثناء  السنة التي قضتها هنا مشدودة الى الاوتاد . لم تعد تعيرني أي اهتمام أو  تنبح عندما أمر من وراء الجدار . والحال أن أحد موظفى المستشفى ادعى أن  الكلاب كانت تنبح دون أى سبب واضح ولا أى مبرر وكان ارجاعها الى الهدوء  والطمأنينة يتطلب اكثر من ساعتين . وها هي ساكنة لا تسمع اى نباح حتى  ولو دخل مربضها رجل غريب عنها . لم تنبح الساعة عندما دخلت . اكتفت  بالقاء نظرات عجلى في اتجاهي . يا له من شعور غريب ومحير ذاك الذي  يتملكك عندما تطفق مائة وخمسون نفرا من الكلاب تحملق فيك بعيون ثابتة  ونظرات باهتة . يخيل إلي أن ثلاثمائة صورة صغيرة لشخصي تنعكس في  ثلاثمائة عين سوداء نحاسية . الموقف الذى أجدني فيه يرعد فرائصى من رأسمي الى قدمي .

الكلاب التي تأتينا تمثل مزيجا عجيبا . تجد من بينها مبدئيا كل الانواع  والفصائل والسلالات . وهى فوق ذلك أو بالرغم عن ذلك متشابهة ولا يختلف  لواحد منها عن الآخر . هناك كبير الحجم وهناك الصغير وهناك مجموعة لا يستهان بها من الكلاب المصفرة اللون ذات القامات المتوسطة .

لكن كل الكلاب سواء . وإني لأتساءل عن السبب الذى يجعل الواحد منها  يشبه الآخر الى هذا الحد . فهي كلها دويبات جميلة وحزينة . ربما لانها نحيلة  هيفاء أو لربما لانها موثوقة بهذه الاعمدة والاوتاد وتبدو وكأنها سريعة الغضب  سوارة . ذاك هو السبب دون شك . لو كنا مكانها لا تخذنا نفس الموقف سورة  وتهجما . فقدان الشجاعة بصورة نهائية والعنان واللامبالاة وهذا الشبه

الغريب بين الواحد والآخر وانسحاق الفردية . ألم تكن تلك هي الاسباب  التي جعلت منا حيوانات سليخة باردة تافهة نحن الطلاب اليابانيين ؟  لكن دعنا من السياسة فهى لا تهمني كثيرا . فانا أما أن أكون شابا صغيرا جدا أو  شيخا مسنا جدا بحيث لا يمكنني أن يهفو قلبي أو يهتز شعوري الى أى شيء  بما في ذلك أمور السياسة ، أنا الآن أناهز العشرين من عمرى وذاك سن  غريب في واقع الامر. بالاضافة الى ذلك فنا أشعر دائما بالتعب وأفقد بسرعة  عجيبة التعلق بأشياء كثيرة . ها أنذا الآن أفقد الاهتمام الذي كنت أوليه للكلاب فيما مضى.

لكن عندما اكتشفت كلبا هو خليط من ( اللولو) و ( الحارس) الالماني لم  أجد بدا من التعجب من أمره... فأنا أشعر أمامه بحيرة فائقة واستغرب شكله  المتميز اذ له رأس (الحارس) لكن وبره متعجرف متشوك من اثر نسمة عابرة  دافئة . طفقت أضحك . ثم قلت في اتجاه طالب الجامعة الحرة :-(( انظر الى هذا . فانك واجد فيه اللولو والحارس في نفس الوقت ، كأن الواحد منهما ثبت ببرغي إلى الآخر . أليس ذلك مضحكا ؟)) .

قض الطالب شفتيه امتعاضاً وأدار رأسه معرضا عن المشهد . فأخذت الكلب  الآخر من عنانه وهو من الحجم المتوسط وقدته الى الخارج . حيث كان ينتظر  عند سياج الاوتاد قاتل الكلاب وبيده الهراوة التي سيهوى بها على رأسه .  أخفى الرجل الهراوة وراء ظهره بسرعة بينما كنت أمسك بعنان الكلب ثم  تقهقر قليلا الى الوراء ليرجع فورا الى مكانه الأول وهو ينزل الدبوس على الدابة  نزول الصاعقة . كان المنظر على جانب من الفظاعة حبس أنفاسي للحظة . ثم  رأيت القاتل ينزع من حزامه سكينا حادة عريضة الشفرة ويهوى بها على عنق  الكلب فيبته من أصله . ويترك دم الكلب الفوار يتجمع في سطل ويشرع بعد  ذلك في نزع جلد الحيوان بمهارة فائقة وسرعة عجيبة . شاهدت ذلك عن  كتب وعندما نفذت رائحة الدم الدافئة الى أنفي ارتعدت فرائصي وشعور  غريب لست أدري تحديده بالضبط يهزني هذا عنيفا .

