لا اذهب الى الكتاب الا قليلا . كثيرا ما اصل الى باب الكتاب ، فافطن الى حيلة ، فاعود الى الدار واقول لأمى : ان المؤدب ذهب ليقرأ على جنازة ، او انه ذهب لكتابة صداق ، او انى وجدت امام باب الكتاب ابنه البشير فاخبرنا بمرض أبيه او ان المؤدب دعى اليوم الى حفل ختان ، وراح كل الاطفال معه لانشاد " الهلالو " ففضلت الرجوع الى الدار لان الصياح يوجع لى رأسى وربما يمرضنى .
هكذا كنت استعمل حيلا عديدة ، لكى اعود الى الدار . اما فى الايام الجميلة ، فكنت اتجول فى شوارع المدينة ولا ارجع الا عند منتصف النهار فاطلب الفطور كعادتى ، والح فى طلبه حال دخولى ، واجعل آكل ، وانا احدث أمى عن كل ما يجول برأسى . فاقول لها : لقد محوت اليوم لوحتى يا أمى ، وانى استظهرت سورتى أمام المؤدب بسرعة فائقة هذا الصباح ، فابتسم لى حين انتهيت ، وقال لى :
" انت رجال ! رجال ! وقمقوم يا على ! توا امح لوحتك ! )
ثم اقص عليها كل ما لقيه بعض الاطفال من ضرب ، واسمى لها البعض منهم . . . وعندما انتهى من تناول الفطور ، اقول لها : الآن يجب ان اعود الى الكتاب لكى يتمم المؤدب املاء سورتى الجديدة . ثم اخرج من الدار لا تجول من جديد فى انهج المدينة وازقتها .
لكن كنت افضل البقاء فى ايام الشتاء فى الدار ، بل فى الفراش ، فلا افارقه الصباح كله ، وقد اتقنت ما كنت اتدبره ، وهو ايهام أمى بانى مريض . ومن الليل اشرع فى تنفيذ خطتى . فابقى أول السهرة مع والدى بدون ان اتكلم ، وانا اتململ واكثر من الاتكاء على مرفقى حتى اجعل أمى تهتم بى فتكثر النظر الى اولا ، ثم لا تلبث ان تدنو منى فى آخر الامر وتقول لى :
- " آشبيك يا على ؟ " فاجيبها بتثاقل ،
- " شئ ما بى " .
- " لا . ما تقليشى شى ما بيك ، عينيك محوقين وانت لا كلمة ولا سلمة " .
- " لا قتلك شى ما بى " . فتضع يدها على رأسى ، وهى تنظر الى بعين فاحصة متحيرة . " ووه يا وليدى ، راسك سخون كالنار ، برا لفرشك خيرك " . وهكذا احقق اهدافى الاولى ...
واذهب الى فراشى ببطء وتثاقل ، واظل زمنا انقلب ثم انادى أمى طالبا الماء - ثلاث مرات عادة - ارغم نفسى على الشراب حتى اجعلها تتاكد من انى نعب حقا ، مريض حقا ، محموم حقا . وبعد ذلك ، اكف عن طلب الماء ، واسلم نفسى الى نوم هادىء عميق ، وانا مسرور فى قرارة نفسى بما فعلت . . .
وفى الصباح . امكث فى فراشى بدون حراك . لكن سرعان ما اسمع سعال أبى ، وتنقله فى غرفته ويتضح لى سعاله عندما يفتح الباب ، ويشتد حين يمر امام غرفتى ، ويتفاقم ثم يغيب شيئا فشيئا عند دخوله المطبخ .
ويمضى زمن لا اسمع فيه شيئا . ثم يعلو صوت أبى فجاة وهو يجيب او يسأل أمى . ويكف زمنا وينطلق من جديد . ولا اسمع خلال ذلك حديث أمى ، اذ كان صوت أبى يعم ارجاء الدار فى الصباح بهديره ، فيملأ غرفتى رعبا ، ويستولى على ويدنو منى بنظراته المستعرة الحادة ، يتوعدنى بصفعاته ، وكانه اسد يزأر ، فارتعش وانكمش فى فراشى .
وكثيرا ما تاخذنى غفوة من شدة الخوف . وكنت استيقظ غالبا على صوت امى وهى تحدث عمتى وسط الدار ؛ وقد تقدم الصباح وتسرب نور باهت من تحت الباب ومن النافذة الى غرفتى يعلن الى اقتراب وقت ذهابى الى الكتاب .
ويداخلنى الامل ، وارتاح حين اسمعها تقول :
- " ليلة كبيرة على على ، راسه عمل فيه . هات الماء . جيب الماء . . . مارقد وهجع الا اعقاب الليل " .
