كان عبد الناصر وطنيا عربيا حياديا وضد الغرب فى أعماقه ، بينما كان بورقيبة يفضل اتحادا مغربيا ويعجب بالحضارة الغربية .
تعرض الوطن العربي في القرن التاسع عشر لموجة عاتية من الاستعمار ، وكافحت شعوبه فى سبيل حريتها واستقلالها ، وكان لكل دولة من الدول العربية دورها البارز المميز وظهرت في كل منها زعامات كانت لها برامجها وكان لها اسلوبها ونظرياتها الخاصة فى تحقيق هذا الاستقلال وهذه الحرية
وكانت تونس احدى هذه الدول التى تعرضت للاستعمار فى العقد الثامن من القرن الماضي وكافحت ضد هذا الاستعمار كفاحا مريرا طويلا جدا ، وظهرت فيها زعامات واحزاب كان لكل منها برنامجه ولكل منها رجاله ومهما
اختلف هؤلاء الزعماء وهذه الاحزاب فى اسلوبها فى العمل وفى نظرياتها فى الكفاح فانها اتفقت جميعا فى شىء واحد وهو العمل من اجل استقلال تونس.
والحبيب بن على بن الحاج محمد بورقيبة كان احد هؤلاء الزعماء الذين ظهروا فى تونس والذى نالت تونس على يديه استقلالها ، وكانت له نظريته المشهورة به وأسلوبه الخاص الذى عرف به فى كفاحه وموقفه الخاص تجاه المشاكل والمواقف التى أحاطت بتونس.
وبورقيبة لا زال على قيد الحياة ، ومن ثم فلم يكتب للبورقيية بعد الفصل الاخير منها ولكننى فى مقالي هذا انما احاول ان القى ضوءا على تلك الفترة من حياة بورقيبية ، الفترة التى كان يصارع فيها المستعمر وخاصة فى الاربعينات والخمسينات من القرن الحالى والتى انتهت باستقلال تونس فى 20 مارس سنة 1956 م .
ولد الحبيب بورقيبة فى الثالث من أغسطس سنة 1903 فى بلدة المنستير وهي قرية صغيرة فى منطقة الساحل حبتها الطبيعة بجمال أخاذ وتكثر من حولها أشجار الزيتون وعرف سكانها بالجد فى العمل واشتهروا بالذكاء والاعتداد بالرأى ، وكان احد افراد عائلة متوسطة الحال فابوه كان ضابطا فى حرس الباى وكان اصغر اخوة ثمانية ولذا فقد كانت الحالة المالية لابيه غير ميسرة فنشأ بورقبية فى بيئة هي اقرب الى الفقر منها الى الغنى فنشأ شديد الاتصال بالفقراء وأصبح شعوره بآلام الفقراء وشواغلهم وآمالهم مصدر ثورة ضد التخلف والبؤس واستغلال الانسان لاخيه الانسان واصبحت ثورته ضد المستعمر هى ثورة رصينة من اجل الخير واصبحت ثورة هادفة تحرص على البناء من اجل الانسانية "1"
وكان فقدانه لابيه منذ الصغر واصابته بالمرض وهو طفل ذلك المرض الذي لازمه فى حياته قد جعل منه كتلة من المشاعر الانسانية مكنته منذ أن صار قائدا للحركة الوطنية من دراسة نفسية الشعب التونسي فى تلك الجولات الطويلة التى كان يقوم بها فى البوادى والقرى والمدن كما دفعته الى دراسة علم النفس وهو يدرس فى فرنسا فاعطته هذه الدراسة نوعا واضحا من المرونة
ظهر فى علاقته بفرنسا وفى صراعه معها من اجل حرية تونس( 2 ) وفي تعبئة الشعب التونسى وتخليصه من عوامل اليأس والقنوط اللذان كانا يسيطران عليه وفى تنظيم صفوفه (3 ) وفي اصداعه بالحقيقة كلها سواء فيما يتعلق بمواجهة الاستعمار او اثناء الاتصال بالجماهير الشعبية(4 )
