أن يتصدى لبحث مشاكل اللغة العربية ليس امرا جديدا ؛ فمنهم من بحث فى " أزمات " اللغة العربية فى مختلف مراحلها ، ومنهم من فحص عن الدخيل فى اللغة العربية ، وتساءل عن امكانية قبوله والاعتراف له " بحق الاستيطان " فى لغة القرآن ، وعن عدم قبوله ؛ ومنهم من حاول تقعيد القواعد للمعربات ، وضبط قوانين تكون كفيلة بحفظ اللغة من الامتزاج بالمفردات الغريبة عنها . . فتعددت الآراء ، واختلفت الاتجاهات ، وتباينت المناهج فكان تزمت ، وكان جمود ، وكان اجماد ؛ وكان اتساع في التفكير ، وكانت محاولة لتطوير العربية و " تعصيرها " ، ونتج عن ذلك جدال ، ونقاش وانقسم القوم الى فريقين كبيرين : فريق رأوا ان العربية لايمكن لها ان تخرج عن لغة الجاحظ وابى حيان التوحيدى ، فجمدوا ولغة الضاد اجمدوا ، وفريق آخر لم يروا بأسا من ان تساير العربية سنة التحول والتطور ، فحاولوا توسيع صدر لغة القرآن لمقتضيات العصر الحديث ، وملابسات حياتنا الجديدة . . والفريقان لا ينفكان يختصمان ، وكلاهما لم يهتد بعد الى الذى ترضى حكومته ! والتبلبل لايزال بالافكار عالقا ، والاضطراب عليها مهيمنا . .
على ان الفريقين - فيما يبدو - لم يأتيا المشكل من حيث يجب ان يؤتى ! اذ كلاهما اعتقد ان العربية ستنصاع لما يفرض عليها من أوامر ، فتجمد ان ارادوا لها الجمود ، وتتقدم ان ارادوا لها التقدم . . . عزب عنهم ان اللغة كائن حي ، ينمو حتما ويتطور ضرورة ، وظاهرة اجتماعية تخضع للبيئة الاجتماعية والمعطيات الاجتماعية ، وسنة المجتمع . . . حتى اصبح من المبتذل ان يقال ان القضية ليست قضية اللغة العربية ، ولكنها قضية الثقافة العرية ، قصة الفكر العربى ، واللازمة ليست " ازمة " لغة ، ولكنها " ازمة " عقول . .
هذا امر يبدو لى بدهيا ، ولعله يبدو لك بدهيا ايضا . . . ولكنى ازعم ان نهضة الثقافة العربية ، وانتفاضة الفكر العربى لاتحققان حتما انتشار نتاج الفكر العربى ، وذلك راجع الى مصاعب عملية تعوق العربية عن الانتشار
انتشارا كافيا ، وتعوقنا عن استعمال العربية استعمالا لا يشوبة الجهد الكبير والتكلف احيانا . . وبودى فى هذا المقال ان أتعرض - اجمالا لا تفصيلا الى ذكر عدد من المصاعب العملية التى تعترض انطلاقة العربية انطلاقة بعيدة المدى فى مختلف الميادين الثقافية والعلمية
لعل المشكلة الرئيسية التى يتحتم ذكرها اولا هي مشكلة الحروف العربية اى الخط العربى . . . هذه المشكلة مشكلتان فى الحقيقة : مشكلة الحروف ومشكلة طباعة الحروف . لقد قيل فى تيسير طباعة العربية ، ونودى بذلك ؛ ولكن القضية ، قبل ان تكون قضية تيسير طباعة الحروف ، هى - فى جوهرها - قضية تيسير الخط العربي
الخط العربى الذى نستعمله اليوم هو نتيجة لتطور الخط الاول الاول الذي استعاره العرب الشماليون من الانباط - ونعلم ان الانباط انفسهم استعاروا خطهم الاول من الآراميين . . . ثم استعار العرب الحجازيون هذا الخط نفسه ، بعد حقبة زمنية طويلة - تقدر بقرنين - وأخذ يتطور شيئا فشيئا حتى وضعت الحركات والنقط على حروفه ، وأصبح خطا قائما بذاته فى نهاية القرن السابع وبداية القرن الثامن للميلاد ، اى فى الحقبة الممتدة بين عهدى الخلفاء الراشدين والعباسيين . . . لنلاحظ اذن ان العرب فى مطلع العهد الاسلامى يسروا الخط العربى وعملوا على تبسيطه ، وان هذه العملية - عملية تطوير هذا الخط . وقفت منذ اكثر من اثنى عشر قرنا . . .
