جلس الى رفيقه وشرع يحدثه عن سلوكهما الطائش وعن تأثيرات هذا السلوك فى نفسيتهما وفى تفكيرهما وفى الجانب الصحي... ولم يجبه رفيقه عن أسئلته وانما انصرف الى مراقبة حركات احدى الفتيات كانت جالسة بالقرب منهما بالمقهى. . . ولما نهضا التفت اليه رفيقه وقال له : - ما دمت أنت تعرف كل هذا عن سلوكنا فبادر باجتناب مساويه ؟ ولم يجبه . وقضيا نحو الساعة من الزمن فى السير بدون غاية مرسومة . وأخذ المطر ينزل رذاذا فالتفت اليه رفيقه وقال له :
- أفكرت فى شعور الفلاح نحو هذه الامطار ؟ - لا ؟ اذن أنت لست بإنسان اجتماعى؟ - لم أفكر الا في أنها تزعجني ؟ وتركه رفيقه ، وآخذ يلاحق احدى الفتيات فاشتكت به الى احد اعوان الشرطة . . ولما أخذ العون ينصحه قال له : - أنا مذنب ، كما أنى أمقت الدروس الاخلاقية . فعليك أن تحملنى الى السجن أو تترك سبيلي ؟
... ولما استفسر رفيقه عن برنامج سهرته الليلة ، أخبره بأنه سئم كل شئ وسهر هو تلك الليلة ، سهر أكثر من العادة ، الى ساعة متأخرة من الليل . وشرب كثيرا من الخمر ، بل أفرط فى الشراب . ولما لفظته الحانات الليلية فى جوف الدجى الفى نفسه يسير فى الشوارع المقفرة . . .
وأخذ يسير بدون غاية أو هدف معين ، ... ومن حين لآخر يمر شخص لسعى الى عمله ، أو آخر يغادر عمله الليل ولما أعياه المسير ترنح قليلا أمام عمود حديدى انتصب على حافة الطريق . فاقترب منه وطوقه بذراعيه ثم أسند الله خده وأخذ برنو الى قطر ثقل عليها الليل فانكمشت على عتبة باب دكان مغلق.. ولا يدرى كيف أولماذا سالت من عينيه دمعتان كبيرتان ؟ فتمتم : "ما أشقاني ؟ عماذا أبحث ؟ ما دفعنى الى هذا الارق ؟ ..."
ولما عاد الى بيته نام نوما عميقا ومن الغد قرر أن يقضى بقية عطلته عند والديه بالريف ، لان تعطله عن العمل يوتر أعصابه بالمدينة... وأحس بشئ من الاستقرار في الريف ، وبجوار أمه الحنون . وبعد أسبوع ، . . استيقظ ذات يوم بكرة فتململ على الفراش ، ثم سكن وقد اطربته زقزقة العصافير على أفنانها ، فمد يده الى المذياع وفتحه ، فانتهى اليه صوت رخيم ، يرتل بعض الآيات القرآنية . فغاص فى فراشه بعدما أسدل على وجهه الغطاء وبقى يستمع الى الصوت يمتد ثم يرتفع وينخفض ، وينقطع برهة من الزمن ليعيد الترتيل...,
ونهض بعد نشرة الاخبار الصباحية ، . وقصد القرية ، . وتجول فى أنهجها الضيقة ، الملتوية .... وتوقف أمام كتاب القرية ،... كان المؤدب قابعا فى وسط الحلقة يراقب الاطفال بعينين جامدتين جف بريقهما ، ومن حين لاخر ترتفع العصا وتهوى على رأس هذا أو ذاك فتنطلق الاصوات تختطف الكلمات وترتفع الجلبة . وعاد أدراجه الى البت ، . واتجه الى أمه وعانقها : " إنى أحبك كثيرا ؟ سأتزوج بفتاة من هنا ، من هنا ، لا أعرفها ولا أعرف عنها أى شئ ستختارينها لي أنت ، أنت ، أفهمت ؟"
وامتلك أمه من الفرح مالا يوصف : " أحقا ما تقول يا بنى ؟ واغرورقت عيناها بالدموع . أما هو ، فإنه لم تخطر على باله فكرة الزواج من قبل ، وانما هكذا ، ولاسباب خفية لم يتبين فحواها ، قرر أن يتزوج ، أن يتزوج بفتاة ريفية..؟
وقد يندم على هذا الاندفاع المتسرع .. ، وقد تخلف هذه الطفرة الجائرة ، التى اتسمت بها اردته ، مأساة كبرى ، ولكنه مع علمه بكل هذا يقدم على فعل كل شئ ... وكلما حاول التفكير بجد فى المستقبل وفى النتائج التى فى الامكان أن توجد ، ترتفع الى رأسه ذبذبة مجنونة ويغمره الافلاس فيصمت ...
