حكى أحد الرحالين العرب قال : فى السنين الخوالى ، نزلت بمدينة توزر ، فى تخوم الصحراء بافريقية، فمكثت بها زمنا . . وذات يوم سمعت بعضهم يسأل : متى يحين يوم الملعب؟ متى ؟ فقلت . . أصلحوا من لسانكم ! فما يوم الملعب هذا ؟ فقالوا : انه يوم مشهود . . إذا رأيت ( عروس البنفة ) يدور فى الشوارع ، فاعلم أن يوم الملعب قريب . . . ! اشهده معنا هذه السنة ، وسترى . . . فليس الخبر كالعيان !. فاشتقت له ، وقر عزمى على حضوره . ! .
كان ) عروس البنفة ( تيسا ، أسود ضخما ، شعره الطويل مخضب بالحناء ، وأشرطة الحرير ، والقماش الملون تزينه . . مدت على ظهره قطعة حمراء من الحرير كالبرذعة ، وعلى جبهته ، بين قرنيه ، أثبتت مرايا صغيرة مستديرة . !
وفي موعده الموسمى يخرج ( عتروس البنفة ) يتجول فى شوارع المدينة ، نقوده عجوز زنجية ، ظريفة التقاطيع ، ترتدى ثيابا قا نية الحمرة ، وتعتم بعمامة ناصعة البياض ، تزيد وجهها سوادا على سواد . ! ومعها فى الموكب معاون زنجي ينقر على آلته فى عصبية ، وآخر مهرج يسمونه ( بوسعدية ) ، لا ترى منه الا شبحا ، ولا تسمع الا شقشقة الحقق والحديد الذى اتخذه درعا سابغة . . وآخر يقود حمارا يحمل خرجا كبيرا من سعف النخيل ، يمتلئ بما تجود به ربات البيوت من تمر وقمح ، وديكة مربوط بعضها الى بعض تضطرب وتصيح ! ..
يدخل ( عتروس البنفة ) كل البيوت ، تقوده العجوز الزنجية ، والاطفال وراءها يهللون . . . وصنان العتروس يفوح من بعيد يعشى الابصار . ! فيتبرك النساء بعتروس سيدى مرزوق الولى الزنجى الصالح ، ويتمتمن قائلات : الشئ لله يا سيدى مرزوق . . كن معنا ومع أولادنا . . ! ويركبن أولادهن على العتروس للبركة ، ويضخخن عليه شيئا من العطر ، فتتناقص حدة صنانه ، ويقدمن للعجوز الزنجية ، ما نذرن لسيدى مرزوق من ديكة ، وتمر ، وقمح ، وجديان أحيانا . . ! .
ويمر الموكب في الشوارع تتداوله الأحياء ، حيا حيا ، ومن يومها ينصرف الشبان والاطفال ، للحديث عن يوم الملعب ، وماذا يمكن أن يقع فيه . . وما يجب له من عدة وعدد . . ويبقى الحديث حتى يحين موعده فى عشية يوم خميس . . ! .
وقبل يوم الخميس المشهود ، يقدم زنوج من مدينة نفطة للمشاركة فى المهرجانات ، فيقضون أياما ، فى حفلات تنتظم كل ليلة ، بمنزل العبيد وهم الزنوج عندهم ، وتعتمد ضربا على الآلات ورقصا وغناء . . وبخورا . . . ! وفى يوم الخميس الموعود ، عند الظهر ، واشتداد الهاجرة ، يخرج المحتفلون
جميعهم فى موكبكبير ، أصداؤه لها دوى ، ووقع فى نفوس أهل البلدة . ! وقد رأيت يومها ، بعينى هاتين ، أن الزنوج وقفوا صفين متقابلين ، بعضهم بلبس جبابا قانية الحمرة ، وبعضهم يلبسها ناصعة البياض ، وقد علق بعضهم النقارات الصغيرة بخيط فى رقبته ، وجعلوا ينقرون عليها بالعصى ، فتنبعث النغمات عصبية ، سريعة ، خببا ، فعلن ، فعلن ، فعلن : طقطق - طقطق - طقطق . . . وبعضهم أمسك بزوجين متطابقين من الصنوج الحديدية ، يوقعون بها نغمة تطابق نغمة النقارات : شكشك - شكشك - شكشك . . ويسمع السامع أصوات الموسيقى الزنجية تنبعث حارة داوية : طقطق - طقطق - طقطق شكشك - شكشك - شكشك . . . بينما أصوات الزنوج ترسل الصيحات متهدجة مهتاجة على غير الايقاع : سلام عليه بابا مرزوق . . سلام عليه بابا مرزوق . . يا بابا . . يا بابا . . ! ويرى الرائى أجساما تهتز وتتابع النغمات خطوتان الى الامام ، وخطوة الى الوراء ، والصفان متقابلان ، بينما الرؤوس والصدور فى هبوط وارتفاع . وفي كل مرة يتقارب الصفان حتى يكاد الرجل ينطح الرجل . . والاصوات ترتفع : سلام عليه بابا مرزوق . . سلام عليه !
وقد يمضون فى كلام أعجمي لا يبين . . واذا الموكب يتحرك ببطء مقيت وكأنه شد الى الارض بأوتاد . . !
