ديوان شعر للدكتور احمد زكي أبو شادى - ١٦٠ صفحة - مطبعة جريدة ( الهدى ) اليومية بنيويورك - سنة ١٩٤٩
صاحب هذا الديوان الذي نقدمه اليوم لقراء " المنهل " رائد من رواد الادب العربي الحديث ومن اوائل الداعين الى " الشعر الحر " والثائرين على " الاتباعية " فى الادب ، ولقد نبغ فى اكثر من فن ، وفي اكثر من علم ، فهو شاعر وكاتب ورسام ، وقصاص ، وناقد وطبيب ، ومن ابرز علماء النحالة فى العالم وله في كل
فن من هذه الفنون وفي كل علم من هذه العلوم مؤلفات ومحضرات لا نحصى ، ولقد جلبت عليه نزعته التجديدية في الادب ، جلبت علي سخط الادباء الرجعيين فى مصر ، فهاجموه وثاروا عليه وعلى مذهبه التحرري واستعملوا في مهاجمته كل ما يملكون من وسائل التهجم والتجريح والتشهير ، وصمد أمام ثورتهم ووقف الى جانبه طائفة من ادباء الشباب المثقف الصاعد ، ممن امنوا بمذهبه وتأثروا به ، وفي ذلك الوقت اصدار مجلته الشهيرة ( ابو لو ) وهي مجلة خاصة بالشعر ونقده .. وكانت ميدانا رحبا للشعر الحي ، ومنبرا عاما لجميع الاقلام الحرة ، وقد حياها المرحوم شوقي بهذه القصيدة الرائعة :
أبولو مرحبا بك يا ابولو فانك من عكاظ الشعر ظل
عكاظ انت للبلغاء سوق على جنباتها رحلوا وحاولوا
وينبوع من الاننشاد صاف صدى المتاديين به يبل
ومضمار يسوق الى القوافي سوابقها اذا الشعراء قلوا
يقول الشعر قائلهم رصينا ويحسن حين يكثر او يقل
ولولا المحسنون بكل ارض لما ساد الشعوب ولا استقلوا
عسى تاتيننا بمعلقات . . . نروح على القديم بها ندل
لعل مواهبا خفيت وضاعت تذاع على يديك وتستغل
صحائفك المدبجة الحواشي ربي الورد المفتح او اجل
رياحين الرياض يمل منها وريحان القرائح لا يمل
يمهد عبقرى الشعر فيها لكل ذخيرة فيها محل
ولبس الحق بالمنوص فيها ولا الاعراض فيها تستحل
وليست بالمجال لنقد باغ وراء يراعه حسد وغل
وكان كل عدد من هذه المجلة الراقية يزخر بقصائد رائعة لطائفة من شعراء الطليعة فى البلاد العربية امثال على محمود طه والشابي, والهمشرى ومحمود حسن اسماعيل وابراهيم ناجى والصيرفي وقطب, ومختار الوكيل وغير هؤلاء ممن تعدت شهرتهم الادبية اليوم حدود بلادهم
. . وكان الجو الادبى فى مصر قبل ظهور هذه المجلة مقفرا من كل حركة ونشاط ونور ، وكان اكثر المجلات الادبية التى ظهرت قبلها تحترف بالادب ، وتتخذ اسمه مهنة تمشى بها للتجارة بين الناس ، ولم يكن هناك مدرسية ادبية لها مبادئ معروفة فى
الادب والنقد . وكان شيوخ الادباء عاجزين جاهلين لا يفهمون من معنى الادب والشعر ومذاهبهما شيئا وكان اكثر ما تقوم العصبيات الادبية على تأييد السياسة والانتصار لها ، فليس لاحد رجالها شخصية ادبية مستقلة أو وجود ذاتي مسلم به . .