ولم يقتصر الامر على فقدان أمه بل فقد أباه ايضا وهو صغير فاعتنى به أخوه الاكبر محمد وارسله الى مدرسة القرية ثم الى المعهد الصادقي وهو المعهد الذي كان قد أنشأه خير الدين باشا ومنه تخرج العديد ممن حملوا لواء الحركة الوطنية فى تونس ومنهم البشير صفر وعلى باش حامبه . فاحرز شهادتها وهو فى الثامنة عشرة من عمره وارسله اخوه الى الليسيه كارنو وهي مدرسة أقامها الفرنسيون فى تونس لتعليم اللغة والثقافة الفرنسية وبعد ان حصل على درجتها العلمية فى عام 1924 ذهب الى الجامعة فى باريس وهناك درس القانون والعلوم السياسية والمالية (5 ) وقرأ سير عظماء الرجال وخاصة فيكتور هوجو ، وكان لهذه الدراسة أثر فى فكره وفى شخصيته فأصبح شاعرى المزاج وأغرم بمنطق اللغة الفرنسية وفكرها وأشرب بالثقافة والحياة الفرنسية وحب رنا فأصبحت تصرفاته وسلوكه تخضع للمنطق ولحاسة الاتساق والانسجام وبرزت اطماعه ومثالياته من فكر خيالي منطلق ، وكان يعتقد في الطبيعة البشرية الخيرة ويعتقد بوضوح أن الانسان من السهل جعله يدرك الاسباب بالاقتناع والتعليم ولذا فقد تصرف في ايمان وصبر مع هؤلاء الذين لم يشاركوه رأيه (6 )
ومع أن بورقيبة كان قد تشبع بالثقافة الغربية والفرنسية منها بوجه خاص فانه كان يدرك جيدا تيارات الفكر والعقائد التى كانت تسود المنطقة العربية والاسلامية ولم يكن يرغب فى أن يفصل نفسه عن هذه البيئة ، ولكنه كان يحاول التقاء العالمين الاسلامى والغربى ومن ثم فقد عمل على تفسير وتأويل معتقدات الشعب التونسى بما يتوافق مع الحضارة الارويية المعاصرة.
ومنذ نعومة أظفار بورقيبة وجد نفسه مشاركا فى احداث بلده وصراعها مع الاستعمار فقد اختار طريق الكفاح وهو لا يزال صبيا غضا وشابا يافعا فعندما كان في الثامنة من عمره شهد بعينه البوليس الفرنسي يسوق افرادا من الشعب التونسي الى المقصلة والى السجون اثر حوادث الزلاج عام 1191 عندما حدث هياج لقيام فرنسا بمسح مقبرة سيدى محمد الزلاج وظن الناس ان السلطات انما تريد الاستيلاء على الارض ، وعندما كان طالبا بالمعهد الصادقي شهد جماهير الشعب التونسى تقف بجوار الباى محمد الناصر في صراعه مع الاقامة العامة في سنه 1922(7)وبعد ذلك بمدة قليلة عطل المقيم العام صحيفة الصواب فثار بورقيبة وهو لا يزال طالبا وكتب رسالة بحط يده الى المقيم العام يحتج فيها علي هذا العمل وكان ذلك طريقه الى صفوف الحرب الدستورى(8)
عاد الحبيبب بورقيبة من فرنسا عام 1927 ومعه ابنه الحبيب الابن الذى ولد له في باريس من زوجة فرنسية ليعمل في المحاماة بنجاح وليكتب بنشاط فى صحيفة اللواء التونسي" l'etendard tunlshen عاد ليجد امامه معركة طويلة شاقة وليجد نفسه وحيدا فى الوقت الذى كانت قلة من اصحابه ترتجف واليأس يخيم على النفوس ومع ذلك فلم يمت الامل فى نفسه فقد كان خطيبا مفوها وشجاعا لا يشق له غبار وسرعان ما ظهر سحر شخصيته وعظمته فاحبه كثير من التونسيين ، وكانت كل كارثة يتعرض لها يخرج منها أكثر صلابة واشد عودا فيزداد حب الشعب التونسى له لان النصر حينذاك كان يبدو فى نظر الشعب اكثر احتمالا ( 9 )، والحقيقة أن بورقيبة كان شديد الثقه بنفسه معتدا بها إلى حد كبير واصل كفاحه فى صبر واناة حتى نالت تونس استقلالها بعد كفاح دام ثمانية وعشرين عاما .