كان المنظر مقذعا دنيئا والحال أنى لا أعتقد أنه لزام علينا أن نتوجه باللوم  الى ذلك الرجل أو أن تعاتبه مجرد عتاب على تلك المهارة السافلة التي تجعله  أمام عيني يتصرف هكذا في حشاشة كلب . فالدنس هنا يتخذ وجه الفعل  وهي دناءة متأصلة الجور في حياة الانسان الشهوانية الحسية المحض . ولقد

تعودت الآن على عدم الانزعاج من ذلك بالشدة التي كنت انزعج منها على الاقل.  واني لم أعد أشعر قطعا بالوهن الماحق الذى لا يطاق وحتى دناءة قاتل الكلاب لم تعد تؤذيني اكثر من اللزوم ... مما أتحمل .

فالغضب الذي قد يركبني مما أرى كان باستطاعتى أن أهدى من سورته.   فأنا لم يكن بوسعي أن أشارك اجانب أصحابي في الحركة الطلابية. وسبب  ذلك مرجعه أساسا الى أنى لم أكن أتوق قطعا إلى ممارسة السياسة . لكن  نهاية الأمر هو أنى لست قادرا على أن أنمي في ذاتي الشعور بالغضب  يحدث أن أحاول أحيانا أن أربى ذلك الشعور وأن أتولى رعايته والحدب عليه في داخلي لكن لا يلبث أن يصيبنى من ذلك تعب شديد .

وضعت هيكل الكلب وقد انتزع من الجثة جلدها الابيض الناصع فاذا هي هامدة منصاعة ثم سحبته ورائى من رجليه الخلفيتين الى خارج السياج الوتدي .

كان الدفء يتضوع من الكلب وشعرت وأنا أمسك بقبضتى لحمه اللزج ان هناك فرقا كسررا بين ما في يدى وبين الطاقة التى تحفز السباح وهو يثبت رجليه على سطح المغطس الخشبى قبل قفزته فى الماء .

طالب الجامعة الحرة كان ينتظرني وراء السياج . تسلم الجثة من بين يدى  وجرها وراءه في حذر عسى أن لا تمس جسده من قريب أو بعيد . وأخذت أنا العنان ورجعت ادراجی ابحث عن كلب آخر .

وكان قاتل الكلاب كلما هشم بهراوته رؤوس خمسة كلاب على التوالي ،  خرج من الساحة المسيجة لطلب الراحة وهو يجلس على الارض في صمت  ثقيل . وكنت أمشى الى جانبه أو حوله ساعة من الزمن أبادله أثناءها بعض  الكلام . وعندما أتوقف عن المشى كان بامكاني أن أشتم رائحة اللحم الطرى  التي علقت به من الكلاب التي قتلها . وهي رائحة طازجة تصاعد منه كالبخار  من القدر كريهة تتقزز منها النفس . وفى اعتقادى أن تلك الرائحة تصبح بعد  التصاقها بجسده كريهة بالصورة التي لا أعرفها لها عندما تفور من الجثث  الهامدة ذاتها . أحاول قدر المستطاع أن أصرف النظر عن الرجل الجالس  تلقائى بينما أتابع المشى جيئة وذهابا . وفى ذلك الوقت تكون الطالبة الشابة  منشغلة عنا بالجلود تنشرها على الارض الخضرة وراء الساحة المسيجة كالزرابي  المزركشة لتغسلها بماء حوض ذى فوارة ، لتزيل عنها بقع الدم التي علقت بها في عناية ورتابة .

قال قاتل الكلاب :((كثير من الناس نصحوني باستعمال السم... السم....  نعم ... لكني لا استعمل السم . لا أريد أن أجلس القرفصاء بحذاء شبح وأنا  احتسى كأسا من الشاى بينما يموت الكلاب على مقربة مني بمفعول السم  فعندما يتعين أن نقتل كلبا فلا يمكن أن نقتله فعلا الا اذا واجهنا الكلب  مواجهة والهراوة في يدنا . ثم اني استعمل الشفرة العريضة الحادة منذ حداثة سنى. أنا مكلف بقتل الكلاب.تلك هي مهنتى  ، لكني لا أستطيع قتلهم  بصورة لا تسمح بالخروج من ذلك الفعل بيدين نظيفتين كما هي الحال عند استعمال السم مثلا))  .

أجبت :((صحيح ما تقول ... اعتقد ذلك)).  فقال سائلا :(( ثم اننا باستعمالنا السم نجر الكلب على أن تتضوع منه  رائحة كريهة . الا تسلم أنت بضرورة أن يكون للكلب عندما ننزع جلده الحق في أن تتضوع من جثته رائحة طيبة ؟)) .

ضحكت فأردف قاتل الكلاب :(( بلى ..........  له الحق فى ذلك)).  ثم تابع في صوت رخيم لا هلس فيه :(( لى أسباب تختلف تماما عن تلك التى يتذرع بها الذين يستعملون السم . أنا أحب الكلاب)).