وفي سنة ١٩٤٦ اضطر ازاء تالب الادباء عليه والنكر لمبادئه وافكاره الجريئة فى الادب والاجتماع ، وموقف حكومة ذلك الوقت ضده - اضطر ازاء ذلك كله ان يغادر بلاده التى وهبها عافيته وعبقريته الى امريكا حيث بعرف الناس هناك تقدير المواهب ، واستثمارها ، ولقد وجد من الحكومة الامريكية ومن الشعب الامريكى ما يستحقه من العطف والتكريم ، ولا بزال هناك يعيش سعيدا حرا يكتب وينظم ويحاضر ويذيع ، ويخدم البلاد العربية وقضاياها السياسية خدمة فعالة ، كما أنشأ هناك جمعية ( رابطة منيرفا ) وهي تضم نخبة من اشهر ادباء العرب المغتربين وكبار المستشرقين
الامريكان . وفى سنة ١٩٤٩ أصدر ديوانه " من السماء " ويضم هذا الديوان معظم قصائده التى نظمها ما بين سنة ١٩٤٢ وسنة ١٩٤٩ وقد صدره بمقدمة بليغة عن ( التجربة الشعرية ) يقول فى مستهلها " للشعر مقومات تتنوع فى تركيبها ولكن لا ينفرد ايهابه ، واولى مقومات الشع الصادق التجربة الشعرية أى تأثر الشاعر بعامل معين أو باكثر واستحابته اليه او اليها استجابة انفعالية قد يكتنفها التفكير وقد لا يكتنفها ، ولكن لا تتخلى العاطفة ابدا عنها ، اذ انهما حينما تبتعد ان يتجرد الشعر من ابداع صفاته الاصيلة ويصبح نظاما خلابا على افضل تقدير او ينعت ب ( شعر
الذكاء ) تجاوزا . والنماذج لذلك كثيرة غالبة . ومهمة النقد الفنى تثبيطها ، بل استئصالها ، وحينما يصبح الشعر موضوعيا فان الشاعر القدير فى قصته أو ملحمته يتمثل العواطف لشخصيات روايته ويخلعها عليها كما يصنع الممثل على المسرح ، او يعبر عن احساسه ضمن الموضوع الذى يعالجه .
والتجربة الشعرية قد تكون عظيمة كما قد تكون تافهة فى ظاهرها ، ولكن الشاعر الكبير قادر بتأثره ، وتفاعله على ابداع الجليل من التافه ، لانه يراه بمرآة نفسه الكبيرة التى كيفتها عوامل شتى ممتازة ، ويتمثل الانسانية عامة لا شخصية فرد فى شعره ، وهكذا يأتي بالممتاز المعجب من ابسط التجارب فى ظاهرها المألوف وقد تكون العاطفة متجلية فى الشعر كما قد تكون مستورة ، ومن الطراز الاول عاطفة الود التى انطقت المتنبي بمثل هذه الابيات الخالدة التى تناسب كل زمان ومكان وتعبر عن شعور الانسان اطلاقا ، وان كانت مناسبتها الظاهرة عتب المتنبي على سيف الدول قبيل النزوح عنه:
يا من يعز علينا ان نفارقهم وجد اننا كل شئ بعدكم عدم
ما كان اخلقنا منكم بتكرمة لو ان امرمو من امرنا امم
ان كان سركمو ما قال حاسدنا فما لجرح اذا ارضامو الم
إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ان لا تفارقهم فالراحلون همو
فهنا الحرقة او اللوعة لا تخص أبا الطب وحده ، وانما هى شعور الانسانية عامة ازاء الود الضائع ، والعقوق والكفران ، ومن الطراز الثاني عاطفة الاعجاب التى اوحت مثل هذا الشعر الى ابن هانئ الاندلسى فى وصف الخيل وقد كان مفتونا بها :