كان بورقيبة يريدها معركة سلمية بعيدة عن التخلف والعنف فى مقاومة
الاستعمار وذلك حتى يجعل من الفرنسيين اصدقاء لا أعداء يعاملهم بما تملية الشيم العربية من كرم وتعال عن الظلم 10) (
ولما كانت تونس تعاني في الثلث الاول من هذا القرن من يأس وقنوط وشك في قدرتها على التحرر وعلق بكثير من اهلها مركبات اليأس والاحتقار التى تحول بينهم وبين التخلص من الاستعمار فقد رأي بورقيبة انه لا بد من الاتصال بالشعب فى كل انحاء البلاد لبث الوعى فى قلوب الجماهير ولزرع الثقة فى النفوس فالتطرف المصطنع فى نظره والذى يبدو للعين خلابا مغريا احيانا في ظاهره ينطوى فى الحقيقة على شر مستطير لان الياس والقنوط يدعو الناس الى التغالي والمطالبة بالاستقلال التام ونسيان ان هذا سيكلفهم الكثير لانهم قد يثيرون حربا ضد فرنسا قد لا يستطيعون تجنبها ومعرفة نهايتها ، اما هو فكان يدرك مغبة هذا الامر فلم يترك للعاطفة سلطانا على نفسه ولم يرد ان يرمي بالشعب التونسي الى مغامرة يائسة ولم يرد ان يدفع به الى ما لا طاقة له به ( 11 )
من اجل ذلك كان تأسيسه للحزب الدستورى الجديد فى الثاني من مارس سنة 1934 بعد ان انشق على صفوف الحزب الحر الدستورى القديم اثر خلاف فى وجهات النظر واسلوب العمل بينه وبين رجال اللجنة التنفيذيه لهذا الحزب، ومن اجل ذلك كانت له نظريته المشهورة فى الجهاد ، وكان له اسلوبه الخاص فى الكفاح .
ان بورقيبة لم يقبل مبدأ( الكل أو لا شئ ) ولم يرد ان يجازف بكيان الامة فبخاطر بتعريضها للعسف والقهر وانما امن بما اعتبره سياسة المراحل وساسة الحلول المنقوصة ولكنها مراحل وحلول ثورية (12 )
والبورقيبية ليست كما يظن كثير من الناس (خذ وطالب ) فهذه السياسة بعيدة عن المنهج الذى اتبعه الحبيب بورقيبة لان رأى أن (خذ وطالب) انما يعنى خذ اى شىء وطالب بالمزيد كيفما اتفق وهذا فيه قدر كبير من الفوضى يباعد بين الرجل الذى يعرف هدفه جيدا وكيف يصل اليه وبين تحقيق هذا الهدف وذلك أن بورقيبة عرف كيف يدرك هدفه جيدا ورأى أن تونس مثلها مثل بقية الدول العربية فى حاجة الى انقاذ وبعث وعرف ان الحرية التى ينشدها لتونس تستوجب منه وممن حوله الجهد وتنظيم هذا الجهد والسير فى مراحل مرحلة بعد مرحلة بشرط توقيت هذه المراحل التى يحقق بها هذه الحرية ( 13 ) والسياسى الناجح فى رأى بورقيبة هو ( الذي يعقد العزم للوصول الى هذه الغاية ، فيسخر لها عصارة عقله ، وينجح فى جمع الرجال من حوله للكفاح من أجلها ، ويواصل هذا الكفاح دون ما كلل او ملل الى النصر النهائى) ( 14 )
البورقيية كما يقول بورقيبة هى طريقة والطريقة عنده أولا شخصية اذ لكل انسان تصوره النابع من نفسه ومن مداركه ومن اخلاقه وهى لتكون اقرتب الى النجاح فلا بد ان ترتبط بالوضع الذي يريد الانسان تغييره وهى ثانيا موضوعية اذ الواقع يوحى بها لصاحبها ثم ان عقله يصوغها ويصقلها وبالتفاعل بين الاثنين يجئ المنهج الصحيح وبعد ذلك تحتاج طريقة الكفاح الى مبدأ ننطلق منه وغاية تهدف اليها وقيم تشحد العزائم وتكسب الهدف والغاية طابع المشروعية وهي فى هذه الناحية تختلف عن العمليات الحسابية، فالبورقيبية لم تكن الا نظرة للانسان واعتبارا لكرامته ولم تكن الا طريقة لمعالجة الواقع وتغييره بالتدرج للوصول الى الغاية الواضحة المنشودة وهى استقلال تونس فاذا لم تكن لهذه الطريقة معرفة بأحوال تونس وما فيها من تفاوت واضح بين امكانياتها وامكانيات فرنسا الكبيرة ، واذا لم تكن هناك ارادة صارمة لتغيير هذا الواقع تدريجيا والثبات فى الكفاح واستمراره حسب خطة تربط المراحل بعضها ببعض وتجند العزائم والهمم عن طريق الدعوة المستمرة وتنمى الاعتقاد والاقتناع بالنجاح عند كافة المناضلين ، اذا لم يكن لها كل هذا فانها تصبح - فى نظره - طريقة عقيمة مآلها الفشل ( 15 )
