كان (( ديلول )) رجلا يتمتع بسرعة البديهة ، والذكاء المتوقد ، والفطنة الخارقة ، والقدرة الفائقة على الكلام ومخاطبة الناس . . الشئ الذي مكنه من ان يحتل مكانة مرموقة حفظت له اسمه بين الاجيال . . و(( ديلول )) هذا كان منميا من منطقة لبراكنة ( الولاية الخامسة ) يسكن فى جنوب موريتانيا على حدود ( الولاية السادسة ) ويوجد الآن ضريحه فى موضع يسمى ( غرد الزبد ) قرب ( الطويلة ) التى تبعد 17 كيلومترا شمال شرقى العاصمة ، على حد قول مقابل اقوال أخرى مختلفة .
وقد حفظ التاريخ لصاحبنا طرائف وملحا وحكايات خفيفة وحكما كثيرة ، يرددها الاطفال ، ويتسامر بها الشبان ، وتحتل الصدارة فى مجالس الكهول ...
والحقيقة ان الناس قد بالغوا كثيرا فى الحكايات الشعبية المنسوبة الى (( دييلول )) حتى انك تصادف فى كثير من الاحيان اساطير خرافية وخارقة للعادة ، وحتى غير طبيعية تنسب الى شيخنا الوقور . . وذلك ان كل انسان يسمع عن(( ديلول )) قصة ، فيغير صيغتها حسب ما يحلو له ويضيف عليها من خباله ما شاء الله . . الا انه من المؤكد ان اكثر الحكايات التى تتردد الآن فى الاوساط الشعبية الموريتانية والتي تنسب اليه صحيحة أصيلة . وان كانت قد اجريت عليها تعديلات كثيرة . . والجوهر هو الجواهر ..
كان (( ديلول )) بالاضافة الى الصفات التى ذكرنا آنفا ، يتمتع بخيال خصب ، وهو يمثل بصدق البدوى الحقيقى ، فهو قوى الملاحظة ، دقيق الفطنه ، حاضر البديهة . . وفيما يلى تقدم للقراء بعض الحكم التى تنسب الى (( ديلول )) والتى نعتبرها واقعا او قريبة من الواقع . .
* يحكى أن شيخنا الذي قضى زمنا طويلا راعيا ومنميا للغير ، يتعب ، و يكد ويجد ، مكبوت الحرية محتقرا ، قد حصل على ناقة بعد معاناة طويلة ، فلما حلبها وضع لبنها فى اناء وذاقه على مرآى من الجميع وهو ينظر يمينا وشمالا ويهز رأسه ويقول :
(( سبحان الله ! ما احلى هذا )) . والحقيقة ان هذا اللبن ليس أطيب طعما من لبن النوق لدى الجميع ، وليست هذه هى أول مرة يتذوق فيها (( ديلول )) من الابل لانه يعمل راعيا للابل ، كما ان ديلول لم يكتشف بالقطع طعما جديدا أخص الله به لبن ناقته عن باقى النوق الاخرى ، ولكن الرجل الحكيم اراد فقط ان يلفت الانتباه الى حلاوة ذلك الطعم الذى لا يتذوقه الانسان الا فى ماله الذي حصل عليه بعرق جبينه بعد كثير من التعب والعمل والجد والكد والمعاناة . . .
* ويحكى ايضا ان جماعة من اهل العلم والمعرفة سألوا حكيمنا ذات يوم عن اداء الصلاة هل هو افضل قبل الوقت العادى ام بعده ؟
فما كان من ( ديلول ) الا ان اعتدل فى جلسته مثل الفقيه الخبير وكأنه يحاول ان ينسق شتات معلومات متناثرة فى زوايا مختلفة من ذاكرته ، واذا بالجواب حاضر عنده بديهى لديه :
(( اعتقد ان اداء الصلاة افضل بعد الوقت العادى ، لان موقفكم هذا قريب من موقف من يبحث عن ضالته . . فاذا جاء من ورائها كان من السهل عليه ان يصادف اثرها فيسلكه فيكون عثوره عليها مؤكدا او شبه المؤكد اما اذا جاء من أمامها فيكون أمله في العثور عليها ضئيلا شبه مستحيل . . وعليه فاننى اعتقد انه من الافضل اداء الصلاة بعد الوقت العادى )) فدهش الجميع لحكمة شيخنا وسرعة بديهته وجوابه (( المقنع )) !