او تقول لها :
- " صباح الخير يا فاطمة . تعرف والله ما عرفتش آش نعمل مع رأس على المحنون . ساعة ساعة ، يتحير عليه . هذه غلبة كبيرة ! البارح ما ارقدشى . . . "
او تقول لها :
- " على مريض يا فاطمة . وليدى ما ظاهرلى ينجم يمشى للكتاب اليوم . وجهه اصفر . البارح فى السهرية كاملة ، والسخانة تاكل فيه . والماء ، الماء ، الماء . . . "
وعندما اسمع مثل هذا القول اتيقن بانى لست ذاهبا الى الكتاب هذا الصباح ،
لكن فى غالب الاحيان ، كنت لا اسمع حديث أمى ؛ فابقى فى فراشى مضطجعا قبالة الحائط ، ملتفا فى غطائى ، مغمضا عينى ، منصتا الى انفاسى ، موهما نفسى بانى مريض ، وبانى لا استطيع حتى التحرك او حتى فتح عينى ، وبانى فى نوم عميق ، ولا فائدة فى ازعاجى . وعلى الرغم من ذلك ، فلا يمكن لى ان اظل فى فراشى طويلا بعد ان تتسلل الى دقات ساعتنا الكبيرة المعلقة امام باب الغرفة وابقى انتظر بفارغ الصبر بلوغ الثامنة اذ بعد انقضائها يفوت وقت الدخول الى الكتاب ، ويضرب المؤدب كل المتأخرين ضربا مبرحا .
واسترق النظر من تحت غطائى الى ساعتنا . واثبتها مليا . فيبدو لى انها تدندن ساكنة . وان تحركت ، فان تحركها بطئ شديد البطء واسمع دقاتها دقة دقة ، كانها تقول لى غامزة هازئة : " قم ! قم ! قم ! لقد فطنت ! قم ! قم ! "
لكنى اتمالك ، فاتناساها ، واتشاغل بالعبث باصابعى او بثنايا وسادتى وغطائى ، واغمض عينى ، واخفت من انفاسى ، واتناوم . وعلى الرغم منى ، تبقى اذناى مصغيتين متصيدتين كل ما يجول داخل ساعتنا . ورويدا رويدا تعود الى دقاتها ، فتملؤنى غضبا ، فانظر اليها بعين ناقمة ، واذا بها تشير دائما الى السابعة . . . فاقفز من فراشى واثب على البنك ، وافتح اطار الساعة وادير عقربها الطويل بسرعة . وعندما اعود الى فراشى ، اجدها قد انتقلت الى السابعة وعشرين دقيقة فافكر ، حينذاك ، فى اصدقائى الذين يسرعون الى الكتاب ، بينما وقف المؤدب يراقب دخولهم واحدا واحدا ، ويعدهم عدا ، وينهرهم نهرا ، ويشتمهم شتما ، ويتوعدهم والعصا فى يده . والقى بنظرة الى ساعتنا واذا بها تشير الى السابعة والنصف . ان مؤدبنا لا يسمح لاحد منا ان يطأ عتبة كتابه بعد الثامنة ولو بدقيقة واحدة . لكن القبقاب يدنو ، ثم يدخل الغرفة ، ويقترب منى ، ثم ينقطع وقعه واذا بأمى تقول لى :
- " على ، يا على ! هيا قوم ودبب نفسك خطيوة خطيوة للكتاب " .
فتقع هذه الكلمات كالصاعقة على رأسى ، فاجتهد فى التناوم ولا اجيبها ، واتركها تنادينى مرتين او ثلاثا . ثم تمد يدها وتدخلها تحت الغطاء بدون ان تزيحه ، ثم تبحث بها عن راسى فوق الوسادة ، وتضعها على جبينى ؛ فاجيبها بصوت شبه مضطرب :
- " يامى شريبه ماء " . فاسمعها تقول :
- " الصبر ! الصبر ! السخانة عملت فيك ، توا نجيب لك شويه حليب خير " .
واسمع قبقابها يبتعد شيئا فشيئا ثم يدخل المطبخ . واشعر بها تنقص من
سرعة خطاها ، وهى تقترب من الطاولة وتمد يدها الى " الكاسارونة " ، وتصب الحليب فى كأس . الآن امتلات الكأس وقد امتلات فعلا إذا سمع وقع الصحن على " الكاسارونة " . ويعود القبقاب من جديد ، ويقترب وقعة شيئا فشيئا حتى يدخل غرفتى . ثم بهمسة ثانية :
- " قوم ! ... اشرب " . فلا اجيبها . - " هيا قوم ! " - " ايه هات ... "
واجلس ، فتضع لى يدها اليمنى وراء ظهرى ، واقدم راسى ، وامد شفتى ، واتلقى كأس الحليب ، واشرب بلهف حتى افرغها ثم اقول لها :
- " عطشان ، عطشان نحب الماء " .
فتجيبنى بحنان :
- " يكفى يا وليدى . توا السخانة تزيد عليك " .
وهكذا اعود الى النوم ، وقد فرحت ، وتيقنت من الحصول على هذا اليوم كله كذلك . . .