ورجعت الطالبة الشابة وهى تسحب وراءها جلدا لا شك في أنه كان  مغسولا . كان وجهها متورما تعلوه مسحة اصفرار قد تكون تسببت فيها  المجهودات الكبيرة التي بذلتها . فالجلد الملطخ بالدم والمغطى بالشحم هو في  نفس الوقت ثقيل وصلب . فهو كالمعطف المبلل غير مطواع . لذلك ساعدتها  على جر الجلد العنيد حتى فوارة الماء . قالت وهي تمشى الى جانبي جارة الجلد  :((هذا الرجل ، يتمتع بحس تقليدى متمكن أصيل . هو فخور بقتلها بواسطة شفرة حادة . وذاك لعمرى يضفى معنى على حياته)).

أجبت :((تلك هى ثقافته)) . فعلقت الشابة دونما تأثر :((ثقافة قتلة الكلاب . قد يكون نفس المدلول)) . قلت متسائلا :(( هاه ؟ ما ذاك)) .

فأجابت الطالبة الشابة موضحة :((مدلول كلمة ثقافة ... فهي في نهاية  الامر حياة الشخص . ألا يرى النقاد أن مهارة صانع البراميل تمثل في حد  ذاتها ثقافة صانع البراميل وبالتالى أن ضربا من الثقافة لا يمكن فصله عن  الحياة . بل هو فى حقيقة الامر الثقافة في معناها الحى والكامل ؟ ذاك شيء  لكنك عندما تتخذ امثلة حقيقية وحية وتفصل الواحد منها عن الآخر  للاستشهاد به عند الاقتضاء لا تلبث أن تلاحظ أن ليس كل شيء جميلا وليس  كل شيء نظيفا . فهذه ثقافة قاتل كلاب وتلك ثقافة عاهرة واخرى ثقافة عضو  بدیهی في مجلس تنفيذى . كل ضروب الثقافة تلك قذرة وشديدة التمكن من النفوس......... كلها سواء......... فظاعة فظاعة)) .

قلت :((تلك صورة مغربة في القتام قانطة سوداء)) . فأجابتني وهى تنظر إلي في ازدراء :(( لا أراها سوداء بالدرجة التي تتصور  فاذا كان هناك عمل يتمثل في غسل جلود الكلاب فأنا لا أحجم عن القيام به  كما ترى . ولو كان هناك عقار ضد آفة « بيري بيري » لتناولته .. أتريد أن تغمس أنفك في مثل هذه الثقافة العفنة ؟)) .

قلت :(( لا يتعلق الأمر بأنوفنا بل أنه يتجاوزها الى أعناقنا . نحن  منغمسون كليا في أدران الثقافة التقليدية .... أو بالاحرى ... في بحران  ضرب من التقليد الثقافي بحيث لا يمكن رحض اجسادنا لنزع هذه الادران بسهولة ويسر))  .

ألقينا بالجلد على بلاط الحوض وكان من الاسمنت المقوى يداي الآن تفوحان نئونة لا تطاق.

قالت وهي تقوس ظهرها لتضغط بطرف اصبعها على ربلة ساقها وقد  تورمت :((انظر)) ثم اردفت لحينها :(( هذه الحفرة الضاربة الى البنفسجي  ستنتفخ من جديد على ربلتى ولن تعود الربلة أبدا الى سابق عهدها . شيء فظيع . هكذا في كل مرة)) . قلت وأنا أصرف النظر :((صحيح ... فظيع)) ...

وعادت الطالبة الشابة الى تنظيف الجلد بينما جلست أنا على البلاط الاسمنتى مباشرة موجها انظارى الى الممرضات اللائي كن يلعبن ( التنس)

على الارض المخضرة . هناك من بينهن من يخطئن المرمى فيتقهقرن لمحاولة جديدة وهن يملأن المكان صخبا وضحكا.

قالت الطالبة الشابة تنتشلنى من الغفوة التى شدتنى الى البنات للحظات : (( عندما أتسلم مرتبى سأذهب لزيارة بركان)) ثم اردفت جذلانة :(( لقد تمكنت من ادخار شئ من المال)) .

فسألت متعجبا وفي لهجة الفضول :((وهل تزار البراكين ؟)) فأجابت في  ابتسام :((البراكين تسلي النفس)) ثم رفعت بصرها الى السماء ويداها ما زالتا منغمستين في الماء . فاذا تعب شديد يغشي كالستارة عينيها .

سألت :(( أنت لا تضحكين الا لماما)). فأجابت :(( كلا ..... الناس امثالى لا يضحكون كثيرا ... لكن عندما كنت صغيرة لم أكن أضحك أيضا ........ تماما ...... كما قلت ألجأ إلى التفكير  فى بركان وعندها . أطفق أضحك ملء شدقي.