وفي مقدمة الموكب " عتروس البنفة " والعجوز السوداء تقوده وترمى البخور فى كانون فينطلق الدخان ويبلغ عنان السماء فيطغى على رائحة الصنان العاتي المنبعث من الزنوج يعشى الابصار . . ! ومع العجوز فى المقدمة ، شيخ زنجي ، وقور الهيئة يحمل على ظهره شيئا كهيئة الطبل الكبير ، يتسع من الوسط ، مغلف بقماش ، ذهبت نصاعته ، تخضبه حمرة في بعض نواحيه ، وقد شده الى ظهره بحبل . . وقالوا انه ضريح متنقل للولية الصالحة : " لا لا فناوه " ، ولية زنجية ، وفيه رفاتها . . !
وفي المقدمة أيضا حاملو الرايات ، وهي خرق حريرية حوت ألوانا صارخة ، فى تنافر عجيب . . !
ويمضى الموكب غربا ، فى مواجهة الشمس المحرقة ، والعرق يسيل ويتقاطر والصنان يفوح وينتشر ، والافواه متهدجة يكسوها زبد كرغوة الصابون ، أو زبد الفحول الهائجة ! بينما جموع المتجهمرين شبانا وكهولا وأطفالا يجمعون فى حجورهم كل ما صادفهم فى الطريق من حجارة وحصى ، ومن بقايا عظام الجيف ، وبقايا الزجاج المتكسر ، وهم فى تزاحم شديد !
ويسير الموكب الداوى الى غايته ، فى طريق صاعدة بين الجبانة وقرية الشابية ، ويتوقف أمام أضرحة بعض الاولياء فيصيح الحاضرون : الشئ لله يا سيدى على . . الشئ لله يا سيدى عمار . . ! ويلتحف الموكب بالقرية ، ويقف في آخرها على مشارق المدينة . . فتظهر من هناك دورها المتدرجة اللاهثة تحت القيظ . . وتظهر من هناك دار الجندرمة الفرنسية يحتضنها النخيل ، شامخة بطابقها العالي ، والعلم ذي الالوان الثلاثة يرفرف عليها ، في كبرياء ، بأحمره وأزرقه وأبيضه . . !
وما يكاد الموكب يصل الى هناك : حتى تضيق الارض بالجموع ، ويدفع العطش بعضهم الى الجرى نحو " رؤوس العيون " ويشربون . . ويشرع الزنوج فى ذبح التيس . . فيضخون شيئا من دمه المبارك على ضريح " لا لا فناؤه " المتنقل . . . ويندفع الحاضرون والحاضرات ، فى تزاحم عجيب لاخذ نظرة من دمه للبركة . . ولاختطاف التراب الملوث بالدماء . . ! ثم يندفعون للمس ضريح الولية الزنجية وتقبيله ، والتبرك به ، بينما البخور يرسل دخانه ، والاصوات متداخلة ، متشابكة ، والكل فى هرج ومرج . . ! واذا المراقب المدني الفرنسى ، يظهر فجأة على جواده الابلق ، يحيى من بعيد ويندفع في وجهته كالسهم ، ووراءه خفراؤه ! .
وبعد كل ذلك . يأخذ الموكب منحدره نحو البلدة فى سرعة أكبر ، ويصلون الى ملاعب المراقب الفرنسى فتأخذهم الهيبة . . ولا يكاد أحد يقترب منها . . !
ثم يصلون آخر المطاف الى نخلات سيدي مرزوق ، فى ساحة قرب المستشفى وقد خف الحر ، ومالت الشمس ، فينقسم الحاضرون فريقين ، وحجورهم ملأى بما جمعوا من حجارة ، وحصى ، وعظام ، وزجاج . . ويبدأ الملعب : يهجم كل فريق على الآخر بكل ما أوتيه من حيلة وقوة وقسوة ، ضربا بالحجارة ، وبقايا العظام ، والزجاج المحطم ٠٠ وقد تتدخل العصى . . والسلاح الابيض . . . فتسيل الدماء وتشج الرؤوس . . وتكسر الثنايا والرباعيات . . وقد تحطم الضلوع ، وتكسر السوق والايدى . . ويمتلئ المستشفى ليلتها . . وتبكى النساء ، وقد تشفى من تشفى . . وأخذ بالثأر من أخذ . . ! ويتعكر صفو البلدة أياما بعدها . . فلا يكاد ساكن حي يصل حيا آخر حتى يهجم عليه من يهجم ، ويضربه من يضرب . . ويبقى الحال هكذا ثم تخف حدته ، ولكن تبقى النار تحت الرماد . . !
تفرجت على كل ذلك . . ونجوت من هول الملعب ، واجف القلب مهموما وسألت بعض من نجوت معهم : أهذا يوم الملعب عندكم . ؟ فقالوا : هو ذاك كما رأيت . ! فقلت : وما هذه البدعة التى ابتدعتموها ! ؟فقالوا : لقد وجد نا: آباءنا على أمة . . ! فقلت : لكم الله يا قوم ! أى مكر سئ حاق بكم . . وأي داية دهتكم . . عسى الله أن يفتح على بصائركم ، وأن ينزع ما في صدوركم من غل . . فقالوا : ما فى قلوبنا ، كالشجر ، ينمو مع الايام ويتطور . . ! وقد حصل ما في الصدور .
وحدثني بعض الثقاة ، من عهد قريب ، قال : ما تبدل حالهم فى غير ظاهره . . وازدادوا سوءا مع الايام . ! فقلت : لهذا قال شاعرهم ما قال عن الغباء . . ! ولهذا عاجلته المنية ، ومات المسكين ، متضخم القلب ، مكروبا !