ذات صباح ، كنت اتناوم مترقبا اعلان الثامنة كعادتى ، وانظر بين لحظة واخرى الى ساعتنا الكبيرة ، لكن لم اطق الترقب طويلا ، فالقيت نظرة خاطفة الى الباب ، ثم انطلقت نحو الساعة كعادتى ففتحتها ، وقدمت العقرب الطويل بعشرين دقيقة . وعدت الى فراشى بسرعة . ولم تمض لحظة حتى رفع عن الغطاء ، ونزلت على رأسى ضربة هائلة ، واذا بأمى تصرخ بى فى عنف :
- " هذى اعمالك يا كلب ؟ يا رهدان ! تعملى روحك مريض ! قوم ، قوم من حينك . توا للكتاب ٠٠ . "
وترجنى رجا عنيفا ثم تنتزعنى من الفراش ، وهى تصيح :
- " والله عرفتك يا كلب ! ترهدين صافى ! والله لما انهزك آنا للكتاب . يا منزوس . لما يندب لك سعدك المدب . . . "
واقبلت على عمتى مهرولة ، مشتعلة العينين ، ممتدة الذراعين ، فافتكتنى من يد أمى بقسوة وهى تصرخ :
- " هات هولى الكلب قلت لك يا خيرة راهو رهدان ! " والبستنى ثيابى على عجل ، محدقة لى بعينيها :
- " والله يا خيرة لاما انهزو بيدى للكتاب ! والله يا كلب الاما تتحمل ، تاكل على مشومتك ! اليوم نهارك ازرق ! ... "
وبصاقها يتناثر فى وجهى . ودفعتنى امامها فتمنعت ، وتمسكت بباب الدار قائلا :
- " قبل ما نمشى انحب نفطر يامى " .
- " فطورك اليوم طريحة عند المدب " .
وتناولتنى من ذراعى ، ورفعتنى عن الارض ، ووضعتنى على ظهرها ، ثم اخذت تهرول وانا اتدلى واخبط برجلى ، واصيح مناديا امى ، وابكى واشهق وعندما اقتربنا من باب الكتاب انقضضت على رقبتها وعضضتها بغيظ وبكل قواى . فالقت بى دفعة واحدة على الارض ، وصاحت :
- " يا غدار يا كلب يا غدار . تقدمنى يا غدار ؟ "
وجذبتنى اليها ، واخذت تقرصنى وتمعس خدى حتى احسست انهما قد قلعا منى . فاطلقت صيحة هائلة ارتجت لها هذه الغولة الهائجة فمسكتها من شعرها ، وجعلت اجذبه حتى بقى شىء منه فى يدى وخدشتها باظافرى ، ونطحتها ولذت بالفرار . وسرعان ما غبت عنها ، فاخذت اتجول فى الشوارع ، وانا افكر فيما يترقبنى عند عودتى .
لقد افتضح امرى ، وفطنت امى الى كل حيلى . فمن المستحيل ان اتكلف المرض فى المستقبل . فالى الكتاب كل يوم ، الى الكتاب دائما . ولا شك سيزداد غضب امى عندما تعود اليها عمتى منتوفة الشعر ، مخدشة الوجه . وانى مسرور بانتقامى هذا لقد انتقمت لى اظافرى الصغيرة من تلك الغولة الماكرة ، وقد انتقمت لى اسنانى وانتقم لى راسى . لكن ستترقبان عودة أبى . . . سامضى الليلة مربوط اليدين والساقين بدون طعام ولا شراب . وساحمل غدا الى الكتاب قهرا ، وساشبع ضربا . من الاحسن الا اعود الى الدار سابقى حرا بعيدا عن كل ما يترقبنى من عقاب . . .
هذه جولتى اشرع فيها بفرح وسرور ادخل الازقة زقاقا زقاقا . واذا وجدت اطفالا فى طريقى ابادر باللعب معهم . وان أبوا ضربت أحدهم وحين ياخذ فى الصراخ اهرب ضاحكا ولن تمضى لحظة حتى اسمع أمه او أخته الكبيرة او خالته تصب على وابلا من الدعاء والشتائم . . .