أما أمه فانها قضت أياما وهى تطوف من منزل الى آخر تبحث عن الفتاة التى ترضاها لابنها الشاب .... ولما انتهت عملية الغربلة والفرز ، استقر الامر على احداهن ... وتقدم أبوه مع ثلة من " أعيان القرية " لينجزوا الاعمال التقليدية للخطوبة ...
ومضى شهر ، ... وكان يكتب لرفيقه من الريف : " ... لم يكن فى الحسبان أن أرى خطيبتى قبل الزواج ، ولكن الامر العجب هو أنها ، هى ، التى سعت الى ذلك باحتشام وبطرق ملتوية ... ، أني أراها تنزلق بين الاشجار .. ، وبجانب الساقية ... ما أجمل العفوية ؟ . أعلم أنك ستبتسم لسخافة ما أكتب . ولكنى بهذا سعيد الى أقصى حد .. ، ... وأخذت أمه تعد عدة الزواج ولكن حادثا بسيطا عطل كل شئ ...
لقد رمى بالطيش والعبث فى أحد الاسمار ... نعم رمى بالطيش والعبث ، فابتسم ... ابتسم ثم عبس فجأة وقد أحس بدبيب بارد يسرى فى دمائه وانتفض انتفاضة شديدة ثم سكن ... ولما بهت القوم شهق فى جعجعة مريرة فرمى ، مع الطيش والعبث ، بالعته والجنون ...
وشق طريقه اليها لا يلوى على شىء ... وأمسكها بين ذراعيه وكبت صيحتها بين شفتيه فى قبلة أودعها كل حرارة أمانيه ... كان يعلم ، منذ البدء ، أن هذا لايمكن أن يكون خاصة في الريف ، ... كما أن هذا العمل ، اذا ما افتضح سره ، يقود الى براز عنيف لا ينتهى الا بالموت ... ولكنه مغامر جرئ لايبالي ...
قالت له : - الا تعرف أن هذا الفعل حرام ؟ - بل هو أحل من الحلال ؟ وغادرته بعدما توسلت اليه بان يختفى عن الانظار .. ، وبقى هو ينظر اليها تغيب و ... وتنتهى ... وعاد الى المدينة للعمل ، .. واستقبله رفيقه مرحبا ... ولما سأله عن زوجته قال له بأنها ماتت في الاسبوع الثاني من الزواج ؟ ومرت الايام ... وانطفأت حرائق هذه الحادثة ، ...
واندمج في جو مفعم بفتيات المدينة ، ولم يخلف له هذا الجو الا سأما مقدما و مللا مزعجا ، ... وذات يوم أخبره أحد أبناء عمومته بالريف أن فتاته الريفية قد تزوجت بفلان " الوقور " فأحس بألم يحز فى وجدانه ، ... وعاد تلك الليلة ، الى بيته بكرة .. عاد وهو يحترق شوقا الى رؤيتها ... واشعل سيجارة ثم عب منها نفسا مديدا ... ثم أخذ قلمه وسجل مذكراته وأخذ يكتب :
" أنت الآن في مكان ما من الارض .. ، من هذه الارض الحبيبة ، ... لا أعلم عنك شيئا سوى أنك تعيشن .. ، تعيشين فى بيت ريفي أنيق . فالطبيعة تمنحك السلامة وتدفع بعناصر جسمك الغض الى الفوران ... أراك الآن كيف تقفين الى شجر الزيتون وكيف تمسكين بأوراقها الخضراء الداكنة ، فى حركة الشارد أو المحلق فى الفضاء البعيد ... أراك وقد ثقلت عليك وحدتك فتسرعين الى غرفتك وتقفين الى مرآتك : طفلة ! ...
