هناك فى الشعر الحديث موضوعات طريقة ، محببة للنفوس ، نطلبها متى سئمنا جلجلة الشعر الحماسى ، وتفلسف اصحاب الشعر الاجتماعى ، وشكاوى الشعراء المتشائمين . هاته الموضوعات تحدثنا عن احب الاشياء الينا ، واعزها علينا ، واعلقها بنفوسنا ، واكثرها مساسا بحياتنا العاطفية واعنى بها موضوع الاسرة والابناء .
واذا كان الشعر هو قبل كل شيء التعبير الجميل عن الشعور الصادق - كما يقول العقاد . فمن هو اولى من اولادنا بأن يكون موضوع شعر الشاعر ، اذ هناك فقط تظهر العاطفة طبيعية حارة ، والشعور منطلقا متدفقا ، لا تكلف فيه ولا تصنع . غير أن امثال هاته الموضوعات لسوء الحظ قليلة لا فى الشعر التونسى فحسب بل حتى في الشعر العربي قديمة وحديثه ؛ هاته الموضوعات التى يتحدث فيها الشاعر عن حياته الخاصة ويصف فيها جوانب دافئة من عيشه فى بيته بين اسرته ، ويتغنى فيها بحبه لابنائه وشعوره بالسعادة بينهم ومجاراتهم فى مشاغلهم والعابهم ؛ وربما قاده ذلك للحديث عن الام والامومة وعن حياته الزوجية وما يحدث في اسرته الحبيبة من ميلاد او اعياد ميلاد او شكوى من مصاب زعزع اركانها . كل هذا من صميم الشعر ، ومما يروق قراء الشعر ويمتعهم اى امتاع وشعراؤنا التونسيون وان لم يكثروا من النظم فى هذا الغرض فإن لهم فيه على كل حال اشعارا قد يكون في استعراض جانب منها حافز يدفع سائرهم للاحتفال بهذا اللون فان هاته الموضوعات في نظرنا اولى بالعناية من تلك المطولات الفخمة فى اغراض فات زمانها واصبحت لا تحرك ساكنا ولا . . ولا تلاقى من قراء الشعر اية حفاوة ، ولا تجدى على الادب العربي فتيلا او تزيده ثروة وقوة .
ونبدأ بالحديث عن الامومة التى خصها المرحوم محمود بورقيبة بقصيد نختار منه هاته الابيات :
يا أم يا زينة الدنيا وجنتها
يا من تفيض على الاطفال مهجتها
يا من بلغت من الافضال قمتها
وكنت يدرا مضيئا في أعاليها
يا بوركت بسمة من فيك سائغة
هي الحديقة للأطفال يانعة
بها الطفولة فى الإسعاد راتعة كم عندها قطفت أشهى أمانيها
يا أم يا نبعة بالعطف طافحة
يا شعة من نواحي الخلد لائحة
يا أم يا زهرة في الكون نافحة
بوركت يا زينة الدنيا وما فيها
ولمحي الدين خريف قصيدة جميلة بعنوان الام يعبر فيها عن اشواق قلبه لامه التى فارقته فإذا كل مباهج الدنيا تفارقه يقول فيها .
اماه يا حزنى ويا فرحى يا بسمة الاطفال في المهد
يا فرحة المشتاق هدده بوح الصفاء وباعث الود
يا مشعل الهدى المبين بدا للتائه الحيران من بعد
يا انت ... يا غرفا مظللة بالآس والنسرين والورد
يا معبدا شيدته بيدى ابدا يضوع باطيب الند
نمقته من نسج اخيلتي وحبوته باعز ما عندى
حبي الكبير وألف اغنية ترجيعها من جنة الخلد
أماه طال الليل وامتلأت كأس الهموم فنبهت سهدى
عودي فقد نثر الأسى عقدي وشبعت من هجر ومن صد
عودى فذى ازهارنا ذبلت والطير وسط الروض يستجدى ..
يحدثنا أحمد مختار الوزير عن عيد الامهات ، ويصف لنا فتاته وقد رآها تقدم لامها باقة من الورود فى خفر وحياء :
حبذا ما قد رأت عيني وما استجليت خبره
تلك بنت قطفت وردا وجاءت مستسره
خفضت من جفنها شيئا وفى الخدين حمره
ثم قالت في حياء : وهي للأعين قره
لك يا أمي ورودى لك ذلك من خدى زهره
ثم ضمت امها ضما وظلت مستقره ،
منظر ما كان أشجاه حنانا ومـسره
خفق القلب لمرآه وفي العينين عبره ...
ويتمنى الشاعر أن لو كان مثل اطفاله مستطيعا أن يتقدم لامه في عيدها ليحظى منها بمثل ما يحظون :
ليتني في العيد كالاطفال اذ يأتون زمره
ليتني من بينهم أعلى - كما يعلون - أمره
ثم أحظى مثل أطفالي من الام بنظره ...
اما عواطف الامومة فتتجلى فى قصيد جميل لجلال الدين النقاش بعنوان "حلم الرضيع" جاء فيه :
بشرى لامك،اوتيت هبة السما أنت الملاك طهارة وتبسما
ضمتك وهي تضم حبة قلبها وشعورها ، وحنانها المتجسما
وحنت تقبل في جبينك غرة مثل الصياح ، ووجنتين ومبسما
هيا ابتسم يا طفل ربت بسمة حملت لامك في شذاها مغنما
ما أنت الا ذلك اللحن الذي عن عطفها الفياض بات مترجما
رقصت مشاعرها على نغماته وغدا به احساسها مترنما
في المهد ما احلى جبينك نائما هل هكذا تغفو الملائكة في السما
يا رب حلم عانقتك طيوفه متراقصات فوق مهدك حوما
وتطايرت بك في فضاء حافل بالنور ، والصور الجميلة ، والدمى..
وهذه ابيات اخرى لنور الدين صمود يصف فيها حنو والدة على طفلها الرضيع :
هددت طفلها الرضيع وغنت وانحنت فوق مهده في حنو
وعلى ثغره النضير ابتسام ، فيه طهر وفيه معنى السمو
فيه ما في الورود من طهر روح فيه ما في اللحون من سكرات
فيه عطف كأنه حضن أم فيه دنيا من المنى الوادعات
فيه كون من البراءة والعطف تجلى وفيه أسمى المعاني
فيه معنى لكل شيء بديع فيه وقع كوقع أحلى الاغاني . .
ومن ارق ما وجدناه فى باب الشعر العاطفى الذى يتحدث فيه الشاعر عن اطفاله مقطوعات للمرحوم صالح سويسى قالها في بنتيه أشيدة وشريفة :
رشيدة قلبي الشفوق رعاك عيشي وسرى بالعفاف اباك
فإذا تبسم ثغرك المعسول في وجهي - فيا لله ما أحلاك
تنأى الهموم على فؤادى كلما فتحت إلي من الكرى عيناك
عند الصباح تزقزقين كطائر في روضة سبحان من انشاك
فإذا رقصت فإن قلبي راقص شوقا اليك ومهجتي ترعاك
أستاذك العصفور علمك اللغى يلقي عليك الدرس من شباك
غني فانك كالهزار اذا شدا بحديقة من فوق غصن أراك ...
وفي مقطوعة أخرى يقص علينا قصة " رشيدة والعصفور " الذى عدت عليه قطة المنزل الخبيثة فأكلته وتركتها حزينة لا تتسلى - ومما يلاحظ ان الشاعر لم يلتزم قافية بعينها فى هاته المقطوعة بل اكتفى بهاء الوصل ارضاء للسلبقة العربية التى لا مفر من ارضائها ولو بشبه قافية :
كانت رشيدة مرة في بيتها مع اختها
تبكي على زمارة في الدار قد ضاعت لها
وعلا البكاء - وبينما قد هال فكرى أمرها
جاءوا لها بهدية من خير ما يهدى لها
عصفورة ذهبية تسبي العقول بشكلها
سرت بها واستبشرت واحمر ورد خدودها
وغدت تزقزق مثلها فثملت من طربي لها
وفى مقطوعة الزهرتان : هاته الدعوات :
يارب اسق الزهرتين من فيض جودك يا معين
قد فاحتا عند الصباح والشمس في ابهى وشاح
والقلب مني في انشراح بجمال لطفهما الثمين
كبراهما قد أينعت وبحسن رونقها نمت
من بعدها الصغرى أتت في بهجة للناظرين
يا رب اسق الزهرتين من فيض جودك يا معين ..
ومحمد الفائز القيروانى معجب كذلك بابنته التي تغدو وتروح للمدرسة فى وقت لم تكن فيه الفتيات يذهبن اليها :
ابنتي الكبرى وقد أرسلتها تتلقى ما يفيد الناشئات
جلست بين يدى استاذها تكتب الدرس وتصغي للعظات
صوتها وهي تناجي لوحها صوت عصفور يناغي الكائنات
أقبلت نحوى نهارا بعدما خرجت من درسها مثل القطاة
وأرتني أحرفا بيضاء قد سطرتها باعتناء وأناة
واذا بنتي بها معجبة مثل اعجابي بها بين البنات
قلت يا بينتي اسمعي واتعظي واطلبي العلم فبالعلم الحياة
وانشئي مثل أبيك بلبلا في رياض الشعر عذب النبرات
واملئي بيتك حبا وتقى لا تصيخي لحديث الجاهلات .
وهذه فتاة أخرى يعجب بها أبوها الشاعر فيصف محاسنها ولا يمل من ترديد اسمها في شعره . اما الفتاة فهي اسماء واما الشاعر فهو احمد اللغمانى
اسماء يا سلواى ويا املى المخضوض ، يا كبدى
يا بسمة حظ ذي تعس يا فرحة عمر ذى نكد
يا قرة عين أبيك ويا ترنيمة مزهره الغرد
أسماء قفى قدامى أر القد المتدرج ذا الملد
ما شاء الله... غدا تصلين الى صدرى ... أهلا بغدى
أسماء الى صدري فلقد أصبحت لهذا الضم صدى
اسماء يا أخت الورد المفتر وتاج الورد ندى
شمس الاشواق على خديك تشع منورة الوقد
يا أطهر روح أودعه البارى أبهى جسد
أسماء وما احلى أسماء يرن صداها في خلدى
يتهتز القلب لنغمتها ، فيفيق ويصحو من همد...
واحمد اللغماني هو أحد الشعراء القلائل الذين رثوا زوجاتهم في الشعر العربي اذا استثنينا عبد الرحمان صدقي وعزيز اباظة وكلاهما رثى زوجته بديوان من الشعر
ولا ندرى لماذا كان الشاعر في ذلك الرثاء مجمجما محتشما بحيث لم ندرك غرضه منه الا بعد اعمال الروية والتأمل في الابيات الاخيرة . تحدث في أول الامر عن حزنه وكآبة نفسه دون أن يشعرنا بالباعث على ذلك :
ليت لي أن أعيش كالصخرة الصماء مستوطنا مكانا قصيا
ليت لي أن تموت مني أحاسيسي ومن لي بأن أصير غبيا
ويح نفسي من الليالي ومنها قد تألبن كلهن عليا
كلما جد في حياتي صباح جد نزف الجراح في جنبيا
تخمد النار بعد لاى ولكن سعيرى يزيده الدهر كيسا ثم أشار اشارة عابرة لمصابه فقال :
أيها الروح يا حبيبي قضى شرخ شبابي لما قضيت فتيا
قد نبذت الدنيا سوى ذكريات هي كوني في ظلة أتفيا
أوشعاع من وجهك المتوارى أجتليه على وجوه بنيا
وأكثر من هذا وضوحا قوله :
يا حبيبى من ذا يخف " لاسماء " اذا ما دعتك " أمي إليا
أى حضن يضم طه ومن ذا يا حبيبي يحوط بالعطف ميا
ولا يكتفى اللغمانى بتسجيل بتسجيل حياة اسرته فى شعره بل نراه يسجل حتى ذكريات طفولته وملاعب صباه . ها هو ذا يعود الى قريته التى ترعرع فيها فيطوف وهادها وروابيها ويدخل الى الروضة التى طالما جلس على مقعدها وقطف ازهارها فتنهال عليه الذكريات ويخيل اليه انها ترحب بعودته ولعله متأثر بلامرتين فى قصيد "الكرمة والمنزل" .
يا دروبا نبت العشب بها يتهادى وفق هبات النسيم
يا وهادا أين ما رددته من صدى حلو الترانيم رخيم
يا روابي هل لديكن رؤى من خيال - قد عرفتن وسيم
ها انذا جئت ما عندك من عهدنا الزاهي وماضينا الكريم
ها أنذا جئت يا روضتنا جئت للحج لاسعى وأطوفا
هاهنا المقعد هذا أثر عنده لم يعف ما أغبي الصروفا
أين أزهارك في بهجتها يتضوعن ربيعا وخريفا
ها أنذا جئت يا روضتنا لتكوني لي في بؤسي اليفا
ودخلت الدار ، ناديت كما كنت في الماضي أنادي في إيابي
فأجابتني أصدائي وقد خدعتني كأكاذيب السراب
وتمسحت على أبوابنا وتمرغت على ذاك التراب
ها أنذا جئت يا منزلنا شفني البين واضناني اغترابي
ولمحسن بن حميدة قصيدة من " الشعر الحر " بعنوان " مات جدك " لا تخلو من جمال على بساطتها . يتساءل الشاعر فى مطلع القصيدة عن سبب أرق آلم به . . مع انه لم يكن هناك في المنزل ما يدعو اليه فهو فى فراشه الوثير بين ولديه وزوجه وكل شئ في مكانه وهذا عدنان واخته ايمان فى مضجعهما ككل ليلة والزوجة غافية تستريح كعادتها الا هو . . لم ينم .. انها الهواجس والوساوس ملآت نفسه لعله تذكر هذا المساء موت ابيه وكيف رأى ابناء الموت لاول مرة وجها لوجه فالولدان يسألان لم لا يجيب الجد ولم لا يبتسم كعادته ولم اطبق اجفانه فلم يعد يراهما وكان الشاعر لا يدرى مايقول لتهدئة طفليه وتخنق العبرة صوته ثم يبكى ... ويتساءل الطفلان من جديد ...
أبتى مالك تبكى ؟
ما أضعت ؟
واخيرا لا يرى بدا من أن يقول لهما :
مات جدك ...مات جدك
ويكون هذا أول لقاء للطفلين البريئين مع الموت ...
ولكن الذى يروقنا فى هذا الموضوع العائلى زيادة عن عمق الفكرة التى يقصد اليها الشاعر - فيما يتراءى لنا . هو هاته البساطة المقصودة التى نتذوقها فى كامل القصيدة ولا سيما فى اولها :
هذه الليلة مالى ساهدا لم ارقد
بين أهلى وبنى فى وثير المرقد
مثل امس . . ليس بالمنزل شىء قد حدث
هذه " ايمان " فى رقدتها
مثلما كل الليالى ترقد
وأرى " عدنان " في المهد ينام
مثلما كل الليالى يرقد
وأرى زوجى بجنبى غافية
تستريح مثلما اعهدها
وانا وحدى الذى لم ارقد ... الخ .
وخلاصة القول اننا نأمل من شعرائنا أن يصرفوا عنايتهم لهذا الشعر العاطفى الذى يصور الحياة العائلية والذى لا يخلو في بساطته ورقته - من نبرات صادقة تعد من روائع الشعر الانساني .