جبل شامخ وفى وسط قمته بالضبط ثقب ينفتح على السماء والغيوم  تساقط على الجبل ... أليس كل ذلك مسريا على النفس ؟)) . ورأيت موجة من الضحك تنغلق فوق رأسها فسألتها :

(( اذن ستزورين البركان عندما تتقاضين المرتب ؟))  فأجابت بحزم :(( نعم سأذهب حالا . وعندما أتنزه قرب البركان.... اعتقد أنى سأموت من فرط الضحك))  .

كنت في الاثناء قد استلقيت على ظهرى وثبت عيني في أوج السماء . فعلت ذلك تلقائيا عن غير قصد . كانت السحب تلمع كالاسماك وكانت الشمس براقة تتلألأ . وضعت يدا على وجهى أقي بها عيني فاذا هي تفوح برائحة الدم.  يخيل إلي أن أجزاء جسدي جميعها أنقعت برائحة الكلاب ، تشربت بها الى  حد لا يطاق . فاليد التي قتلت أربعة وعشرين كلبا هي الآن غير اليد التي لم تتعود سوى على حك آذان الكلاب .

قلت :(( اهه....... قد اشتري أنا أيضا كلبا  ......  أريده لقيطا صغيرا في لون  أصفر . وبدينا في نفس الوقت . وأريد أن يحفظ في كل شريان من شرايين  جسده حقدا دفينا هو الحقد الذي يضمره لنا المائة وخمسون كلبا . سيكون

مخيف الشكل عنيدا خبيثا وسيكشر عن أنيابه دائما بصفة مرعبه تبدل سيماء وجهة)) .

طفقت أضحك بينما كانت الطالبة تضغط باسنانها على شفتها بشدة .  ثم سمعتها تقول :(( يا إلهي ... كم نحن انجاس ملاعين !!)) وعدنا الى المخازن  الخشبية فوجدنا قاتل الكلاب وهو في حديث مع أحد موظفى المستشفى  بينما كان طالب الجامعة الحرة يستمع اليهما بانتباه كبير.

يقول الموظف :((ميزانية المستشفى وامكاناته المادية غير كافية للغرض .  فالكلاب ليست من شأن المستشفى ولا من مشمولاته لقد قررنا اليوم نقلة  الشخص المكلف باطعامها الى قسم آخر)) فيجيبه قاتل الكلاب :((لكن يا   سيدي....... ليس باستطاعتنا أن نعدم جميع الكلاب في هذا اليوم)).  

فيرد الموظف :(( قلت لك اننا منذ البارحة قطعنا الطعام عن الكلاب)).  فيحاول قاتل الكلاب أن يكشف عن جلية الامر فيسأل :(( أتعطونها ما تأكل اليوم ام لا ؟ أريد أن أعرف))  .

فيجيب الموظف :(( كنا نطعمها بالفتات المتبقى من مأكولات المستشفى واذ نحن فى حاجة الى اطعام الموظفين بدرجة أولى فانها ستأكل لسد الرمق لن تكون جائعة على كل حال . . لكن...)).

فكرة فيقول قاتل الكلاب حانقا :((أريد أن أعرف بالضبط ما ستأكل ...  سأقدم طلبا في ذلك . تفصيلا . نطعمها من فتات المأكولات لا ضير ... فكرة.....  طيبة ... لكن هل لى أن أعرف أين يوجد ذلك الفتات . وهل يوجد فعلا فتات ؟)) .

فيجيب الموظف :(( سأتثبت من ذلك حالا...... وبعد ذلك أعطيها كل ما هو موجود)) . فتقاطعهما الطالبة الشابة بقولها :(( سأحاول أن أساعدك على ذلك . ويصيح طالب الجامعة الحرة فى حنق ومرارة:(( اتركوا ذلك ! وكفوا عن الهذر))  .

ينظر قاتل الكلاب والموظف الواحد الى الآخر في اندهاش ثم يوجهان  انظارهما صوب وجه الطالب وقد علته حمرة قانية . ويتابع الشباب صياحه : ((قلت لكم اقلعوا عن هذا اللغط لا أكثر ولا أقل ...)) .

يبدى قاتل الكلاب حركة تعجب مشفوعة بصيحة :(( آهاه ...)) ويضيف طالب الجامعة الحرة في غضب : ((شيء فظيع ومثير للاعصاب . ستقتلون هذه الكلاب جميعها بعد غد  فسيان عندها أن تطعموها أو تدللوها . كل ذلك في نظرها تفاهة وسفالة  مخجلة . فأنا لا أسمح لنفسى بأن أفكر مجرد تفكير فقط في كلب على أن  أصرعه عندما أتخيله وهو يبصبص بذنبه بينما أنا أقدم له بقايا موائد الطعام)).