لكن بدأ المطر ينزل . فاتجهت نحو اول " ساباط " داخل زقاق طويل كان فى طريقى . ومكثت هناك زمنا اترقب انتهاء المطر . وكان فى آخر " الساباط " دار لها باب ازرق مفتوح على مصراع واحد . فشاهدت اول الامر رجلا يخرج ، وفى يده مفتاح كبير ، ويتجه الى مخزن تحت " الساباط " ، فيفتحه ثم يخرج
منه بعد قليل ، فيحكم غلقه بالمفتاح ، ويعود الى الدار وفى يده مطرقة . ورأيت بعد ذلك طفلا يخرج من الدار ، ففهمت انه ابن الرجل . فيتحه الى المخزن بدوره وبيده المفتاح ، فيفتح المخزن ويغيب برهة ثم يخرج وفى يده منشار . ويغلق المخزن بصعوبة ويعود الى الدار . ولم تمر لحظة حتى يخرج من الدار الرجل والمفتاح فى يده وبينما هو عائد الى الدار بعد غلق المخزن وبيده سطل نزلت دجاجة حمراء من نافذة المخزن وهى تنق ، وتنقض ، ملوية الجناحين ، متمايلة ، جازعة . فيقتفى الرجل اثرها قائلا لها بهدوء :
- " هيا هيا مريم ابركى ابركى "
وسرعان ما تقف الدجاجة وتبقى رافعة الجناحين ، مطرقة ، مترقبة ، ساكنة ، مفتوحة المنقار ، ظاهرة اللسان ، لاهثة . فيتناولها الرجل بين يديه ، وياخذ يداعب ريشها وراسها ثم يقول لها :
- " توا الصندوق . الصندوق "
ويرجع بها الى المخزن ، ويفتحه وهو ما زال يخاطبها ، وهى هاجعة مصغية بين ذراعيه .
- " ما عادش تخرجى يا مريم ! بيضى ديما فى الصندوق ، موش فى الشارع . اسمعت يا غنجة يا بنت سيدها ؟ "
ويغلق نافذة المخزن بلوحة ثم يعود الى الدار ثم يخرج الطفل بدوره ، وبيده براد تاى . فيفرغه من الحشيش بجانب باب الدار . وقد أخذ البخار بتصاعد ... فالعائلة كلها فى الدار تطبخ التاى والرجل والطفل وأمه واخوته كلهم يشربون ، يتحدثون ، يضحكون . . . اشعر بالجوع اريد الخبز والجبن وقليلا من التاى . لا ، بل اريد قطعة كبيرة من الخبز وقهوة . . . ان ابنهم لا يذهب الى الكتاب ، انه يبقى بين ابويه صباح مساء ياكل ويشرب ويلعب ويمرح ؛ ومن حين لآخر يذهب الى المخزن انه لا يريد الذهاب الى الكتاب بل هو يريد الحلوى عوض الكتاب رايت حنكه فيه قطعة حلوى . لاحظته منتفخا ، فهو لا ينفك بلوك ، وشفته الحمراء ما تنفك تصعد وتهبط ، وهو يبعث بنخرة ليعيد الى أنفه ما كان متدليا على شفته العليا فى خضرة غامقة . كلب عظيم يخرج من الدار ينبح ويعدو . اجرى افر يقتفى اثرى . اجرى واجرى . الرجل بناديه النباح يقترب منى اكثر فاكثر . يعضنى انه يعضنى نباحه يبتعد يكف . أقف وانظر الى رجل اتاملها فلا اجد شيئا .
لكنى بدأت احس بالجوع اسمع عن بعد : يا برويطه يا برويطه ، ذوق قبل ما تشرى ، هاو الحى الحى توا جاء من بحره . ادخل اسواق الحلفاوين . رجال كثيرون يمرون ، يقفون ، يشترون ، يتحدثون هات زوز كيلو يا خوى . هاو الورد يا طماطم صباح الخير يا سى محمد والله لما تجئ يا سى الهادى .
هات قته نعناع صباحك مبروك ، صباحك زين صباحك دقلة وحليب . رجال بتشاجرون سبابهم يعلو . الراس يقترب من الراس الاصابع تقترب من العين . الكعبة واختها ، ما انبيعش بالفرز . الصياح . الصياح . امرأة تجذب ابنها من يده . الطفل يتملص ، يبكى ، يقف فتجره الأم وتدعو عليه . بر بالك ، بر بالك ، ايس ، ايس قدم . هاو الحمص المنفخ هات قته بصل . لا ياسر عشرين ، ثلاثة دورو برك كان تحب تبيع . نص طزينة سلق . الارجل تتحرك القفاف تتمايل بجانب الارجل قفتان ، ثلاث ، اربع ، خمس ، بيضاء وزرقاء وحمراء . بيضاء . عكاكيز تدق الارض . ارجل . ارجل . ارجل عارية صغيرة وسخة . احذية لامعة ، نصف لامعة ، وسخة ، غير لامعة ، جديدة بدون سيور ، بدون وجه سفاسر ، سفاسر بيضاء . دورو كلافز ، ودورو معدنوس . شربة بارده يا عطشان . هاو الزهو هاو الوطن لا ، ما زال الباقى ، شم ، شم قتلك شم . سفاسر مشمرة ، سفاسر نصف مشمرة وسخة . الوحل يتطاير وراء الارجل من تحت الاقدام . رجل سمين ، رجل اسود . رجل أزعر . رجل له انف طويل . أوجه مختلفة عين تنظر يمنة وعين مفقودة يا بابا ما نحبش نبيع نح يدك دبر على روحك ، فك على يا سيدى ، ها الصمامه ، ها الصباح المبروك . رجل يشبه ابى . اهرب التفت : لا ، لا ، ليس ابى . افواه افواه تتحدث تصيح ، تشد اطراف