الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

من المسألة اليهودية إلى المسألة الاسرائيلية

Share

                                                -2- (*) " لندن : نوفمبر 1917 . عزيزى اللورد روتشيلد : يسرنى جدا أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالته التصريح التالى الذى يعبر عن عطف الحكومة على أمانى الصهيونية . وقد رفع هذا التصريح الى الوزارة وأقرته : ان حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف الى تأسيس وطن قومى للشعب اليهودى فى فلسطين . وستبذل جهدها لتسهيل هذه الغاية على أن يفهم جليا أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن يغير الحقوق المدنية والدينية التى تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن فى فلسطين أو الحقوق والوضع السياسى الذى يتمتع به اليهود فى البلدان الاخرى .

هذا وانى أكون شاكرا لكم اذا تفضلتم بنقل هذا التصريح الى اتحاد الجمعيات الصهيونية . المخلص : آرثر جيمس بلفور " .

الا أن هذا الوعد لم يكن كافيا بحد ذاته . ولم تكن بريطانيا قادرة على تنفيذ ما جاء فيه لو لم يتم انتدابها على فلسطين سنة 1922 من قبل عصبة الامم التى وافقت بدورها على صك الانتداب الذى اعترف بوعد بلفور .

لا شك ان وعد بلفور الذى ثبت فى صك الانتداب الذى اقرته " عصبة الامم " كان حجر الاساس الذى بنيت عليه وحوله المرتكزات والهياكل التى قامت عليها دولة اسرائيل . بيد أن صك الانتداب نفسه نص على أنه لن تمس حقوق وأوضاع الفئات الاخرى من السكان . لذا فان معاينة السياسات الانكليزية خلال فترة الانتداب تبين بوضوح لا مثيل له أن وعد بلفور شأن أى قرار سياسى لدولة حديثة كان يشكل لحظة

فحسب فى مسار السياسة الاستعمارية الانكليزية ، طويل ، متعرج ، متذبذب ، متناقض ، تلعب به موازين القوى والضغوط المتبادلة . والواقع أن صك الانتداب بالذات ما كان ممكنا كما قال حاييم وايزمن أن يأخذ هذا المنحى المحابى للطرف الصهيونى ويلعب هذا الدور الكبير فى تحديد موقف الدول الكبرى الايجابى من المطامع الصهيونية لولا اتفاق فيصل - وايزمن ، أى لولا هذا التنازل العربى غير المبرر .

من هنا ، ومع بروز وتنامى المعارضة العربية بادرت انكلترا الى اصدار كتاب أبيض فى العام 1922 يفسر وعد بلفور على نحو أقل محاباة بكثير لليهود ، معلنا أن المقصود من وعد بلفور ليس تحويل فلسطين الى وطن قومى لليهود ، بل فقط اقامة موطن قومى يهودى فى فلسطين فارضا قيودا على الهجرة اليهودية تتناسب مع " قابلية الاستيعاب الاقتصاديه للبلد " . كما وضع عددا من القواعد الاقل محاباة بخصوص التعامل مع " الوكالة اليهودية " . هنا ، فى هذا الكتاب الابيض أرادت بريطانيا أن تعطى نفسها دور الحكم بين العرب واليهود .

بعد ذلك ، وبوجه عام مضت فترة هدوء فى فلسطين ( 1924-1929 ) نجمت بالدرجة الاولى عن عدم فاعلية الحركة الصهيونية ، حيث توقف فى العام 1927 مثلا دفق الهجرة الى فلسطين وأصبح مغادرو فلسطين أكثر من القادمين اليها . فتوقف أو تلاشى النشاط السياسى الفلسطينى نظرا لانه بقى حتى ذلك الحين مجرد رد فعل وليس فعلا . وجاءت حادثة البراق أو حائط المبكى لتفجر تحر كا فلسطينيا " ما قبل سياسى " أو " دون - سياسى " - كما قال فانشتوك - ضد اليهود . وكانت مناسبة اقتنصتها الحكومة الانكليزية فعينت " لجنة شو " لاستقصاء أسباب التوتر الذى ساد فلسطين . وقد انتهت اللجنة الى اقرار عدد من التوصيات ما لبثت أن أصدرتها الحكومة الانكليزية فى كتاب أبيض جديد فى العام 1930 اعتبره الييشوف محابيا للعرب وبخاصة فى ما يتعلق بالقيود التى وضعها على الهجرة اليهودية الى فلسطين .