وصواهل لا الهضب يوم مغارها هضب ولابيد الحزون حزون
عرفت بساعة سبقها ، لا انها علقت بها يوم الرهان عيون
واجل علم البرق فيها انها مرت بجانحتيه وهى ظنون
فهذا الفتون ببراعة الخيل وجمالها هو بمثابة تصوف فى لون من جمال ( الطبيعة ) وهو شعور انسانى خالدا النموذجين من النسق العالى وكلاهما يمتزج فيه الفكر بالعاطفة امتزاجا سائغا ، وهذا عندى ارقى الشعر ، وان عددت فى مستواه نماذج من ( الشعر الصافى ) يمليها العقل الباطن وحده )
ويقول سنت بيف الناقد الفرنسي الاشهر في تعريف الشعر : ( الشعر هو التعبير الجميل عن شعور صادق ) ولقد عالج ابو شادى مختلف الوان الشعر كالشعر التمثيلى والرمزى ، والسريالي والفلسفى . وشعره كله تجارب وصور صادقة للحياة والكون والانسانية وهو اكثر ادباء العرب انتاجا ونشاطا واطلاعا على آداب الامم الاخرى . ولقد قال فيه احد النقاد " ان انفاسه تتحول الى قصائد ومقالات " وديوانه " من السماء " هو آخر ما اصدر من انتاجه الشعرى ، ومن اروع قصائد هذا الديوان قصيدته
التى نظمها فى رثاء زوجه وهى فى رابى اعظم قصيدة يمكن لشاعر نظمها فى هذا الموضوع ومطلعها:
ماذا تفيدك لوعتي وبكائى هذا فناؤك مؤذن بفنائى
اسديت عمرك للحياة فما وفت ومضيت للابرار والشهداء
لهفي عليك وقد اتيت مودعا فبكيت فوق جبينك الوضاء
ومنها :
كم كنت اعلق بالخبال توهما وارى الشفاء ولات حين شفاء
ويغالط القدر العتى تفاؤلى وانا الخصيم لخدعة ورياء
أبي اعترافا بالممات كأنني لما بكيتك قد اضل بكائى
او ان هذا الموت حق ثابت الا على الاحباب والخلصاء
ولقد تفطرت كبده حزنا على موت زوجه الوفية واسودت الدنيا فى عينيه ، واصبحت الحياة بعدها قفرا ليس فيها غير الشقاء والآلام ، لقد ذهبت فذهب معهاصوتها الحلو الشجى وابتساماتها الشذية بالمنى والامل والنور ورشاقتها المعولة الملحونة ، ويقولون له " تصبر " ان حولك فتية ورثوا مكارم خلقها وسماتها فكفكف من دموعك ، فيصرخ من اعماق قلبه المتفطر المطعون :
قالوا تصبر ان حولك رفقة منها ، وحسبك صفوة الابناء
ورثوا مكارم خلقها وسماتها ارثا تدل به على الاباء
يااليتهم عرفوا شمول عواطفى ووفاء وجدانى وصدق ولاائي
شيم شقيت بها ، ومعف الورى فأثارهم شمى وفرط ابائى
وبقيت اسخر من جراحي هازئا بفواجع الآلام والارزاء ...
مستلهما من لم تدعني مرة في الحادثات اضيق بالاحياء
فالآن بعد ذهابها ومصابها لم يغننى شمى ولا استعلانى
تمضى الحوادث والسنون وتنقضي اهم على امم صباح مساء
ويظل قلبي هيكلا لك خالدا ابدا يرتل لوعتى ورثائى
وابو شادى فى مغتربه يحن دائما الى " النيل " وامسياته الجميلة الوديعة ولياليه الضاحكة ، وهو على الرغم من حياته السعيدة التى يحياها فى امريكا لا ينفك يذكر مصر ويبثها اشواقه ويرى ان كل جمال يشوقه فى غربته هو من جمال مصر . وان يوم عيده ، هو ذلك اليوم الذى يعود فيه اليها .