السفاسر . . افواه حمراء ، افواه تبتسم ، افواه عليها شوارب طويلة ، واخرى سوداء او بيضاء او رمادية يا عمر يا عم حميدة ، يا عم حميده . ديارى ديارى ملسوقه ديارى هاو الكرشه دورو فلفل زينة ، خموسية زيت . نعطى لاختى كل ما تحب اختى ، صباح الخير يامى ، صباح الخير ياولدى لا . لا . ماله بطلت ما نشريش . تحطلى الخامج اخزرلها هاذى خامجه الكيلو بدورو ، بدورو ، الكيلو بعشره . هات برج قرع يا ولد ، ودورو حمص منفخ ، وعشره قارص ؛ هاو الخبز طبونه . عمى فاك العينين اللطف على من العمى نموتو احنا اللى يحبك اموت ، لحمات هائلين ما زال يرضع فى الحليب يا خوى ، ما زال يرضع فى الحليب يا بابا ، ما زال يرضع فى الحليب يا سيدى اللحوم معلقه ، عظيمة حمراء ، اكتاف معلقه اوراك معلقه جزار منهمك فى عمله ، يقطع اللحم بسرعة . يعمل فيه سكاكين مختلفة . انظر الى ما بين يديه بشره . لو كنت عوضه لمسكت بسكينه ولقطعت احسن لحمة ، وذهبت بها الى الكوشة انى احس بجوع شديد ، امعائى تضطرب . انى اتعجب كيف يبقى الجزار امام هذه اللحوم كلها بدون ان يحس بجوع لم لا بحس بالجوع مثلى ؟ يقصب فوق قرضة ، فتات اللحم والعظام تتطاير كالشرر من تحت ساطوره . عند كل ضربة : هه ! هه ! اسمع عند كل ضربة همهمة كهمهمة المؤدب حين يهوى باحدى عصيه على الارجل الصغيرة البيضاء . صار يدخل سكينه فى فخذ العجل ، يديرها بسرعة فائقة ينتزع من الفخذ قطعا طويلة ، صغيرة ، عظيمة ، حمراء ، او شبه بيضاء منتفخة ، او شبه زرقاء ؛ لها فقاقيع نشبه فقاقيع الصابون . . اخذ الجزار يصفر لقد ظهرت قصبة بيضاء ملساء طويلة لها
رأس غليظ ؟ ثم اخذها ورمى بها فى قاع الحانوت المظلم ، ومسح عرق جبينه بكمه والتفت الى اللحوم المكومة واخذ ينظفها ، ويمسحها ، ويقطعها ، ويرتبها امامه ؛ وراس العجل معلق ، ينظر الى الناس بعينين غائرتين طافئتين وهو لا يهتم بشئ وفى فمه سيقارو ، ولعابه سائل طويل رقيق كخيط صيد تحت اشعة شمس ، لو كنت هذا الجزار لغلقت حانوتى ، وقصدت الكتاب ، والقصبة فى يدى ، ولصعدت الكتاب بخطى ثابتة ، ولضربت بها راس المؤدب بلا انقطاع حتى يسيل دمه ، ويغمى عليه . فاصب عليه ماء المحبس ، فيفيق ، فاعود الى الضرب ، وانا اقول عند كل ضربة انزل بها على راسه : هه ! هه ! . اضربه بلا رحمة ، بلا شفقة ، لانه يضرب الاطفال بلا رحمة ولا شفقة ، اما انا ، كما قلت : لا اذهب الى الكتاب كثيرا ، واذا ما ذهبت لا اجلس امام المؤدب ، بل اختفى وراء اكبر طفل ، فيمر النهار ، فلا ينتبه الى ولا ينادينى وياتى المساء بسلام : انى لم اضرب ولو مرة واحدة ، لم اذكر انه اشبع ساقى ضربا . كان يهاب ابى كما قيل لى ! لكن الحقيقة ليست هذه . بل كنت اختبئ فلا يعثر على ! ...
بقيت اتجول زمنا طويلا فى أزقة وانهج اجهلها . واذا بى اسمع صراخ اطفال ، فاخذت اتتبع الاصوات شيئا فشيئا ، فجعلت تتضح اكثر فاكثر : " . . . نكته من سفل ، التاء اثنينا من فوق ، الثاء ثلاثة من فوق . . . " ثم انخفضت الاصوات ، وتخاذلت حتى كادت لا تسمع ، واذا بصوت شديد يصرخ فيهم :
- " هيوا اقراوا يا كلاب ! "
فتعلو الاصوات لحينها مرتعشة ، ويشتد الصياح حتى تكاد تختنق الحناجر ، لكن لم تمض بضع دقائق حتى تفتر الاصوات وتسكن فيعود الصوت الشديد باغلظ واهول من المرة الاولى : فيهز الاطفال هزا عنيفا مزعجا ، فتنطلق الصيحات من جديد مختلفة الاوزان ، متسابقة ، متلاحقة : " أليف لا شى عليه ، الباء نكته من سفل ، التاء لا شى عليه ، الثاء ثنينا من فوق ، الجيم ثلاثا من سفل ، الحاء اثنينا من فوق . . . وحدة اثنين من سفل " ويهتز الاطفال متمايلين يمنة ويسرة . ثم يعم السكوت فجأة ، وبعد قليل . . . يصرخ طفل :
- " يا سيدى تائب ! والله تائب الشفاعة ... انـ ... انموت هكه يا ربى ! . . . "
كانت عصا المؤدب تهبط بسرعة على ساقى الطفل والطفل يبكى والمؤدب يلعن ويشتم :
- " يا كلب هه ! هه ما حفظتشى سورتك ؟ الله يهلكك ! هه ! هه ! توا جمعه خوذ : هه ! هه ! .. "
وتوالت الضربات على ساقى الطفل المسكين ثم كفت وبقى الطفل يصيح واذا بى اسمع :
- " اسكت اسكت والا توا رانى انزيدك !