هذا التحول البريطانى لم يلبث أن أثار احتجاجات صاخبة وضغوطا قوية سواء فى فلسطين أو فى انكلترا لدرجة أن حاييم وايزمن الحليف التاريخى لبريطانيا قدم استقالته من رئاسة المنظمة الصهيونية والوكالة اليهودية . اثر ذلك ، فى 13 فيفرى ( شباط ) 1931 ، أرسل " رمزى مكدونالد " رئيس الوزراء البريطانى رسالة الى وايزمن تلغى عمليا الكتاب الابيض المذكور ، بل ذهبت الى أبعد من ذلك وقدمت للوكالة اليهودية تنازلات تتعلق بالهجرة ووفرت تسهيلات جديدة لعملية فصل الجماعتين اقتصاديا

عن بعضهما البعض . لذا سمى العرب رسالة مكدونالد هذه " الرسالة السوداء " . بيد أن مجئ النازية إلى الحكم فى ألمانيا سنة 1933 أنقذ المشروع الصهيونى فى اقامة الدولة اليهودية اذ استؤنفت الهجرة من جديد الى فلسطين حتى بلغ مجموع اليهود سنة 28،1939 بالمائة من مجمل السكان .

فى هذه الحقبة أيضا تابعت السياسة البريطانية الاستعمارية سيرها التناقض المتخبط المتذبذب بفعل جملة من الضغوط المتعارضة التى تؤثر فى - أو تتنازع - عملية صنع القرار الاستعمارى البريطانى . ولعبت جملة عوامل لصالح اعادة نظر بريطانيا بدت فى ذلك الحين جدية فى موقفها من النزاع القائم فى فلسطين . النضال الفلسطينى - العربى المسلح وغير المسلح فى فترة 1936-1939 وتوجهه مباشرة ضد الاستعمار الانكليزى . حاجة بريطانيا الى استعادة ثقة العرب فى وقت بدا واضحا ان العالم يقترب من حرب عالمية ثانية . الاختلافات داخل النخبة السياسية الانكليزية حول السياسة الواجب اتخاذها ازاء الصراع الفلسطينى - اليهودى وعلاقة ذلك بحماية قناة السويس والمحافظة على طريق الهند . . . هذه العوامل كلها كانت تدفع ببريطانيا الى ايفاد لجنة تحقيق بعد لجنة تحقيق الى فلسطين بحثا عن أسباب الصعوبات والاضطرابات والتفتيش عن الحلول الممكنة . فى عام 1937 ، ولاول مرة يقترح تقرير " لجنة بيل " تقسيم فلسطين الى دولتين عربية واسرائيلية ودولة ثالثة تبقى تحت الحماية البريطانية وتضم القدس وشريطا يوصها بالبحر . غير أن رفض العرب واليهود معا اقتراحات " لجنة بيل " دعا لجنة أخرى - " لجنة هيد " - للاستنتاج بعدم امكانية تطبيق مشروع بيل - فطوى .

الا أن بريطانيا ما لبثت وقد أقلقتها المشاعر العربية المعادية لها والمتعاطفة مع الالمان والاقتراب المتزايد لشبح الحرب أن حزمت أمرها فأصدرت فى ماى ( ايار ) 1939 كتابا أبيض جديدا أرادت به حسم المشكلة . وبموجبه تبقى فلسطين محكومة من قبل الانكليز وتناقش مع الاطراف المعنية مسألة اصدار دستور خلال خمس سنوات ثم تنال فلسطين استقلالها خلال عشر سنوات . وسمح ل 75000 يهودى بالهجرة الى فلسطين فى السنوات الخمس التالية ، وبعد ذلك تتوقف الهجرة على موافقة الاغلبية العربية . بيع الاراضى لليهود حد فى بعض القطاعات ومنع فى أخرى . وفلسطين لن تصبح كما يقول هذا الكتاب الابيض : لا دولة عربية ولا دولة يهودية .