وقد وجد بورقيبة لطريقته هذه ولاسلوبه فى الكفاح معارضين اتهموه بانه يقبل وجود الحماية وما دام قد قبل الحماية والاتصال بالخصم والتعاون معه والحماية ما زالت قائمة اذن فهو فى نظرهم خائن وطريقته غير مفهومة ويرد عليهم بورقيبة بان هؤلاء عندما كانوا لا يعترفون بوجود الحماية كانت هي موجودة فعلا وكانت فرنسا تسلط عليهم القمع والارهاب فماذا صنعوا ؟ انه يرى فى طريقته وفي اسلوبه فتحا لثغرة فى صفوف الاستعمار لا بد وان تتسع كي يزول هذا الاستعمار فى النهاية وعندئذ تنال تونس استقلالها ، وانما كل ما يلزمه ويضمن له النجاح هو ان يجمع كلمة الشعب التونسى ويداوم الحوار مع فرنسا ويستخدم السلاح وقت الحاجة بشرط أن يكون استخدامه الى نقطة معينة يفسح بعدها المجال للعمل الدبلوماسى وكل ما يلزمه فى سلوكه هذا هو طول النفس والصبر والقدرة على القتال والقدرة على ايقاف القتال عندما تدق ساعة السلم وعدته فى ذلك الرجال عددا وقيمة ( 16)
وقد بدأ الحبيب بورقيبة بعد عودته يكتب فى الصحف حتى يجمع كلمة الجماهير ويوقظ وعيها وينظمها فى شكل حزب ينتظم صفوفها فيكون بذلك قاعدة نضالية ضرورية لمصارعة فرنسا ، وفي كتاباته هذه حدد مطالبه ومطالب البلاد في حذر وكياسة حتى يجعل هذه المطالب معقولة ومقبولة من الفرنسيين وحرص في هذه الكتابات وفي المؤتمرات الصحفية التى عقدها الا يصارع الكبرياء الفرنسي وانما اخذ يتملقه ويترضاه ليسهل عليه الاعتراف بحقوق التونسيين والتسليم بها وليحفظ للفرنسيين - كما يقول - كرامتهم حتى لا يشعروا بالهزيمة ( 17 ) كما بدأ يتصل بالجماهير ويجوب البلاد بواديها
وقراها ومدنها حتى جمع صفوف الشعب التونسى فى حزب جماهيري هو الحزب الدستورى التونسي الجديد الذي نما بسرعة حتى اربت شعبه فى سنه 1937 على الاربعمائة وأصبح عدد أعضائها يزيد عن السبعين الفا ، وصار تأثيره على شباب المدارس وطلبة جامع الزيتونة كبيرا ، ونظم الحزب الشباب في شكل منظمات وحركات كشفية وشجع الحركات العمالية واعتبرها من اجل مظاهر الكفاح التحررى وعارض التفريق بين الطبقات حفاظا على الوحدة القومية من التصدع ، وهو فى ذلك يخالف الاحزاب القديمة التى كانت لا تختار رؤساء الشعب الا من أبناء الذوات فى المدن والعاصمة والتي كانت ترى أن الشعب التونسي يجب ان يبقى بعيدا عن المناقشات السياسية فذلك اضمن له والمصالحه (18 ) كما انه كان يرى أن الاخذ بأسباب النجاح انما هى ضرورة ولا يكون ذلك الا اذا كانت الامة يدا واحدة فاذا حدث حادث فى بلد يجب ان تشعر به غيرها من المدن والقرى بعكس الحال التى كانت عليه قبلا ( 19 )
سار الحبيب بورقيبة فى كفاحه فى اتجاه معين امن به كل الايمان وحرص عليه طوال هذه الفترة وهو ان تونس لن تنال استقلالها الا بمساعدة ومعاونة فرنسا فهو يرى أن الزعيم الذي يقود بلاده فى سبيل الحرية يجب عليه ألا يغذى شعور العداء عند مواطنيه ضد المستعمر لان شعور الحقد ضد الاجناس انما هو وليد مركب التفوق والاحتقار وما دامت تونس تجاهد في سبيل حرية وكرامة الانسان اذن فلا داعي لاثارة الحقد لاى شعب كان ومن اجل ذلك حرص على أن يخاطب الشعب الفرنسى وان يشرح له أن تونس لا تضمر له حقدا أو كرها وانما هي بلد يقاوم استعمار مفروضا ولدته مركبات العظمة ودعمتة مصالح فئة جشعة ، والشعوب يجب أن تتعاون دائما فى سبيل الحضارة