وكف الطفل عن الصياح لكنه ظل ينشح خفية وهو يتلوى . . . ومضت دقائق لم اسمع فيها شيئا ، وبغتة ارتفع صوت طفل آخر ، وعادت العصا الى الضرب فى قسوة . وصوت المؤدب يلعن :
- " يا كلب ! يا كلب ! هه ! هه ! توا نقتلك ! هه ! هه ! حتى الدم يسيل من ساقيق ! هه ! هه ! اليوم مائه ! والله مائه ! ...
. . صعدت الادراج بحذر ، ونظرت الى الاطفال بنصف عين ، واذا بهم فى سكون رهيب ، واذا بالمؤدب ينظر اليهم واحدا واحدا ، وهو يهمهم فصرخت بمل فمى :
- " يا مدب يا كلب !.. يلعن !.. ويلعن !.. ويلعن ! ... "
وأطلقت ساقى مع الريح . لكن لم البث ان سمعت : سب المدب ... شد شد ... سب المدب شد شد ! " فالتفت ، واذا بالبشير ابن المؤدب و الطاهر كربيلا " يجريان خلفى فدخلت أول نهج لقينى ، وجعلت التفت ، واختلف يمنة ويسرة فى انهج مجهولة ، متشابهة ، ملتوية ، متلاقية متفرقة حتى تيقنت بانه من المستحيل اقتفاء اثرى . لكن ، جعلت التفت ، حين الى آخر . . . . ثم خففت من سرعتى ، وبقيت ألهث من شدة العدو .
وسرعان ما قذفنى نهج الى شارع باب سويقة ، بين حوانيت الحدادين فسررت بالمفاجأة ولم اكف عن الالتفات . وامضيت زمنا انظر الى الحدادين وهم منهمكون فى عملهم ، يدخلون قطعا من الحديد مختلفة الحجم فى النار ، ثم يخرجونها وقد صارت حمراء ، فيهوون عليها بمطارق ، فتعجبت كيف أصبح الحديد لينا مطوعا ، ومكثت اتفرج طويلا . . . كم الساعة ؟ الثالثة ؟ الرابعة بعد الزوال ؟ الخامسة ؟ رجال جالسون فى المقاهى ، هاو لرتى والحلوزى ، اصواتهم تملا اذنى لا يكفون عن الصياح : جيب شربه ماء ، زوز قهاوى ، أرشم ، رجل جالس وحده ينظر الى المارة يتثبتهم هاو لرتى والحلوزى ، رجل يقرأ جريدة جماعة ملتفة حوله تنصت الى كل كلمة تخرج من فمه ارشم ، برميله باجى ، يا عبد الستار حسن راهو اتعدى وينشد عليك ، هات قازوزه ، رجل يتمخط فى محرمة كبيرة مربوطة فى فرملته ، جماعة تتحدث ، هاو لرتى والحلوزى وجماعة تتحدث ارشم يا يويو هات كعبة ، حل كفك ور هات آش عندك رجل يفتل شاربه . زينة زينة زينة آه يا بنت الهنشير يا زينة ، رجل يضرب على الطاولة على لحن
الاغنيه ، رجل ينظر الى عصفور القهوة . هات حاره ارتى ، يا ولد . اعطنى طابع سكر ، ارشم . رجال يدخلون ، يجلسون حول طاولة ، ارشم ، انهم سعداء . يدخلون ويجلسون فى المقاهى كما يشتهون لا يذهبون الى الكتاب مثلى قبل الثامنة ، ارشم لا يترقبهم المؤدب عند باب الكتاب والعصا فى يده لو أصير رجلا فى هذه اللحظة ، هاو لرتى والحلوزى . لو اجلس بينهم واترشف قهوة واستمع الى الغناء ولا اعمل شيئا . . بل أظل انظر الى عصفور القهوة حينا والى المارة حينا ، والى لاعبى " الشكبة " . . . وان تكون لى اموال كثيرة واولاد لا ارغمهم على الذهاب الى الكتاب ، ولى امراة او امراتان او ثلاث واسكن فى بيت جميل ، ولى قطر بيضاء ، وكلب صغير . . . صفعة هائلة تنزل على رأسى اشعر بالارض تدور . ظلام . نجوم لا يحصى عددها صفعة ثانية ، صفعة ثالثة ، ورابعة . اتمايل ، اكاد اسقط على الارض لكن ، امسك من أذنى واجرجرا وصوت أبى يملوءنى جزعا وهلعا :
- " آش تعمل يا هامل ؟ تهرب من الكتاب ؟ . . هانى شديتك ! . . اليوم باش نقتلك ! . . " احاول الفرار . اقفز لكن وجدت نفسى ممسكا من ذراعى بيد من حديد ٠٠٠
يفتح أبى باب الدار ، فيدفرنى ، فاسقط لحينى ، وتظهر أمى ، وتنظر الى بحيرة ، وتخرج عمتى معصوبة الرأس وكانها تقول لى إييه باش تاكل طريحة يا غدار الليلة مشومة اعليك " .