ها هى المشاكل التى تثقل الخط العربى ؟
نشير اولا الى الحروف العربية التى لا تثبت على حال ؛ فى الخط العربي حروف لا يتغير شكلها مهما كان موقعها فى الكلمة وهى ) أ ، د ، د ، ر ، ز ، ط ، ظ ،ة ، و ( ولكن توجد حروف اخرى - وهى التى بقيت من الابجديه تختلف صورتها كلما اختلف مكانها فى الجملة ؛ خذ حرف الميم مثلا : تر - انه لنا اربعة اشكال لهذا الحرف الواحد : شكل للميم المنفصلة ، وشكل للميم فى اول الكلمة ، وشكل للميم في وسط الكلمة ، وشكل للميم فى آخر الكلمة ! بل ان لنا خمسة اشكال لهذا الحرف ! اذ منهم من يكتب الميم فى وسط الكلمة على شكلين مختلفين ولنأخذ مثلا لفظ " كمال " فهم يكتبون ) كمال ( او كمال وانك لتجد نفس المشكلة - بل هى اكثر تعقدا فى حروف الجيم والحاء والخاء اذ نصل الى سبعة اشكال لكل حرف منها ، فهم يكتبون حرف الحاء مثلا فى وسط الكلمة بثلاثة اشكال ( فيحاء ، فيحاء، فيحاء( . . وكذلك الكاف واشكاله
الامر الذى نستنتجه اذن : هو انه يجب تبسيط الحروف العربية قبل النظر فى تبسيط طباعة الحروف العربية بان نجعل لكل حرف متصل صورة واحدة مثلا . . . .
نحن نعلم ان عدد الحروف العربية تسعة وعشرون ) بما فيها الهمزة ( . . ولكن طباعة نص عربى فى الحالة الراهنة لاتتم الا باستعمال 280 شكلا ! ! فى حين ان طباعة نص فرنسى او انكليزى مثلا تتم باستعمال 70 شكلا فقط !
ومن البدهى ان هذا العدد الكبير من الاشكال المطبعية اللازمة لطبع نص عربى ، عائق لانتشار الطباعة ، وبالتالى لانتشار المكتوبات العربية اى الثقافة العربية ، ولست فى حاجة الى ذكر ارتفاع ثمن الكتاب العربى الذى هو نتيجة مباشرة لهذه المصاعب المطبعية . .
الا ان الامر يكون هينا لو لم تتجاوز المصاعب الناتجة عن الخط العربى هذا الحد ، اذ المشكلة لا تنتهى بتوحيد الحروف ، فثصبح الطباعة اكثر يسرا ، واقل نفقات ، فالحروف العربية تكتب وتطبع ، فى الغالب ، بدون حركات وهى الفتحة والضمة والكسرة والشدة ، والتنوين كذلك . . . وانى اعتقد ان ادخال الشكل القار على الحروف العربية يكون له الاثر الحسن فى نفسية القارىء الذى لا يبقى مبالغا فى اجهاد فكره عند قراءة نص عربى ، وفى فتح اللغة العربية فى وجه عدد اكبر من الاجانب ، اى فى نشر الثقافة العربية والتعريف بنتاج الفكر العربى
ولكن طبع الحروف العربية - وهى على حالتها الراهنة ، اعنى قبل ان تيسر حسبما اشرنا اليه آنفا - امر صعب جدا من حيث التحقيق الآلى الفنى اولا ، ومن حيث النفقات الباهضة ثانيا . ذلك انه يتحتم ان تنضد حروف الطباعة على ثلاث طبقات :
طبقة ترفق فيها الحروف بالفتحة ، وثانية بالضمة ، وثالثة بالكسرة : معنى ذلك ان عدد الاشكال الطباعية الذى اشرنا اليه سيرتفع من 280 شكلا الى 280×3=840 شكلا ، ويجب ان نضيف التنوين الذي سيصحب الحروف في آخر الكلمة ، وعند ذلك نحتاج الى طبقة رابعة ، واذا ما تذكرنا انه لنا 90 شكلا مطبعيا للحروف التى تأتى فى آخر الكلمة ، وانه لنا ثلاثة انواع من التنوين ، اصبح عدد الاشكال المطبعية فى هذه الطبقة الرابعة 90×3=702 28 428
شكلا . . وهكذا يصبح عدد الاشكال الطباعية اللازمة لطبع نص عربي مشكول الحروف :
270 840=1101 اشكال . . هذا ولم نذكر المدة والوصلة والهمزة والسكون والشدة . . اذ يمكن لكل واحد ان يواصل هذه العملية الحسابية المفجعة . . والنفقات الجسيمة التى يتطلبها مثل هذا العمل تزيد مشكلة ارتفاع ثمن الكتاب العربي تعقدا ، ولا تعمل على ترويجه وترويج اللغة العربية . . مشكلة طباعة النصوص العربية طباعة كاملة - حرفا وشكلا لا تسهل وتكون ممكنة الا اذا يسرنا الخط العربى . .
هذه عقبة فنية فى سبيل العربية . واريد ان المع الآن الى مصاعب أخرى تجابهنا يوميا فى استعمال لغتنا ، وخاصة فى التعليم . .