ولتحسين ظروف الحياة ولذا فان تعمد دولة الى وسائل القهر لتمكن نفسها من العيش الرغد على حساب الآخرين انما هو ضد الحضارة وضد كرامة الانسان ( 20 ) فهو يرى انه لا يدافع عن كرامة شعب تونس فقط انما يدافع عن كرامة البشرية كلها ( 21 )
وابتدأ الحبيب بورقيبة جهاده بالاتصال بالشعب التونسي ليعرفه بحقيقة وضعه وكبنيه الى الخطر الذى يهدد كيانه بسبب سياسة فرنسا فى السيطرة على الجهاز الاداري من القاعدة الى القمة ، وسياستها الاقتصادية التى نقلت ملكية الكثير من الاراضى الزراعية الجيدة والكثير من مصادر الانتاج الى يد فئة من المهاجرين الفرنسيين ومنحتهم الامتيازات العديدة بينما الشعب يتضور جوعا ، وسياستها الاجتماعية التى عملت على القضاء على مقومات الشخصية التونسية باتباع سياسة التبشير سعيا وراء تنصير الشعب التونسي واتباع سياسية تقضى بتجنيس الشعب التونسي بالجنسية الفرنسية والعمل على نشر التقاليد والعادات الغريبة بين النسوة التونيات وذلك تمهيدا لسياسة خبيثة تعتمد على ادماج تونس في جسم الدولة الفرنسية ( 22 ) كما دأب على الاتصال بالفرنسين لاقناع غلاة الاستعماريين وزعماء المهاجرين للتخفيف من غلوائهم والتنازل عن بعض امتيازاتهم ولاقناعهم كذلك بأن فى التفاهم مع التونسيين والتعاون معهم سلاما لهم وحماية لمصالحهم وضمانا لها اذا ما اقرر هؤلاء بأحقية التونسين فى ادارة شؤونهم الخاصة بأنفسهم ، ولاقناع المعتدلين منهم ايضا بعدالة القضية التونسية ولكسب الانصار والمؤيدين لها ومن خلال ذلك تبين انه من الضرورى أن يحرص على مناصرة الصحف اليومية الفرنسية وخاصة الصحف التقدمية وذلك حتى لا يجد الرجعيون الفرنسيون صحيفة يروجون فيها آراءهم العقيمة . ( 23 )
لم يقف الامر عند هذا الحد فان يكسب الرأى العام الفرنسي ليس كافيا ، وانما وجد ان قضية بلاده فى حاجة الى الرأى العام العالمي فحرص على توفير
الاسباب الخارجية لنجاح الكفاح التونسى فكانت رحلاته العديدة الى مصر والبلاد العربية وباكستان والهند وأندونيسيا ثم الولايات المتحدة وانجلترا وفى كل هذه الرحلات والزيارات خطب وكتب فى الصحف وحضر المؤتمرات وعقد الندوات لشرح قضية بلاده وكسب الانصار لها حتى اذا ماجد الجد كانت فرنسا فى مأزق وحينذاك يستطيع أن يحاصرها فى الداخل ومن الخارج بعد ان يكون قد جذب الى صف قضية بلاده المعتدلين من الفرنسيين وخفف من غلواء طغاتهم ( 24 ) .
وبقدر ما كان بورقيبة يخوض معركة التحرير بنشاط بقدر ما كان يحرص على البناء فى نفس الوقت والعمل على بناء المجتمع التونسى على أسس جديدة مرجعها القضاء على الفروق الطبيعية وعلى اساس من التطور والسير الحثيث فى طريق الحضارة (25)
واتخذ الحبيب بورقيبة من معاهدة الحماية التى ارغم الباى محمد الصادق على توقيعها فى 12 مايو سنة 1881 نقطة بداية لكفاحه وقد كانت هذه المعاهدة هى الاطار القانوني والسياسى الذى اندرجت فيه الخطة البورقيبية منذ البداية فمفهوم هذه المعاهدة انها نظام وقتى مفروض إذ انه يرمي أولا الى تهيئة الظروف التى تمكن تونس من الاستقلال بعد فترة كما انها تتضمن تعهدا من فرنسا بحماية الباى وعرشه وضمان امن وسلامة تونس ( 26) ولكن هذه المعاهدة سرعان ما حولها الفرنسيون الى حكم مباشر والى استعمار توطيني فرأى بورقيبة انه من الضرورى ان تكون ( المرحلة الاولى من اهداف الكفاح هى الرجوع الى منطوق معاهدة الحماية ومفهومها مما يساعد على تحرير تونس من ربقة الاستعمار والحكم المباشر ( 27 ) وهذا هو الذي جعل بورقيبة ينادى بأن تونس تسعى لنيل حريتها على اساس من التعاون الحر بين تونس وفرنسا ويتم ذلك عن طريق بناء العلاقات بين البلدين على اساس من المساواة وهذا لا يتنافى مع معاهدة الحماية .