فيضيف قاتل الكلاب في لهجة المعلق لكن في غضب :((الحساب مضبوط ... اليوم علينا ان نقتل خمسين كلبا . ولا يمكن قطعا  أن أقطع الطعام عن المائة الباقية. لا أستطيع أن أكون قاسيا الى هذا الحد.....)).  فيقول المطالب الشاب مستهزئا وغير مسلم بما يسمع : ((حقيقة ما تقول ؟ لا أستطيع أن أكون قاسيا الى هذا الحد.......)).

ويتقدم قاتل الكلاب والموظف معا فى اتجاه الشبح المتسلسل بين صناديق  الخزن . كان طالب الجامعة الحرة متكئا على السياج في وضع من تخدر ففترت  عضلاته ..بنطلونه ملطخ بآثار دم الكلاب ... وكان يصيح رغم ذلك في  لهجة من لم يقتنع : ((يا للشيطان....... ماذا يريد أن يقول بهذا الكلام ... ما مدلول القساوة عنده ؟ هذه الطرق صبيانية ومزعجة حقا)) .

الفتاة تنظر الى الارض بعينين لا مباليتين فارغتين وتلوذ بالصمت . على  ثوبها اتخذت بقع الدم شكل رأس جمل وتميز لونها الاخضر الداكن عن الاوساخ الأخرى التي تلوث بها الثوب . قالت في اتجاهي : ((هاي ! ألا تعتقد أن كل هذا رجس وقذارة ؟)). قلت في عدم اكتراث :((نعم أعتقد ذلك بدون شك....)).

تقرفص الطالب قليلا وقال وهو يغض من طرفه وفى صوت خافت :((أنا لا  أتحمل حتى مجرد التفكير في هذه الكلاب القابعة وراء هذا الجدار القصير  نحن باستطاعتنا أن نشاهدها من فوق الجدار لكن هي ... لا تستطيع أن  ترانا....... هي تكتفى بانتظار الساعة التي تقاد فيها الى المجزرة)) .

وتعلق الشابة على ملاحظته فتقول : (( أن ترانا أو لا ترانا من فوق الجدار ...... ذلك أمر لا أهمية له بالنسبة اليها .))  فيضيف الطالب :

((صحيح......... لكن ما لا أتحمله قطعا......... هو بالذات أن نعتقد أن ذلك ليست له أهمية بالنسبة اليها . ثم أيضا أن نجد أنفسا فى وضع لا نستطيع معه التمييز بين حالتين بينما نقبل بعد ذلك مبدأ أكل لحومها)) .

كان كلامه يحرجنا . أخذت العنان الذى كنت أؤرجحه حول خصرى وعجت  أبحث عن كلب آخر . وقلت في نفسي :(( سأخذ هذه المرة اكبرها ... صاحب الاذنين المتدليتين)).

وجن الليل عندما فرغنا من الانشغال بالعدد الخمسين فرحنا الى الحوض  لنغتسل بينما كان قاتل الكلاب منهمكا في تكويم الجلود بعناية ثم جمعها حزمة  بواسطة حبل . وتقدم منا الرجل المكلف في المستشفى برفات ما سلخنا من  الكلاب . فغسل يديه ورجليه وطفقنا جميعا نراقب عن كتب ما كان قاتل الكلاب بصدد فعله .

وسأل طالب الجامعة الحرة : ((ماذا سنفعل بهذا العدد من ركام الكلاب ؟)) . فأجاب الرجل في بساطة : ((انظر الى هناك ... انهم يهمون باحراقها)) . فاتجهت انظارنا نحو منطقة الدخان المتصاعد من الاتون المستعر . عمود رقيق من الدخان المحمر يرتفع إلى السماء.

سأل الطالب ثانية : ((فى مثل هذا الاتون تحرق جثث البشر . أليس كذلك ؟))  فنظر اليه قاتل الكلاب وأمعن فى وجهه مجيبا فى نفس التساؤل : ((وما الفرق بين جسد انسان وجسد كلب ؟))  .

فأطرق الطالب ولم ينبس بكلمة . ارتعش كاهلاه ارتعاشا خفيفا ولاح على وجهه الغضب فيما اعتقدت.  وقالت الطالبة الشابة كلاما لم يعره أحد أى اهتمام :

((فى نهاية الامر . كلهم يختلفون . لا شبه للواحد بالآخر)) بدرت مني بعد أن خيم علينا الحرج حركة اشفعتها بملاحظة :(( ألوان الدخان تختلف فعلا . هذا لون جميل . . نفس اللون الذى يتخذه جسد الانسان المحروق)) .

وتابعت : (( ربما هم بصدد احراق شخص يتمتع بصحة طيبة . . كلا  ...  يقيني انها يحرقون الكلاب . لا شك في ذلك ..... غروب الشمس يضفى هذه الروعة لون الدخان)) .