والواقع أن هذه الدولة ثنائية القومية التى أرادتها بريطانيا لن يشكل فيها الييشوف سوى حوالى الثلث الامر الذى أثاره الى أقصى حد . وما أن قاربت الحرب العالمية الثانية نهايتها حتى بدأت المنظمات الصهيونية اليمينية

مثل الارغون مدعومة بالرأى العام اليهود فى فلسطين أعمال الارهاب والاغتيال والانتقام ضد الانكليز . وأخذت أعمال الارهاب هذه حجما أكبر بكثير عندما نزلت الهاغاناه الى الساحة عند انتهاء الحرب فى نهاية 1945 . وبالطبع بقى الفلسطينيون فى موقع المتفرج والمنتظر مع أن الكتاب الابيض موضوع الصراع كان لصالحهم اجمالا وخاصة فى ظل ميزان القوى المحلى الفلسطينى اليهودى (11) .

فى هذه الاثناء ، ثمة عوامل عديدة أخرى تدفع بريطانيا الى مراجعة سياستها فى فلسطين ، عوامل كانت هامة ولا شك ، ولكن تبقى الحرب اليهودية ضدها العامل الاكثر اهمية . فى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ، انطلقت موجة نزع استعمار واسعة ومتلاحقة فى العالم ، فانسحبت بريطانيا من اليونان وبورما والهند وأخذت سياساتها تستلهم بشكل خاص اعتبارات الحرب الباردة وعلاقتها مع الولايات المتحدة فضلا عن أن أزمة اقتصادية كانت تطحنها . فى هذا السياق وتحت ضغط هذه العوامل تتخذ الحكومة البريطانية قرارا ب " التخلص من المرحلة الفلسطينية " . وفى 14 فيفرى (شباط) 1947 يعلن بيفان الوزير العمالى للشؤون الخارجية ان بريطانيا ستنسحب من فلسطين وتضع مسؤولية اتخاذ قرار حول مستقبل فلسطين على عاتق هيئة الامم المتحدة .

فى ذلك العام 1947 كان ثمة سبع دول فى وطن العرب . وكانت دولا مستقلة يتجسد دليل استقلالها فى كونها أعضاء داخل الامم المتحدة . كانت القوة العسكرية الحاسمة فى أربع من هذه الدول تتمثل فى القوات العسكرية الاجنبية التى كان هدفها المعلن حماية هذه البلدان من الغزو السوفياتى . وكانت اثنتان من بينها تعتمدان فى بقاء الهيئة الحاكمة فيهما كما تعتمدان فى مصروفهما اليومى على رضا وكرم شركات النفط العاملة فى أراضيهما . وفى واحدة أخرى كان أمير الهيئة الحاكمة لا يملك تحديد حجم مخصصه الشهرى . وفى أخرى كان كل ما يجرى خارج حدودها لا يعنيها . وأخرى اتخذت من التوازن والحياد عقيدة وأى خروج عن التوازن والحياد يجر الهلاك الفورى .

فى ظل هذه الاوضاع جاء مشروع تقسيم فلسطين . وفى فلسطين كان قد حدث تطوران فى الفترة الممتدة بين عامى 1917 و 1947 . ازداد عدد السكان اليهود بفعل الهجرة أساسا من 50 ألفا فى بداية الفترة الى نحو

650 ألف فى نهايتها . وفى الفترة نفسها ازداد عدد العرب من نحو 600 ألف إلى ما يقرب من 1،4 . مليون نسمة . وامتلك اليهود فى نهاية هذه الفترة ما يقرب من 5 بالمائة من مجموع أراضى فلسطين . وفى مشروع التقسيم قررت اللجنة الدولية التى أعدت المشروع منح أكثر من ثلثى اراضى فلسطين للدولة اليهودية التى سوف يتألف سكانها من عرب ويهود يتواجدون باعداد منقاربة . أما الدولة العربية فى فلسطين فقد ضمنت الاراضى التى يعيش فيها اليهود .