وهكذا برزت فى البورقيبية سمات خاصة فهي واقعية تعترف بالوضع القائم وتجرد الحماية مما علق بها من الهيمنة الادارية والاستغلال الاقتصادى وهى تعتمد على المعقولية لانها تتبع اسلوب الاقناع مع المعتدلين الفرنسيين وتذكر فرنسا برسالة التمدين ورفع مستوى الشعب التونسى الذى تعهدت به في معاهدة الحماية وهي تدعو الى التعاون المثمر مع فرنسا وتعمل الى الحوار والاتصال المباشر معها (28 ) ولذا كانت البورقيبية مرنة بعيدة عن التحجر ويوضح هذا بدوره ما يعرفه البعض عن البورقيبية بأنها سياسة وخطة المراحل او الحلول المنقوصة وهي عند بورقيبة حلول منقوصة ولكنها حلول ثورية فمرحلة تؤدى الى مرحلة تالية ومكملة لها فى تتابع مستمر من اجل الوصول الى الهدف وهو الاستقلال التام لتونس فى كنف المساواة والتعاون مع فرنسا .
ولكن ما الذى جعل بورقيبة يلجأ الى هذه السياسة . سياسة الحلول المنقوصة الثورية!؟ ان الذى دعاه الى ذلك ثلاثة أمور.
أولا : هو التفاوت الواضح بين قوة فرنسا الكبيرة وقوة تونس الضئيلة بالنسبة لها مما جعل تحقيق المطالب دفعة واحدة امرا صعبا .
وثانيا : ان الحل المنقوص ما دام يؤدى ويوصل الى خطوة نحو الامام فانه سيؤدى فى النهاية الى الحل الكامل.
وثالثا : انه لم يرد ان يغلق باب المستقبل فيحول بين تونس ومواصلة المسير ولم يرد ان يجعل من تونس بلدا عدوا لفرنسا بل اراد ان يجعل منها صديقا يمد له الفرنسيون يد المساعدة فى المستقبل فتونس بلد صغير فى حاجة الى البناء بجانب معركة التحرير والى اكمال هذا البناء بعد اتمام هذا التحرر وهذا يجعل بلدا مثل تونس فى حاجة الى دولة متحضرة مثل فرنسا .
ولتوضيح هذه السياسة نرى أنه عندما عرض فوازار اصلاحات 4 مارس سنة 1954 رفضها بورقيبة لانها كانت تحمل فى طياتها ازدواج السيادة فى تونس وبذلك فهى تصد عن المسيرة ، اما عندما صرح منداس فرانس في 31 يولية سنة 1954 برغبة فرنسا فى منح تونس استقلالا ذاتيا قبل بورقيبة الدخول معها فى مفاوضات الان هذا التصريح فتح أبواب المستقبل (29)
واعتمد بورقيبة فى تنفيذ خطته والامساك بزمام القيادة طوال هذه المدة على قوة شخصيته وعلى فكره وعلى تجاوبه مع آمال الشعب وآلامه ووعيه السياسي ووقوف كوادر الحزب الدستورى حوله حين كان يتعرض للمحن مثلما حدث فى التاسع من أفريل سنة 1938 عندما قبض عليه وقدم الى المحاكمة والقى في السجن ووجد نفسه وحيدا منعزلا إلا من حب الشعب الذى امن برسالته وبقدرته على مواصلة الحوار والتفاهم مع الفرنسيين على أساس من الصراحة لتبديد سحب سوء الظن وتقريب المسافات ووجهات النظر واكتساب جو من التأييد والثقة حول الحزب والحصول على معاونة ومساعدة الفرنسيين المعتدلين ( 30)
وكانت اذا ما حانت فرص التفاهم مع فرنسا ينتهزها فمثلا عندما جاءت حكومة الجبهة الشعبية الى الحكم فى فرنسا سنة 1936 وأمل منها الخير وانتظر منها الكثير رحب بها وبتصريحات الوزير فيانو التى كانت تفتح الباب امام مشاركة التونسيين فى ادارة شؤون بلادهم الداخلية واراد اجراء الحوار مع الفرنسيين ولكن سرعان ما سقطت هذه الحكومة وخاب ظنه وظهر تعنت وتصلب الجالية الفرنسية فى تونس فقامت الاضرابات وحوادث الشغب وانتهت بالقبض عليه فى 9 أفريل سنة 1938(31)