ويصرخ أبى :
- " هات الحبل يا خيره ! " - " يا بابا سامحنى والله ما نعاود صنعتى " - " إيه توه تشوف يا كلب "
وتدنو أمى بخطى مضطربة ، فيختطف الحبل من يديها ، ويجذبنى اليه ، ويرفع ساقى ويلوى الحبل ويسب ويجذب يدى ويلوى بقوة ، ويجمع يدى ساقى ويلوى ويضغط اصيح صيحة هائلة من شدة الالم ، واتمنع واتخبط ويمسك أبى عصا ويقحمها فى فمى فاحس بوخزة أليمة داخل حلقى اهتز ، يزداد صباحى وبكائى انادى أمى انقلب محاولا فك قيودى لاهرب لكن لم استطع شيئا ، وتدنو أمى رويدا رويدا ، ثم تهمس لأبى :
- " بالله يا سى صالح يكف ، يكف . هاك ضربت هاك ربيت ! " فيلتفت اليها أبى ويجيبها بغضب : - " خلينى ! فك على ! توا ادبر على اش نعمل " فتتشبت بيديه ، مستعطفة : - " بربى يا سى صالح ، بربى يزى برحمة للا ، يزى ! "
فينظر اليها :
- " عيب عليك ! عيب عليك يا خيرة ! "
- " هاك ربيت ! هاك ضربت يا سى صالح ! ما اكسبنا فرد طفل ! نقتلوهش ، ونرتاحو ؟ هذا كا ربى آش اعطى ! "
- " اتحب يطلع هامل ؟ اتحبه يطلع شيات بياع سوافر ؟ "
- " الداية من الله ! كان اطلح لروحه وكان اصلح لروحه ، آش نعملوا ؟ عملنا اللى أعلينا "
فينظر اليها أبى ، فيجدها تبكى ، فيخرج من الغرفة مزمجرا حانقا . . .
أظل ابكى وحدى فى الغرفة زمنا . . . وتقبل أمى وتقول لى :
- " يا بو العمايل ! اعطاك طريحه ، شعيره لخرج لك روحك ! . "
لكن لم استطع جوابا . احس بدوى فى اذنى ، وبصداع فى رأسى ، صارت عيناى كانهما جمرتان . . . تعبت من طول البكاء . . . بقيت العبرات تخنقنى . أبى يحدث أمى فى الغرفة المجاورة . . . ما زال غاضبا لا يكف عن الخصام ... سيتابع معاقبتى . . . سيتابع بدون شك - ذلك هو دابه . . اخذ صوته ينخفض ، يهدا شيئا فشيئا . . . يسكت مضت دقائق لا اسمع شيئا . . . واتت أمى وبيدها مقص ، وجعلت تقص الحبل بدون ان تكلمنى او تنظر الى .