سكتنا ثانية ونحن نشاهد الدخان المتصاعد من الفرن في اتجاه السماء  وشرع قاتل الكلاب في وضع كومة الجلود على كاهله . انه يبدو عند غروب  الشمس على جانب من العصبية وقوة العضلات . وسمعناه يقول في تيه من يقوم بالواجب على الوجه الأكمل :

(( غدا ..... تنتظرنا اشياء كثيرة علينا أن ننجزها..... وغدا نكون على موعد مع يوم جميل)) . وكان الغد مشمسا راشقا.

لم يأت الرجل المكلف بقتل الدواب لكن العمل أنجز بشيء من البطء اذ  فرغنا من القيام بثلثى العمل عند الظهر . شعرنا بالتعب لكن كنا راضين  مرتاحي البال نسبيا . لكن طالب الجامعة الحرة ظل وحده منطويا على حالة  نفسية لا يخفى ما كانت عليه من اضطراب . كان سريع الانفعال فعلا . وكانت  بقع الدم التي لوثت بنطلونه تزعجه وتؤذيه . ظل يتذمر من أن رائحة الدم  لم تفارقه ليلة البارحة حتى بعد ما اغتسل ومكث طويلا في الحمام :(( لقد  تجمد دم الكلاب تحت أظفارى ولم استطع أن أنزعه منها والحال اني اغتسلت  بكثير من الصابون وحككت جلدى حكا لاتخلص من رائحة الكلاب . فشلت  كل المحاولات . .)).

كنت تعبا لكنى طفقت أمعن النظر في يديه الوسختين . كانت أظافر أصابعه الرقيقة ملطخة بالدم فعلا .

لاحظت الطالبة الشابة : ((لم يكن عليك أن تقبل هذا النوع من العمل))  .  فأجاب وقد توترت اعصابه من جديد:

(( ليست هذه هي الحقيقة ... لو لم أقبل أنا هذا العمل لاستمر الدم  يتسرب لا محالة تحت أظافر شاب آخر لن يكون بمقدوره أن يستأصل  شافته ويقضى عليه تماما. وستظل رائحة الكلاب عالقة بجسده فواحة كريهة. وأنا لا أتحمل ذلك.....  قطعا)).

فلاحظت الطالبة من جديد : ((أنت اذن شاب انسانی)). خفض طالب الجامعة الحرة بصره مطرقا صامتا وشعور حاد بالحرج كان يبدو  على كل جوارحه . يهزه هذا . لم يكن باستطاعته أن يحاور قاتل الكلاب وقد  هم بالتحدث اليه والدخول في مناقشة معه ولم يقبل قاتل الكلاب الاهانة  عن طيب خاطر فخرج من الساحة الفسيجة وأشعل سقارة بينما وقف طالب الجامعة الحرة مسمرا في مكانه وقد أولانا جميعا ظهره

تقدمت من القاتل بينما كان يجر الكلب من عنانه والكلب يتبعه ببطء . فسلمني الكلب وهو يقول بصوت الآمر:  (( خذه واوثقه هناك)).

ربطت العنان في الوتد عند مدخل السياج وأتانى صوت قاتل الكلاب من جديد في لهجة غلب عليها القلق : (( كل هؤلاء الكلاب طيعة سهلة المراس ... ابحث دائما عن واحد منها متوحش ضار ... ليكن في حجم العجل .... ضرغاما)) .

فلاحظت في تثاؤب وقد غمر الدمع مقلتي : ((قد يعسر صرع مثل هذه الكلاب وهب أن ضرغامك يفلت من بين ... أيدينا)) . فهمهم القاتل (( آه ... أوه)) قبل أن يضيف في لهجة الواثق من نفسه :  ((لى طريقتي لترويضها وأنجح دائما في تهدئة أعصابها)).

قال ذلك وهو يبتلع ريقه في عسر والدمع يبلل عينيه ثم طفق يرجرج يده  المشعرة عند المفاصل والبراجم في مستوى رباط حزامه المفكوك في اضطراب لم يتمكن من اخفائه وصاح فيه الطالب الشاب بعنف واحتجاج : (( كفى هذرا . لا أريد أن أسمع منك مثل هذا الكلام القذر الذي ينم عن الخساسة والضعة)) .

فلاحظ قاتل الكلاب موضحا موقفه : (( كلامي لا لبس فيه . أبين الطريقة التي استطيع بها أن أهدىء أعصاب  كلب هو في حجم عجل صغير)) . فارتعشت شفتا الطالب وهو يقول : (( وأنا أقول لك : إن الطريقة التي تتوخاها لذلك الغرض خسيسة  ووضيعة ... حتى ولو تعلق الامر بالكلاب فالاجدر بك أن تتعامل معها بطريقة متحضرة رقيقة)).

فامتقع لون وجه قاتل الكلاب وتطايرت قطرات ريقه كالشرر من فمه وهو يقول للطالب فى حنق : ((اراهن أن ليس بمقدورك أن تصرع كليبا صغيرا..... فمن الهين أن يهرف الانسان بما لا يعرف ....)).