واول ما يلفت الانتباه هو الارتباك المهيمن على العربية - او علينا - عندما نستعملها لتلقين العلوم كالطبيعة والكيمياء والحساب . هل توجد لغة علمية مشتركة يستعملها التونسى والمغربى والمصرى والعراقى . . نجيب بكل صراحة - مجردين عن العواطف التى لا تفيد البحث العلمى ان هذه اللغه لاتوجد ، ولكنها بصدد الانبعاث : كل قطر يستعمل فى ميدان العلوم - لغة عربية خاصة به . . بل كثيرا ما تجد القطر الواحد - يستعمل - فى تدريس مادة علمية واحدة - لغات متعددة : لنا فى تونس مثلا صنفان من اساتذة العلوم بل ثلاثة اصناف : الاساتذة المتخرجون من كليات فرنسية ، والاساتذة المتخرجون من كليات الشرق العربى ، واساتذة مشايخ : تخرجوا من الزيتونة وكلفوا بتدريس العلوم : فالاستاذ المتخرج من كليات فرنسا وهو عادة من قدماء الصادقية يستعمل لغة اجتهد فى تكوينها او الكشف عنها . . وخريج الشرق يستعمل لغة اساتذته الشرقيين ، وخريج الزيتونة قد يجمع بين هذه وتلك ، ويجتهد ما اتيح له ان يجتهد : واذا بك تقرأ او تسمع ، للدلالة على نفس المفهوم الفاظ : " انفراروج " ) infrarouge " ماقبل الاحمر " ما تحت الاحمر " وهلم جرا . .
ولعل نفس الذبذبة موجودة فى تعليم الفلسفة بالعربية ، مع انها فى هذا الميدان اقل خطرا فانك تجدهم يشيرون الى كلمة " intuition بثلاثة الفاظ حدس ، وبداهة واكتناه ، فى حين ان لكل لفظ معناه المضبوط فى العربية Intelligence , raison , bon sens الخالصة ، وتجدهم يشيرون الى كلمات بلفظ عربي واحد : العقل . . فوضى لغوية تدل على فوضى فكرية . .
والعربية هل تدرس بالعربية ؟ قد تبتسم من هذا السؤال ، وقد ابتسم معك ، ولكنى ابتسم ابتسامة صفراء - على حد التعبير الفرنسى ! نعم ، منهم من لا يرى تدريس العربية بالعربية ممكنا ، ومنهم من لا يرى بأسا من تدريس العربية بلغة " دارجة مهذبة " كما يقولون ، او بلغة " عربية مبسطة " كم يقولون فى الشرق العربى . . وانى - ومازلت حديث عهد بالتدريس - فجعت وفوجئت عندما رايت تلامذتى يتبرمون " لانى استعمل العربيه الفصحى فى دروسى وفى مخاطبتهم " وكانت الفاجعة اكبر والمفاجأة اسوأ اذ لاحظت انهم قد يفهمون عكس ما يقال لهم بالعربية الفصحى - وهذا راجع ولاشك الى نظام التعليم المزدوج والى الاساليب التى لقنوا بها العربية . . . وتبرز هنا مشكلة تعليم النحو ، بل تبسيط النحو . . .
وهذه القضية من اكبر المشاكل التي تعوق انتشار العربية . . . فنحن لانزال ندرس النحو حسب الطريقة التى سنها الخليل وسيبويه . . لعل هذه الطريقة كانت دالة على عبقرية ونبوغ ، ولكن ظروفنا غير ظروف الخليل وفهمنا " للمشكل اللغوى " غير فهمه . . فهل بقى معنى ، اليوم ، لقولنا " نائب فاعل " مثلا او " مبتدأ وخبر " او " فعل ناقص " و " فعل غير ناقص " بعد تطور الدراسات المتعلقة بعلم اللغات الحديث وفقه اللغة الحديث . ؟ . ويجب ان نشير الى جهود عدد من اساتذة العربية الذين اخذوا يهتمون بهذا المشكل الشائك كالاستاذ ابراهيم مصطفى ، وكمال الحاج اللبنانى ، والدكتور طه حسين وخصوصا الاستاذ يوسف السوداء بنشره كتاب " الاحرفية " : ثمرة خمسين سنة من البحث والنظر فى اللغة العربية ، وثورة على النحو العتيق . . .
هذا والصحافة " تعمل " لغتها اليومية ، والاذاعة " تعمل " لغتها اليومية ، وفعلا فقد اخذت لغة الصحافة العربية تتركز ، وكادت لغة الاذاعة تتركز . . . وهذا دليل على ان اللغة " تعمل " اذا ما " استعملت " و " توجه " اذا ما " وجهت " بل و " تحدث " اذا ما وجد " الصانع " . . .
رغم هذه الجملة اليسيرة من المشاكل العملية ، لانبعد ان قلنا ان العربية قابلة للتطور ، قابلة للتيسير ، قابلة للتعصير ، قابلة للاستعمال فى جميع الميادين . . لكن يجب ان يوجد العالم العربى فيكشف عن لغة العلم والفيلسوف العربى فيكشف عن لغة الفلسفة الاصيلة والروائى العربى . والمفكر العربى 30 430