يا مصر لولاك ما فارقت في حرقتتي ازكي الجنان ، ولا عوقبت لولاك
اهواك في غربتى اضعاف ما سمحت به المقادير في قربى لاهواك
ابت على كفاحى عندما اذنت للغادرين فعاثوا في حناياك
ما البعد عندي عيد فى مباهجه انا الغريب ، فعيدى يوم القاك
على سلام وفي حرية شملت لا ان اعود لاغلال واشراك
وفي غمرة هذا الحنين الجارف الى مصر لا ينسى ان يصفح عن اولئك الذين أساءوا اليه وكانوا السبب فى اغترابه :
لا ابالي النفي ان يسر لى بعض تبريد لهذى الظلمات
وشقائى ، لو غدا تضحية ما شقائى من عديد التضحيات
وليهنا من عداتي كل من خانني ، ولينعموا يوم مماتى
والطبيعة هى دائما معشوقة الشعراء وابو شادى من اكثر الشعراء حبا للطبيعة ، والقسم الاكبر من شعره هو ما كان فى وصفها او من وحيها ، وهو ينظم شعره " تلقائيا " دون كلفة او تزويق ، وجميع قصائده عبارة عن رسوم وصور صادقة للحياة والكون والناس ، وقصيدتة الطبيعة الرائعة " الجدول المسحور " هى من وحي جدول ( بوجل بيرن ) الجميل الواقع على مقربة من ملروزفى ايقونسيا ، ومن وحي الاسطورة التى بتداولها الناس هناك حول الجدول ، وجنياته :
قالت فتاتى : هل سمعت الماء متمهلا يروى لنا الانباء
عمن مضوا وتفيؤوا ازهاره او بادلوه محبة ورجاء
وأصخت للماء المثرثر هامسا يستوقف الجنية الحسناء
متداولا ذكرا كان لناابها عبرا يتثير الشعر والشعراء
قال الطروب الماء - يا حوريتي كم ذا جنيت هنا صباح مساء
ماذا اصاب فتاك حين دعوته ليقبل الثغر الجميل فناء ؟
قالت - تشهيت الجمال بذاته لا ان يذال كما ترى ويساء
وحرصت ان يحيا لدى متوجا فى عالم لم يعبد الفحشاء
وشاعرنا الكبير أب لفتاتين موهوبتين ( هدى ) و ( صفية ) ، ثانييتهما شاعرة متفوقة تنظم شعرها بالانجليزية والعربية ولها ديوان شعر اصدرته منذ ايام ( رابطة الادب الحديث ) فى القاهرة ، وقد احتفلت به الاوساط الادبية . ونوهت به كبريتات الادب فى العالم العربى وفى ديوان ابى شادى قصيدتان رائعتان احداهما فى ( هدى ) والثاني فى ( صفية ) وفى هاتين القصيدتين تتجلى عاطفة الوالد الشاعر وحنو الابوة الصادقة ، يقول فى قصيدته الاولى وعنوانها " بسمة الارض "
يا ابنتى ياطفتى يا من مسراتي رضاها ان شببت الآن فالاعوام في ماضى مناها كلما جاء ربيع بهواها نتلاهى ذاكرين (الطفلة الحلوة ) نورا وانتباها وسالنا امنا الارض رضاها ودعاها فتجلت في ابتسام واشاعته شذاها وتقاسمنا على حبك دنيا من نداها ويقول في القصيدة الثانية ( قلب والد ص ١٢١ )
منذ ما كنت طفلة وانا اشدو بما ارتج وترين منا ان قلب الاب المحب لدنيا لم تكيف ولم تحدد بمعنى
وفي نهاية هذه الجولة الاستعراضية لديوان " من السماء " للشاعر المصرى المهاجر الدكتور احمد زكى او شادى لا يسعى الا ان اخفض قلمي ، تحية الأكبار والاعجاب له ولادبه الحي الخالد وارجو ان يعجل في اصدار دواوينه " الانسان الجديد " اناشيد الحياة " و " النيروز الحر " وغير ذلك من كتب الكثيرة التى تعالج مختلف فنون الادب والتي لم يقدر لها ان تنشر ..