لم يكن قبول المشروع ممكنا بالنسبة الى السكان العرب فى فلسطين . فالاراضى الخصبة ومئات الالوف من العرب كان مصيرهم بموجب مشروع التقسيم خاضعا لمقتضيات واحتياجات السلطة الصهيونية البحت . وعدم امكانية قبول مشروع التقسيم كان واضحا وضوحا تاما لدى واضعى المشروع .

الامر الذى لم يلق ما يستحق من عناية هو أن القيادات الصهيونية كلها كانت ترفض مشروع التقسيم أيضا . فالدولة اليهودية التى كان مستقبلها مرهونا باستقبال مئات الالوف من المهاجرين اليهود لم تكن تستطيع تحقيق هذا الهدف فى ظل شروط مشروع التقسيم . فوجود مئات الالوف من العرب الذين يمتلكون القسم الرئيسى من الاراضى داخل حدود الدولة اليهودية كان يشكل عائقا يستحيل تجاوزه فى وجه نمو الدولة اليهودية سواء من الناحية السكانية أو من الناحية الاقتصادية أو من الناحية العسكرية . مستلزمات وجود وبقاء المشروع الصهيونى كانت مرهونة بتحقيق الشعار القائل : " أرض بلا شعب لشعب بلا أرض " . أما مشروع التقسيم ، اذا أخذ بحرفيته ، واذا تناسينا النيات المبيتة ، فقد كان بتعارض مع الضرورات الاولية لتحقيق المشروع الصهيونى .

فى المعسكر الصهيونى ، كانت هناك سياستان والسياستان لا تقعان ضمن مجال " تحديد الاهداف " بمقدار ما تقعان ضمن مجال " العلاقات العامة " . سياسة تقوم على الاعلان عن الهدف الصهيونى وعن الاجراءات الضرورية لتحقيقه : الحدود النهائية التى تضم بالاضافة الى فلسطين جنوبى لبنان حتى الليطانى وحوران وشرقى الاردن حتى الخط الحجازى . افهام العرب ضرورة مغادرة أراضى الدولة اليهودية سواء بالبيع والشراء أو بالقوة المسلحة . وذلك بالاضافة الى التفاوض العلنى مع الدول التى تمتلك طوائف يهودية لطرد هذه الطوائف وترحيلها الى فلسطين عنوة ان لم تأت أعداد كافية منها اختيارا . أما السياسة الاخرى فكانت تتعمد تجنب استعمال كلمة " دولة يهودية "

وتستبدلها بعبارة " وطن قومى لليهود فى فلسطين " أو بعبارة " كومنولث يهودى " فى فلسطين . وفى الحالتين الاخيرتين يستطيع القائد الصهيونى أن ينفى النية فى طرد العرب أو احتلال أراضيهم . وما دامت هذه المدرسة الصهيونية قد نجحت فى تجنب استخدام عبارة " دولة يهودية " فانها تعفى نفسها من رسم حدود لهذه الدولة . وما دامت لم ترسم الحدود فانها تنجح فى عدم اعطاء فكرة واضحة عن عدد اليهود اللازم لملء هذه الدولة وتلبية احتياجاتها السكانية . وبالتالى فانها تطمئن اليهود غير الراغبين فى الهجرة بأنها لا تتآمر مع حكومات البلدان التى يعيشون فيها لطردهم وترحيلهم الى فلسطين .

كانت المدرسة الثانية هى الاقدر على قيادة الحركة الصهيونية سواء خلال عهد الانتداب أو فى الفترة التى تلت اعلان الدولة (12) .