واستشاط الطالب غضبا وعض شفتيه وحملق في وجه القاتل وفي عينيه  مباشرة. ثم افتك الشفرة من يد الرجل وأسرع فى اتجاه الكلب المربوط بالوتد  في المدخل . فطفق الكلب ينبح فى جنون المرأى الشاب وهو يهجم عليه  شاهرا سلاحه الخطير . فشعر الطالب بألم مبرح لكنه تقدم من الكلب بخطى  ثابتة وأهوى عليه وهو يلهث بشدة وعناء . وخر الكلب على السياج وقد  أصابته الشفرة فوق الاذن . لم تكن الضربة هي القاضية لان الكلب أخذ ينبح  في استعطاف وأنين لكنه لم يمت لحينه . ظل ينزف ... ينشف بالتدرج من  دمه وهو يترنح من الألم كالمخمور . وكان الطالب وقد ثبت في الضحية عينيه يتنفس بعسر وهو جامد ساكت.

وصاح قاتل الكلاب فى غضب :

((هاي ! اقتله یا رجل !!! عجل به ولا تتركه يتعذب !)) . لكن الطالب ظل ساكنا . ثم فتح فمه وطفق يتثاءب وقد ارتعشت فرائصه .  أما الكلب فكان يضطرب وهو يحاول ان يجذب عنانه وهو يسحب رجليه  الخلفيتين في عناء . فأسرعت وافتككت الشفرة من يد الطالب . كانت عينا  الكلب جامدتين لا تطرفان . وكان الدم يتدفق من فمه . ضربته على جبهته  بعنف . فانبعثت منه صرخة شبيهة بزقزقة عصفور ، قبل أن ينهار .

سمعت طالب الجامعة الحرة يقول :(( يا للفظاعة)) . فهمهمت :(( آه . . أوه)( فأضاف الطالب فى عتاب وقسوة ((وانت رحل جبان . الكلب لم يقاوم . . كان خائر القوى تماما)) . واجتاحني الغضب وكاد يخنق أنفاسى لكنى أوليت الطالب ظهرى ونزعت العنان من عنق الكلب . لم أحتفل قط بطالب الجامعه الحرة . . لم اعره اى اهتمام .

قلت :((اذا لم يتوفر لديك السلاح الملائم فقتل الكلب يصبح معضلة وخطرا صرفا)) . والحال أن السلاح الذى كان فى يدي لم يكن السلاح المناسب.

وفي آخر ساعة من النهار عض كلب أصفر وركه . وعندما بلغت مدخل  الساحة المسيجة مصحوبا بالكلب الصغير رأيت الطالبة الشابة تلقائى تسحب  جلدا داميا . فذعر الكلب المرأى الدم فحاولت أن أخفف من ثائرته بجذبي  لعنانه لكن الكلب ظل يئن أنينا حادا وهو يتابع عض وركه . وخرج قاتل  الكلاب من الساحة وأخذ مني الكلب بسرعة . لكن وركي بدأ يؤلمني كأنه دخل في نوم عميق . قالت الطالبة الشابة : ((مجرد نباح ... مجرد كلب أصفر يعض وركك)) (1) .

سال الدم في جوربى . وقاتل الكلاب يصرع الكلب بحد شفرته ثم يفتح فمه ويتفحص فكنه وهو يقول :(( غريبة اسنان هذا الكلب.... ما اقبحها فهي مسنة وغير منسقة ..... انظر .... انها منخورة مقدحة)) .

شعرت بارتخاء شديد . فأمسكت الطالبة بي لتحميني من الانهيار وتقدمت  بضع خطوات . لكنى كنت في شبه غيبوبة . والمنى أن يراني طالب الجامعة  الحرة على تلك الحال من الهزال . مددونى على مقعد من الجلد وأحاطت ممرضة ورکي بضميدة نظيفة.

سألتني الممرضة - (( هل تشعر بألم ؟)). - (( كلا ..... لا اشعر بأي ألم))  .  فأردفت قائلة :(( ذاك ما كنت أظن)) وشدت الضميدة وهي ترمقني قائلة :

((حاول أن تمشى قليلا)). ارتديت بنطلوني وحاولت أن أقف على رجلى قلت :العصب تمطط شيئا ما بسبب ضغط الضميدة على الورك.  قالت : لا تشغل بالك بذلك . سوف أحرر لك وصفة طبية بعد حين . لكن بعد ان تقضى وطرك ( 1).

قلت في دهشة : وطرا ؟ وكيف ذلك ؟ قالت : من دون شك . أنت لا تريد أن أحشرك في زمرة الرعاع ... أليس كذلك ؟ قلت : وقد استويت على مقعدى وطفقت انظر الى خدوش أظافري على ورکی :((لم تقولين : من دون شك ؟)).