ولما قامت الحرب العالمية الثانية ونزل المحور بأرض تونس وظن رجال الحركة الوطنية اثناء غياب بورقيبة فى سجون فرنسا ان النصر سيكون للمحور ومالوا اليه والى التعاون معه نكاية فى فرنسا وجدنا ان بورقيبة كان لا يزال يثق فى فرنسا وفى أن النصر سيكون حليفا لها ولحلفائها وارسل الى الحبيب ثامر رئيس الديوان السياسي للحزب الدستورى رسالة من منفاه فى الثاني من اغسطس سنة 1942 يدعوه هو ورفاقه الى عدم التعاون مع المحور والاستمرار فى التعاون مع فرنسا والثقة فيها فهي التى ستنتصر في النهاية (32)
واذا ما أخرجه هتلر من سجنه أملا فى جذبه الى صف الالمان والايطاليين واذا ما حاول موسولينى اغراءه فى التعاون مع الايطاليين اشترط اعلان استقلال تونس الكامل أولا ثم أذاع من راديو بارى رسالة الى الشعب التونسى يدعوه الى التعاون مع فرنسا (33 ). وفي مايو 1943 كتب يدعو فرنسا إلى مد يدها نحو تونس ويدعو لتكوين ( كتلة تونسية فرنسية )( 34 ) ولكن فرنسا خيبت ظنه بل وطلبت القبض عليه وقت الحرب فخرج من تونس الى مصر والشرق العربى وبدأ ظنه يخيب فى فرنسا بعد ذلك فاعلن فى يناير سنة 52 تراجعه عن هذه السياسة واعلن مؤتمر الحزب الذي عقد فى يناير سنة 1952 ( ويؤكد المؤتمر انه لا يتسنى التعاون الودى والمثمر بين البلادين ( هكذا ) فى الميادين الثقافية والاقتصادية والدفاع الا بانهاء الحماية واستقلال البلاد التونسية وابرام معاهدة ود وتحالف على قدم المساواة) (35 ) واعلنها بورقيبة على اثر ذلك ثورة عارمة لزعزعة حياة الاطمئنان فى قلوب الجالية الفرنسية فى تونس ومحاولة الحاق ضربة بفرنسا وتقدم بشكوى الى هيئة الامم فى 18 يناير سنة 1952 واهتزت فرنسا لهول الصدمة (36) ولجأ ايضا الى المناورة فاعلن من من منفاه فى جالطة انه سيضع حدا لهذه المعركة اذا ما عادت الحكومة الفرنسية الى احترام المعاهدات والقيم الاخلاقية والتزمت الحد الادنى من العدالة فى النهاية ولكنها اذا لم تفعل ذلك فلن يلقي الشعب التونسى سلاحه ( 37 ) ثم إذا جاء منديس فرانس فصرح في 31 بولية سنة 1954 بأن فرنسا لا تمانع فى اعطاء تونس استقلالها الداخلى القى بورقيبة السلاح ودخل مع فرنسا فى مفاوضات وعادت اليه الثقة واستعد لتناسي كل الآلام وانواع الحرمان وضروب التضحيات فهى لا تمنعه من تحية العهد الجديد الذي انبثق بين تونس وفرنسا بكل تفاؤل وامل (38)
وكانت لبورقيبة مواقف خاصة فيما يتعلق بالقومية العربية والوحدة المغربية والشيوعية فهو على خلاف عبد الناصر الذى كان يرى أن الصراع من اجل الوحدة العربية والقومية العربية وربط اجزاء الوطن العربي التى تمزقت خلال مراحل التاريخ هو المطلب الاسمى له بينما كان بورقيبة يرى أن هذا ليس امرا سهلا فهو يؤيد القومية العربية ولكن على اساس أن تكون هناك رابطة تقوم على اساس المساعدات التبادلية وفي صورة اتحاد كونفدرالي كالجامعة العربية وهو لا ينكر ان تونس كانت عربية واسلامية فى حضارتها وتراثها لمدة ثلاثين قرنا من الزمان ولكنه يقول ان مكان تونس الحقيقي هو مع الغرب (*) فهو الذى يدافع عن الانسانية وعن الحرية والعظمة وبرغم كل اخطاء الغرب فانه ( اقل الضررين ) فالحقيقة ان بورقيبة الذى تعلم فى فرنسا وتأثر بثقافة الغرب واتجاهات حزب اليسار الفرنسى ونمت عاطفته مع الفرنسيين كان لا يخفى استخفافه بما كان يتلقاه المصريون من علوم بالمقارنة بهذه الثقافات ولم يرتح فى مصر والبلاد العربية لانه وجد أناسا يختلفون عنه فى فهم الاستعمار ولم يستطيعوا ان يستفيدوا من استقلالهم.