عندما نقل أمر البت بمصير فلسطين الى المجتمع الدولى ممثلا بهيئة الامم المتحدة ، كان الييشوف قد حقق انجازين : الاول يتمثل فى استبدال الدولة الحليفة - الحامية فأصبحت الولايات المتحدة ( بدلا من بريطانيا ) التى برزت بوصفها الدولة الاقوى اقتصاديا وعسكريا بعد الحرب العالمية الثانية حيث تكون فيها لوبى صهيونى يملك قدرا ملحوظا من النفوذ والتأثير على النخبة السياسية الاميركية . ولقد انبثق هذا اللوبى من مؤتمر بلتيمور المنعقد بين 9 و 11 ماى (ايار)  1942 فى نيويورك ، حيث ناقش المؤتمر شكاوى اليهود من الادارة البريطانية وتقرر الاصرار على أن يقوم فى فلسطين " كومنولث يهودى يصبح جزءا من كيان العالم الديمقراطى الجديد " . وأكد بن غوريون أن القوة ستستعمل لتنفيذ هذا الهدف إذا ما اقتضى الامر بما فى ذلك فتح أبواب الهجرة الى فلسطين أمام اليهود تحت اشراف الوكالة اليهودية . الثانى يتمثل فى أن الييشوف استطاع بأفعاله أن يقنع المجتمع الدولى بقوة  مواقعه فى فلسطين وبالقوة التى يملكها وبفعاليته فى حرب العصابات التى يشنها على الانكليز وارادته الراسخة فى الاستقلال وباستحالة تعايشه فى دولة واحدة مع عرب فلسطين .

على هذه الارضية ولد قرار هيئة الامم المتحدة فى 29 نوفمبر 1947 الخاص بتقسيم فلسطين . لقد وضع الييشوف العالم وعلى رأسه أميركا والاتحاد السوفياتى أمام أمر واقع ليس فيه خيارات بل خيار واحد . حتى السياسة الاميركية لم تخل هى أيضا من تذبذب . فبعد أن أيدت

قرار التقسيم بل بعد أن ألقت بثقلها السياسى لاقراره وكسب المؤيدين له من الدول المترددة ، عاد مندوبها فى هيئة الامم المتحدة ، أوستن ، ليعلن فى 19 مارس 1948 فى مجلس الامن عن تبدل فى السياسية الاميركية . فاقترح وقف قرار التقسيم وعقد هدنة فى فلسطين ودعوة الجمعية العمومية للموافقة على مشروع وصاية على فلسطين .

هذا التبدل فى الموقف الاميركى يبين لذوى الالباب ولكل من لم تسيطر عليه الرؤية المؤامراوية ، كيف أن قرارات الدول الكبرى ليست نهائية ولا " مخططة منذ زمن بعيد " من قبل " عقول كلية الوعى " . بل هى أيضا قرارات عادية تصنع يوما فيوما أحيانا . يقينا انها قرارات دولة حديثة . لكن من قال : إن القرارات الحديثة لا تنطوى على تقلبات وتذبذبات بل أخطاء أيضا ؟ من قال : إنها لا تتأثر بوجه خاص بميزان القوى وبالامر الواقع ؟ (13) .

