لم اقل هنا :"التلفزيون" عمدا وقصدا . . لاني اعلم ان صيغة"التلفزيون" هذه هى كلمة اجنبية ، وهي وان لاكتها الالسنة واستخفتها الاذواق الكثيرة فى النطق والتعبير عن هذه الآلة العجيبة فهي ثقيلة الظل على واقع اللسان العربى . لانها مترهلة كثيرة الحروف مديدة الكيان كانما معها مرض العظام ، وحروفها تملأ كلا الفم واللسان وترهقهما من امرهما عسرا . . بخلاف الصيغة العربية التى وضعت لنفس المعنى والمغزى : ) المرناء ( فهي اقل حروفا واسهل نطقا واوفر وقتا وجهدا ، واحفل باداء المعنى المروم ، من صيغة " التلفزيون " الذائعة الصيت . . . . في مختلف الاوساط العالمية . .
وان من عجائب لغتنا العربية المعطاءة ، وجود ما يدعى بالالفاظ المشتركة المعانى فيها . . مما دلنا على سعة مدارك الاسلاف الذين وضعوها وعمق اذهانهم وبعد غورهم في الحضارة . . ومن هذه الصيغ ذات المعاني المشتركة صيغة ) رنا ( . . انها تعطي في آن واحد معنى ) نظر ( ومعنى ) سمع ( . و ) النظر اذا اجتمع مع السمع ( او بعبارة اصرح ) المنظور اذا اجتمع مع المسموع ( فهما تعريف جهاز التلفزيون الدقيق . . وبهذا صح لنا تلقائيا ان نطلق عليه اسم ) المرناء ( بكسر الميم وسكون الراء .
واذن فيا حبذا لو تتفضل وزارة الاعلام العربية السعودية فتتبني هذه الصيغة العربية الاصيلة من اليوم فتحييها وتنقلها من " الجو اللغوي الخاص " الى " الجو الاستعمالي العام . . وتجعلها صيغة رسمية في معاملاتها وخطاباتها والواحها واذاعاتها . . وبذلك تزيح عن صدر اللغة العربية الكريمة كابوس هذه الصيغة الثقيلة الكاربة : ) التلفزيون ( . . وتضع بدلها صيغة عربية رشيقة في التركيب نقية من الشوائب دقيقة في المعنى المزدوج المروم : (المرناء). . ولها اسوة في ذلك بما ضع من صيغة ) المذياع ( بدل الراديو . لدراجة
بدل البسكليت واشياء اخرى كثيرة . . ثم مالها لا تفعل ، وهي وزارة الأعلام في مهد العرب والاسلام ؟
وكلا جهازي الاذاعة والمرناء يعتبران بحق من صميم اجهزة الحضارة الحديثة وهما من اروع منتجاتها واحفلها بالافادة والامتاع ، واشباع الهوايات والافكار والابصار والاسماع . ولكل منهما مزيته الخاصة . . فالاذاعة تنقل الى " سمعك " وحده انباء العالم الطازجة واحواله الراهنة وهواجسه وخواطره . . كما تنقل اليك ذلك عن الوطن العربي الكبير والوطن الاسلامي الاكبر كما تنقل لك تراث الثقافة والحضارة العالمية من كل مكان وفي كل زمان . . تنقل اليك كل ذلك وانت بين اهلك واولادك جالس على فراشك الوثير ، ولا يكلفك هذا الا ادارة مفتاح المذياع على ما تحب من اخبار وآراء وبحوث وفن وموسيقى الخ . .