ثم أثبتت حوادث بنزرت سنة 1961 ان بورقيبة لم يكن دائما على صواب في هذا الرأى وفى اتجاهه نحو الغرب اذ قامت المعارضة ضده فى تونس وهوجم في تحالفه غير الطبيعى مع الغرب ودفع الى اتخاذ موقف اكثر واقعية وخاصة حينما ابدى عبد الناصر استعداده لامداد بورقيبة بالاسلحة والمتطوعين مما ادى الى انكشاف السحب التى كانت تخيم على الجو العربى لتونس ولكن ليس معنى ذلك انصراف بورقيبة عن فرنسا فقد ظل صديقا لها ولم يفقد ثقته فيها مهما كانت المعارك تشتد معها .
وكان بورقيبة يفضل على القومية العربية كما ارادها عبد الناصر وحدة مغربية ، وفي مقدمة الدستور التونسى (الجمهورية التونسية جزء من المغرب
الكبير وتعمل من اجل وحدته فى اطار المصالح المشتركة) ( 39 ) وكان يرى ان فى اقامة مغرب كبير يضم كل دول الشمال الافريقي انتصارا للمغاربه وقوة لهم ونموا مطردا ( 40 ) ومن اجل تحقيق فكرة المغرب العربي ظل بورقيبه مستعدا لاى مفاوضات ولكسر اية حواجز تقف في وجه الوحدة المغربية وكان تمسكه بهذه الوحدة وتحمسه لها سببا فى وقوفه مع ثوار الجزائر ومع رجال الحركة الاستقلالية فى مراكش وهو الصديق لفرنسا ، وهكذا فبينما كان عبد الناصر وطنيا عربيا حياديا وضد الغرب فى أعماقه كان بورقيبة يفضل اتحادا مغربيا ويعجب بالحضارة الغربية ( 41 )
وكانت سياسية بورقيبة هذه وتفضيله التعاون مع الغرب سببا فى اتهام رجال الحزب الدستورى القديم وبعض رفاقه من رجال الحزب الدستورى الجديد له بالحزبية والانانية عندما دخل مع فرنسا فى مفاوضات سنه 1954 واعتبروا ان دخوله مع فرنسا فى مفاوضات ومناداته بالتعاون معها انما هو سلوك معوج يتسم بالضعف بل واتهموه بالالحاد واستيحاء مثل الغرب ( 42 ).
اما بالنسبة للشيوعية فقد كانت له فلسفته الخاصة فهو لم يؤمن بالكفاح الطبقي ويرى فى الماركسية صورة من صور الاستبداد ويتم الشيوعيين التونسيين بانهم يفضلون مصالحهم الخاصة على مصالح الوطن ( 43 ) ويقول ان الحزب الاشتراكي الدستورى هو منبع الاشتراكية فهو الذى خلق الاتحاد الحقيقى بين صفوف الشعب التونسي وهو الذي قاد كفاح الجماهير من اجل الاستقلال والحياة الافضل وهو الذى طالب بالعدالة ورفع مستوى المعيشة للشعب
التونسى وقضى على الملكية الاستبدادية وطالب ببذل الجهد من اجل الانتاج وبذا فالحزب الدستورى فى تونس اكثر تقدما من الشيوعية وهذا هو الذي جعل الاشتراكية الدستورية فى تونس تكسب معونة الجماهير ومحبتها ( 44 ) بينما الشيوعية تكبت الحرية ولا تحمس العامل للعمل لان الفرد بطبعه يريد أن يتمتع بعرق جبينه ( 45 )
ولكن ألم تكن البورقيبية بهذا المعنى وهذا المظهر نظرة شاملة للحياة ، وعملية هدم وعملية بناء فى نفس الوقت . هدم للاستعمار واساليبه وبناء لامة كادت تذوب فى جسد دولة عاتية وفي نفس الوقت تجربة فى حياة أمة نجحت في تحقيق اهدافها رغم المآخذ التى اخذت عليها والانتقادات التى وجهت اليها ورغم انها كانت فى فترة من الفترات غير مفهومة جيدا لهؤلاء الذين عملوا مع بورقيبة ومن قريب ، ومع ذلك فقد صبر بورقيبة وثابر لانه اقتنع بفكرته وتشبع بمبادئه ، وكان صادقا مع نفسه وامينا مع امته ومع الاستعمار فلم يمتلك الاستعمار فى النهاية الا التسليم ، التسليم بحق تونس في الحرية والحياة الكريمة كغيرها من الامم . ان الاستعمار فشل فى النيل من يورقيبة وصموده ومثابرته وطول نفسه وكان لا يخشى شيئا قدر ما كيان يخشى بورقيبه ولذا فقد قبض عليه الاستعمار وسجن ونفي ثلاث مرات واخرج من بلاده سنة 1945 دون ان تلين له قناة او يفتر له عزم ( 46 )
أليس في هذا صورة من صور البطولة!! إنها لتجربة فى حاجة الى الالتفات ومزيد من الدراسة . . .