وتعيدين ظفر شعرك الاصفر ، الناعم ، وتتزينين ؛ وتتزينين ، وتترقبين سندك ، صاحب الوقار والاصل العريق ، والاحترام ، سيدك المتدين الذى لا يعاقر الخمر ولا يدخن ولا يلبس بدلة الافرنج ، " الكفار " ، ولا يذهب الى السنما بل يحفظ الستين حزبا من القرآن الكريم ...
آه ! ما أحقرني في نظر من باعوك ؟ وما أحقرنى عندما أذكره وأعيره اهتمام الذكر ... فهو لا شئ يذكر بل هو موطن الزور والنفاق والانانية ... فإبليس يقطن تحت جبته " المحترمة " ويتنفس من بطنه المنتفخ ... "
" أنت الآن في مكان ما من الارض .. من هذه الارض ... لا أعلم عنك شيئا سوى أنك تعيشين ... ولكن كيف تعيشين ؟ اني أراك الآن .. ، أراك تنفرين من وجوده الى صدرك أكثر من نفورك لوحدتك .. ولست وحدك تنتحرين . فعلى ثرى هذه الارض آلاف من الضحايا المنتحرين ... قد يدفعك شعورك النسائى ، فى فترة من فترات خلواتك ، الى أن تبتسمى له .. ، الى أن تبتسمى له لكى توهمى نفسك بأنك امرأة ، لها زوج كما كنت تحلمين ... ولكن الابتسامة ، أراها الآن ، تغيض وتجف على محياك ، لتنفجر في أعماقك رعدة ماسخة ... " " لا أدرى لماذا أذكر الآن ... فأنت ذهبت ولن تعودى ... فأنت ماضي تناثر عليه غبار الايام والنسيان ...
أتذكرين كلمتنا ؟ كلمتنا تلك ؟ أتذكرينها ؟ لا ! انها ذهبت كما ذهبت ، ذهبت وطوتها لحظة من لحظات هذه الحياة السائرة ولكنى أعلم أن أثرها باق ما بقيت فيك أنفاس تحتلج وأحاسيس ترف ... انها كلمة لم تصنعها أحرف ، انها تهفو فتلامس ثم تغور فى القرار العميق ... انها هى التى تتلوى فى أعطافك وتدب فى دمائك النابضة ... انها هى التى ترعش أنفاسك اللاهثة وتجعل يدك تمتد الى صدرك ، الى شفتيك ، الى شعرك الناعم ... انها هى التى تجعل ذراعيك تنفتحان للنور ، للافق ، للبعد السحيق ... هى ، هى أنت فى أبعد معانيك .. ، معانى أنوثتك ... " " لا أدرى لماذا عدت الى بيتي الآن ... ؟ ألاراك ؟ لاراك أنت ... أنت التى ذهبت .. ، أنت ! نعم أنت ذلك الماضى الذى أثقله نظري . أنت ماض لم يعبر وحاضر لم يوجد ومستقبل تائه فى فراغ " " لقد أردتك ، يوما ، بكل اخلاص .. ، ورأيت فيك النبع الصافى الاصيل لقد أردتك كما أنت بيضاء ، شفافة البوح ، لاخفى أنفاسى المحترقة ... العطشى في أعطافك الناعمة . فكنت تلك الاشعاعة التى أومضت في ذاتي فأشرقت الأشراقة الكبرى ...
ولكن الصدف شاءت أن تودعينى بصوت بحه الصمت فلم تبق لي منه الا همهمات ترقص فى سراب أحلامي ... أما انا ... انا الآن ما زلت ذلك الشئ التافه الذى ترعشه انتفاضاته فيرتعد ويسكن خاوى الذهن ... " ولما انتهى الى هذا الحد أدار قلمه بين أصابعه ... ثم أغمض عينيه وأسلم رأسه بين ذراعيه وحاول النوم ولكن .....