أجابت بصوت الواثق بنفسه :((ليس من السهل مواجهة الرعاع أليس كذلك ؟ وأعني بذلك أن قضية هى قضية حياة أو موت . فى أغلب الاحيان على الاقل . .)).

قلت فى يأس :(( آه . . اذن حلت بي الكارثة)).  قالت :(( وماذا تقصد ؟)) . وسمعنا صوتا من الخارج ينادى :(( هى ... هاي .... هاى......))

فتحت الباب ونزلت الدرج الخارجى . كان قاتل الكلاب والآخرون متجمعين  أمام المخازن الخشبية . وقد توسطهم شرطى أخذ يحملق في وجهي بفضول .  مشيت في اتجاهه ببطء ولم يلبث الشرطى عندما انتهيت اليه أن سجل في  کنشه اسمی و عنوانی .....  هویتى كاملة . فسألته مستفسرا الامر :

- (( ماذا جرى ؟)) . فضغط الشرطى باصبعين على ارنبة أنفه ولم يعر جوابا قالت الطالبة الشابة :(( أوه . . هه . . أظن أن هذا الشاب قصاب . وانه يبيع اللحم الى حوانيت الجزارين . والجزارون يتذمرون . كما لو كان قطع على نصفين . .)).

رحت أرشقها بعينى فى تعجب وانا صامت فتابعت كلامها :(( ذاك يعنى اننا نخسر المال . آه . . بحيث لا يهمنا قطعا ان نستغنى عن خدماته . لا غنم لنا من ذلك)).  نظرت الى قاتل الكلاب ثم الى طالب الجامعة الحرة.... بامعان . كان يعلو وجهيهما الخجل وبعض اليأس.

- (( لكن كيف سأتتمكن من دفع مصاريف العلاج ؟))  - (( لا الشاب هذا ولا القصابون الذين خدعهم . مسهم أى سوء......... هم لم يعضوا)) . وقال الشرطى بلهجة لا التواء فيها.......... صارمة صارمة :(( أخشى أن أكون مجبرا على استدعائك فى وقت لاحق لمزيد من التفاصيل)).  فاحتج طالب الجامعة الحرة قائلا:

(( سيان عندنا أن تستدعينا أو تخلى سبيلنا .... نحن لم نبع قط لحم الكلاب ، لاى كان . . ثم ثق يا سيد بأن قتل الكلاب على نحو هو خلو تماما من اللياقة  والكياسة ليس بالامر الذى يروق لاحد . بل أنه على عكس ذلك تماما)).

وتظاهر الشرطي بعدم الاستماع الى ما قاله الطالب وانصرف لا يلوي على شيء . وغاب في الافق ... في الطبيعة المخضرة . مكثنا على حالنا ساكنين يلفنا صمت سميك. وأحسست بألم الجرح يدق في ثبات رتيب . لقد بدأ يتورم أكثر فأكثر .

وسألت الطالبة الشابة : (( أتساءل الآن عن عدد الكلاب التى صرعناها . . سبعين ربما ؟ بحيث بقى أمامنا ثمانون)) . وسأل طالب الجامعة الحرة بدوره : (( ماذا سنفعل الآن ؟)) . وقال قاتل الكلاب فى صوت الناقم:

(( أنا سأعود الى المنزل)) وعبر السياج باحثا عن أدواته . واتجهنا ثلاثتنا صوب الطريق التى تمر بأقواس القنطرة . فاقتربت من الطالبة الشابة وهى تسألنى : - (( اذن ..... يقيني أن الجرح بدأ يؤلمني)).  - (( صحيح . هو يؤلمني جدا)).  - ((يقال انه لا بد أن تلحقني ضربات من أجل ذلك . أنا ايضا)) . قلت :(( شئ فظيع كما ترين)).  وبدأت الشمس تنحدر الى الغروب . ونبح كلب بشدة . فقلت بصوت حزين  :

(( نحن نعتقد أننا صرعنا كلابا ....... كلا ........ نحن فى واقع الامر قتلنا أنفسنا)). فكشرت الطالبة عن أنياب الاسى وطفقت تضحك بمرارة قاسية . فضحكت بدورى ........ والتعب يهدنى هدا . قالت :((الكلاب قتلناها ...... لقد انهرت صرعي ونزعت عنها جلودها)).

قلت :(( نحن أيضا صرعنا ودمرنا........ لكنا نسير ....... مازلنا نمشى على الارض مرحا)) . سكتت وكأنها تبحث عن كلام انحبس فى حلقها ثم قالت :(( صحيح......  بامكانك أن تقول : إنهم عرونا من جلودنا ...... نحن أيضا))  نبحث جميع الكلاب حولنا ....... ناحت....... ارتفعت أصواتها فى صلاة الى السماء الليلية . أمعنت في نباحها المنتحب طوال ساعتين.

اشترك في نشرتنا البريدية