لقد أقيمت الدولة الصهيونية دولة للشعب اليهودى بأسره . وهذه الرؤية لا تشجع على القيام بعملية محدودة لنقل السكان أو طردهم فحسب ، وانما تترجم نفسها الى توسع لانهائى . وقد طلب صحفى صهيونى من هيرتزل  بعد انتهاء المؤتمر الصهيونى الاول ان يدرس " برنامج فلسطين الكبرى قبل ان يفوت الاوان . . انك لن تستطيع ان تضع عشرة ملايين يهودى فى أرض مساحتها 25000 كيلومتر " . كما طلب الصهيونى غير اليهود وليام هكلر من هيرتزل ( فى 26 أفريل 1896 ) أن يتبنى الشعار التالى ويروجه شعارا للدولة اليهودية : " فلسطين داود وسليمان " . ويبدو ان الاقتراح قد ترك انطباعا ايجابيا لدى الزعيم الصهيونى لانه بعد عامين حدد منطقة الدولة اليهودية على أنها تمتد من " نهر النيل الى الفرات " . وقد كتب هيرتزل فى مذكراته ان حدود الدولة سوف تتسع بمقدار تزايد السكان اليهود : " كلما زاد عدد المهاجرين اتسعت رقعة الارض " . وفى 12 فيفري 1952 تحدث موشى دايان صراحة عن انشاء امبراطورية اسرائيلية . ويرى وزير الخارجية الاسرائيلى السابق عملية التوسع على انها عملية مستمرة لم تنته بعد . فعملية بناء الوطن - على حد قوله - بدأت منذ مائة عام أى عملية البناء والتوسع وجلب المزيد من اليهود وتشييد المستعمرات : " لن ندع أى يهودى يقول : " إن هذه هى نهاية العملية ولن ندع اى يهودى يقول : إننا نقترب من نهاية الطريق " ( 14 ) .

سنة 1940 كتب يوسف فيتز يقول : " وليكن واضحا أنه لا يوجد مكان لشعبين فى هذه البلاد . واذا هاجر العرب البلد اكتفينا بذلك  . . . " الا أنهم لم يكتفوا " بذلك " حتى بعد طردهم السكان الاصليين .

ان المادة : (7) من معاهدة الانتداب البريطانى لفلسطين تشير الى ضرورة سن قانون من شأنه أن " يسهل لليهود المستوطنين فلسطين بصفة دائمة اكتساب الجنسية الفلسطينية " . ويشير قانون الجنسية الذى صادقت عليه الكنيسيت يوم 1 أفريل 1952 ( الفصل الثالث - مادة 14 ) إلى أن " الحصول على الجنسية الاسرائيلية غير مرهون بالتخلى عن جنسية سابقة ، وأن أى اسرائيلى يكون فى الوقت نفسه مواطنا أجنبيا يعتبر اسرائيليا فى ما يخص تطبيق القانون الاسرائيلى " .

ومن المعروف أن عددا من الشخصيات الاسرائيلية - فضلا عن المواطنين العاديين - لهم أكثر من جواز سفر واحد . ولا شك أنهم ما زالوا يحتفظون بالجواز الذى أتوا به من بلادهم الاصلية الى فلسطين . بل ربما بدا لهم حتى المشاركة فى انتخاب الرئيس الملائم فى بلدهم الاصلى . ما المانع ؟ لقد فهم الصهاينة أن هذا العالم ليس سوى خريطة كبيرة لدول داخل الدول وحروب داخل الحروب وسلطات داخل السلطات وقوى داخل القوى واستعمار داخل الاستعمار . ولم يبق عليهم آنذاك سوى التحرك من الموضع الذى يوجدون فيه أينما كانوا . وهو ما عبر عنه هيرتزل بقوله : " فليسمحوا لنا بالسيادة على رقعة صغيرة من الارض تكون متناسبة مع طموحاتنا الشرعية وسنعرف تماما كيف يجب أن ننتظم . لكن أين تقف طموحاتهم الشرعية " ؟

من أبسط التعاريف التى اصطلح عليها المؤرخون للدولة ، واحد يقول بأنها قطعة أرض يقيم عليها عدد من السكان المتجانسين تقوم عليهم سلطة تمثلهم . وفى الظروف العادية يجرى تخطيط الحدود الدولية بالاتفاق بين السلطة القائمة فى الدولة والسلطات القائمة فى البلدان المجاورة . وتكتسب الحدود المتفق عليها بهذه الطريقة صفة الشرعية الدائمة بحيث تصبح مناعتها وحصانتها مظهرا من مظاهر السيادة الوطنية للسلطة القائمة . ولكن الظروف غير العادية التى نشأت فيها اسرائيل جعلت المراحل الطبيعية لتخطيط الحدود أمرا منسيا طوال تاريخها القصير . فما هو التصور الذى يحمله الاسرائيليون عن حدود دولتهم ؟

( يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية