قال الله تعالى " انما مثل الحياة الدنيا كماء انزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض مما ياكل الناس والانعام حتى اذا اخذت الارض زخرفها وازينت وظن أهلها انهم قادرون عليها اتاها امرنا ليلا او نهارا فجعلناها حصيدا كان لم تغن بالامس " صدق الله العظيم
أجل صدق الله العظيم وصدق رسوله الكريم .
في هذه الآية يجد الانسان نفسه تتنقل من واقع محسوس الى ضرورة معلومة بالحقيقة ، ضرورة الوجود للحياة وفنائها .
ما اروع هذه الآية الكريمة واعذبها حين تردد تلاوتها على الاسماع المرهفة ، واوقعها فى التأثير على النفس المطمئنة إلى ربها .
حقا ان هذه الآية وحدها لذات موضوع كامل جليل وخير فى آن واحد ان لها من
الاهمية العظيمة فى نفس كل مؤمن ما ينبغي وعيها ومناظرتها بتقلبات العصور واحداثها ، ولا يكاد الواعون المتفقهون فى الدين ان يفوتهم مغزاها والمراد منها هذا الى جانب ما تفصح وتحدث عن حياة امة او أمم ستكون بعد نزولها بمدة قرون كثيرة بأن سيأتيها امرها ليلا او نهارا فتكون حصيدا كأن لم تغن بالامس
هذه الآية الكريمة تصور لنا حياة عصر ان لم يكن عصرنا هذا فقد بدت لنا ملامحه من خلالها جليا ، قد تفشى بين اهله البطر واخذتهم فى انفسهم العزة ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ، وسيطرت عليهم كبرياء العقول وقد اضطربت العقول وتصارع في ميادينها الواسعة عنصران هامان فى توجيه هذا العصر توجيها نهائيا مبرما ان خيرا فخير وان شرا فشر . طار بخار هذه المعارك الى عنان السماء تارة وهبط الى جوف الارض تارة اخرى ، وانجلى هذا الصراع المرير وبدا الستار ينكشف عن المتصارعين فاذا هما الروحانية والمادية وقد اسفرت النتيجة بانتصار الاخرى على الاولى انتصار واضحا ملموسا . وأصبحت المادية فيما بعد توالى زحفها حتى التحمت والتصقت بالعقول البشرية توجههم وتمهد لهم سبيل الهاوية ، ولم تبق عقلا بشريا الا وكان لها
مع الروحانية صراع واى صراع ، ومعركة واى معركة ، وشان واى شان فقضت او كادت تقضى على النمو الروحاني مطلقا الا ما شاء الله ان تبقى وكأنه لم تبق هذه القلة القليلة من الروحانية المرفرفة على أوكارها من بين اقطار العالم الفسيح الا لما علمته من ان لا اهمية لهذه القضية الكاسدة بالنسبة لما حازته من صفقة كبيرة رائجة .
اذن فقد كادت المادية تقضي على النمو الروحى وتمضى معه الانسانية الشريفة السامية وتحل محله المادية السافلة لترزح بها اعماق الامم الشرقية والغربية لتحمل معها نذير الشر والهلاك اللذين يهددان كيان الارض ومن عليها .
من هذه الآية فحسب يكفى ان نتعظ ونعلم ان الارض ومن عليها هالكة لا محالة ان عاجلا او آجلا ، ولكن من نحن حتى ينبغى لنا ان نتعظ ونذكر ونعلم ونصدق بهذا المذهب الروحانى السماوى ؟ طبعا نحن العرب بل الحق اقول نحن المسلمون نحن الذين مازلنا نعتنق الروحانية ونؤمن بها أفرادا وشعوبا وحكومات .
فهل لنا بعد هذا الانذار الروحاني السماوى ان لا نبالى بالموت وان لا نخشاه ان متنا متنا كراما شهداء في سبيل الله وان لا نموت بشراك قوم قد اخذت فيهم الحماقة كل مأخذ وهم من لا ننسى انهم حاربونا واذلونا وأهانوا كرامتنا واستغلوا خيراتنا واستعمرونا واستعمروا بلادنا وشتتوا شملنا وفرقونا شيعا .
اخي العربى : هل تذكر ما يسميه الغربيون بالعصور الوسطى ولماذا ؟ سموها كذلك لانه فى ايامها كان النمو الروحانى
مزدهرا ومتغلغلا في اعماق قلوب اهله توالى وتتابع زحفهم في ارض الله وفتحوها تحت راية الاسلام بايمان وشجاعة ورغبة فى الموت في سبيل اعلاء كلمة الله .
بربك يا اخي من كنت تظن او تعتقد أولئك المقصودين بأهل العصور الوسطى ؛ اعتقد انك تقول انهم العرب ، انهم آباؤنا اجدادنا الاولون ، انهم اهل الروحانية والايمان بالله ، اهل المجد والسؤدد ، اهل الصفاء والمودة ، أهل الاخاء والكرامه ، اهل العزة والشهامة ، اهل الحلم والرحمة ، اهل الخلق والفضيلة ، أهل الشرف والاستبسال فى سبيل الله ، اهل الحضارة والتقدم . . أما نحن . . أما نحن اهل القرن العشرين فنحن عرب ، ولكن هل نحن عرب تماما هل نحن كالعرب الأوائل ؟ ! انهم كانوا معتصمين بحبل الله جميعا ولم يتفرقوا ، أما نحن ، اما تحاسدنا وتحاقدنا فقد اثر على حاضرنا ومستقبلنا . ويكفى موعظة ، فلسطين ومآسى الجزائر ايقاظا وما آلت له شقيقتنا الكويت لولا تداركها الغير ) بضم الغين والياء ( وفي طليعتهم مليكنا حامى العروبة والاسلام .
اخي العربى : هل نحن مستسلمون لواقعنا ؟ فنود ان نعمل ونود ان نكون : وكأننا نسينا ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم . يجب ان نغير ما بانفسنا اولا . وقد مضى علينا وقت ليس بالقليل ؟ هل من تغيير ؟ هل من سبيل ؟ هل من طريق لنستعيد كرامتنا ومجدنا ؟ اللهم نعم . .