و ) المرناء ( اهم من ) الاذاعة ( في ذلك لانه ينقل اليك المسموع كما ينقله ) المذياع ( ويضيف اليه في نفس الوقت نقل المنظور فيصير المسموع لك مسموعا مشاهدا ) بفتح الهاء ( لك ، منظورا في آن واحد . . ولن يكلفك ذلك الا ادارة مفتاح الجهاز على ما
تحب أن تسمع وان ترى من اخبار وأراء طازجة وبحوث علمية وفنية وموسيقى الخ
ان كلا الاذاعة والمرناء اذن " هبة الحضارة الحديثة ، للانسان الحديث وقد وصلا الينا نتيجة جهود علمية وعملية وفنية مضنية ، وكان لهما وسيكون من تفتيح المدارك وتوسعة الوعى وشتوله وعمقه وسموقه وجعله بالنسبة للأفراد عالميا ، شاملا . . ما سيذهل ويبهر وغدا بفضل اقمار ) التلستار واشباهها مما نعلم وما لا نعلم سيعم المرناء انحاء المعمورة عموما اشمل من عموم المذياع اليوم . . وبذلك قد يستغني عن المذياع بالمرناء . . ومن يدري لربما يفتح العلم للبشرية في مستقبل قريب او بعيد ، زيادة عن المرناء بجهاز يلمسك ما ترى وما تسمع . . في وقت رؤيتك له وسماعك اياه !
ولا نريد هنا ان ندخل في جدل : اهما يؤثران على مكانة الصحافة ام ستبقى الصحافة متربعة على اريكتها ؟ فالذي نعتقده ان الصحافة المكتوبة لاغني عنها للبشر . . الى اجيال .
ودخول هذين المرفقين الى بلادنا بعد دخول " الصحافة " معناه اننا قطعنا شوطا طيبا في سبيل اللحاق بمواكب العالم المتوقلة في سلم الحضارة الحديثة . . وان سيرنا ناجح وموفق ومحقق النتائج الايجابية ، أن شاء الله . .
وليس من ريب في ان الفضل في هذا التقدم " الملموس ، يعود بعد الله جل وعلا الى الحكومة الراشدة التى يرأسها جلالة الملك ) فيصل ( المعظم . . فهو الذي فتح الميادين المغلقة لصحافة جماعية واعية منتشرة ، ولاذاعة مستوعبة مسموعة ، ولمرناء حيوى هو بسبيل الافتتاح والانشاء وكما لا ريب في ذلك فلا ريب ايضا في ان عمق الانتفاع بمزايا المرفقين الهامين المشار اليهما هو مرهون بتسييرهما علي نمط " مخطط مدروس ، وليس مرتجلا في كلياته ، ولا في جزئياته ، وانما يكون ٥٣٤
بالاضافة الى ذلك ممحصا ومفحوصا بمجهر التقاليد الوطنية والدينية فلا يؤخذ ما يصدر من اي جزء من اجزاء العالم ، على علاته ، بل بعد ان يمر بالمختبرات والفحوص . وبعد الغربلة ينبذ الطالح المضر ويؤخذ الصالح المصاح النقي فيلقي من اذاعة ومن جهاز مرناء على السواء . . وبذلك ننقي ما يرسله هذان الجهازان الجباران من شوائب ، ونجعل منهما منبرا صالحا مصلحا ومفيدا لنهضتنا العامة . .
ولست بمتزلف اذا انا جهرت ان هذا الذي اشير اليه وارمي اليه من وراء هذه العجالة قد حققت وستحقق ان شاء الله تعالى ، وزارة الاعلام العربية بلسعودية الشئ الكثير الوفير منه ، فهي على ماهو مشاهد وملموس يقظة ومدركة لخطورة الجهازين اذا ما القي لهما الحبل على الغارب . . ولا ادل على ذلك من عنايتها بما يذاع حاليا وتوجيهه بلطف وحكمة نحو الوجهة الاسلامية والعربية الخالصة . . وهو امر يدل على عنايتها البالغة بما يذاع ويرسل مستقبلا ، في جهاز المرناء الذي هو اكثر اثرا واشمل واعلق بالنفوس وبالاذهان من المذياع . .
وبالمناسبة فاننا لنتفاءل خيرا كبيرا بميلاد مشروع الاذاعة الكبير في مدينتى الرياض وجدة ، وبميلاد مشروع المرناء فيهما ايضا . . نتفاءل بانشائهما في مطلع عهد جلالة الملك الميمون النقيبة ) فيصل بن عبد العزيز آل سعود ( . . حفظه الله وأيده . . هذا العهد الذي تشعر القلوب . . قلوب المواطنين والعرب والمسلمين والعالم أجمع بانه عهد يمتاز بالأزدهار والاستقرار ، والتقدم الحافل ، والتطور الوارف ، والنمو الشامل بتوفيق الله .