وقالت لى بعد ما انتهت من حل قيودى :
- " بر لفرشك فيسع . بوك حلف الليله ما تتعشا بشى ! "
ارتميت على فراشى ، فشعرت براحة كبيرة ، وبقيت بدون حراك ، خوفا من عودة أبى ، ومن ضرباته المفاجأة على رأسى من فوق الغطاء . . . بدأت احس بألم داخل فمى . فتحسست حلقى بأصبعى فوجدته مؤلما داميا فجزعت ، وتيقنت بانى سأموت ، وانى اريد ان اموت انتقاما من أبى لكن سوف تبكينى أمى . . وترتاح عمتى ، لكن اريد ان احدثك يا أمى ، اريد ان احدثك واقول لك ان عمتى ضربتنى ضربا مبرحا فى الشارع وانها جذبت خدى حتى كدت أموت فعلت ذلك فى الشارع بعيدا عنك لانها لا تستطيع ان تضربنى فى الدار امامك انها تخافك انها تعرف انك لا تريدين ان يمسنى احد وساقول لك انها تكرهنى كرها كبيرا فهى من حين الى آخر تسدد الى نظرة من نظراتها النارية المحذره فى الدار اذا فطنت الى بعض حديثها مع الجيران ضدك وكانت تقول لى : " والله لو تقول لأمك اتشوف آش نعملك " كنت اخافها اهابها لكنى انتصرت عليها اليوم انتصرت عليها حقا لقد نتفت
لها شعرها ومزقت لها خديها وشمتها وانتصرت عليها وسمعتها يوما تدعو عليك بالموت - فبكيت سرا ولم استطع ان اقول لك شيئا كنت غبيا اخافها كثيرا كانت تنتقم منى عندما تذهبين الى الحمام او تذهبين الى بعض زياراتك كانت تضربنى بدون شفقة لا تتركنى العب فى الدار او فى الشارع واذا مددت يدى الى بعض لعبى انقضت على كالغولة وضربتنى . وكانت تدخل الى الطبخ من حين الى آخر وتاكل الفحم بشاهية غريبة وتدخل بيت المونة وتاكل كل ما يطيب لها وكلما مددت يدى الى بعض امتعتنا وكلما اقتفيت اثرها كشت فى وجهى : " ها البلا ديما وراى كالحمة انت " انى الاحظ حركاتها وتنقلاتها فى الدار عند غيابك انها تدخل غرفتك وتجعل تقلب ملابسك قطعة قطعة وتفتح خزانتك وقلسك وتنظر فى كل امتعتك بشره حينا وبغضب حينا آخر . ومرة ارتدت بعض ملابسك وجعلت تتجول فى غرفتك وهى تغنى . ومرة لست ادرى ماذا اصابها جذبتنى اليها وجعلت تقبلنى بحنان كبير . وانى اعرف من افسد احدى سكاكينك الفضية . عندما سألتها وانبتها غضبت وزعمت انى صاحب الفعلة لا بل هى التى قطعت بها خشبة كبيرة كنت انظر اليها وهى تنزل على سكينك بيد المهراس وانى كنت انتقم منها نصف انتقام . انها لا تستطيع ضربى امامك انها تبتسم لك لكنها من اشد اعدائك لم لم ترفضى وجودها فى دارنا ؟ لم لم تطرديها ؟ اعرف انك لا تستطيعين عصيان أبى وانك لا تستطيعين ان تطلبى منه هذا كله قوتك هى الصبر مهما كان الامر انك لا تريدين ان تفوهى بكلمة تخدشين بها ضمير أبى لكن عمتى لا تكف عن الحديث فيك بين الجيران حتى صاروا لا يكلمونك الا نادرا عندما كان يخاصمك أبى انه لم يخاصمك فى شانها ولو مرة واحدة بل يخاصمك فى شانى كثيرا فتبقين دامعة العين صابرة ساكتة فعفوا ومغفرة ليس لك الا الدموع فانى لا استطيع ان اشاهدك تبكين بدون ان ارتمى على صدرك واقبلك و ابكى معك ولا اكف عن البكاء حتى تخرجى منديلك وتمسحى به دموعك ودموعى . ان أبى لا يكلمها الا قليلا اسمعها تقول له : صباح الخير يا سيدى . . . ولا اسمع جوابه فى غالب الاحيان بل همهمة لا افهم منها شيئا . ولم تقولين لى كلما ألححت عليك باسئلتى عن عمتى اسكت انت صغير ما تعرفشى لكن اريد ان اعرف كل شئ انى صرت رجلا : سينبت شاربى كشارب أبى وسيصير صوتى كصوت أبى مزعجا ساصير طويلا عريضا قويا كأبى . الآن انى رجل . لقد انتقمت منها سابقا خفية ساقول لك كل الحقيقة يا أمى فمرة امرتنى بان آتى اليها بشربة ماء فبزقت لها فى الحلاب ومرة بلت على سفسارها وحين هبت للخروج كنت انظر الى البقعة الوسخة بسرور ومرة هى نائمة ادخلت لها حبة بطيخ فى اذنها ومرة اخرى وضعت لها قشرة من دماميلى فى صحنها ومرة شاهدت خنافس تتجول فى زنقتنا على ارجلها الرهيفة المرتعشة فاردت ان اضعها على ورقة وان آتى بها الى الدار لكن تذكرت انك تخافين ايضا من الخنافس فعدلت انى اريد ان اقول لك ايضا : لماذا لا يكلمها أبى انه وحيد أمه لا اخت له ولا اخ تبنتها جدتى وربتها وكبرتها فانقلبت أفعى . كانت تتعب
جدتى المسكينة . كانت تكرهها واشتد كرهها عندما صارت جدتى عجوزا لا تفارق الفراش . كانت تقسو عليها ولا تتركنى اذهب اليها فى الصباح وكانت تترك جدتى المسكينة تنادينى او تناديها او تناديك وانت غائبة حتى تيأس فتقوم لحاجتها وتسير بخوف متشبثة بالحائط متحسسة متلمسة جازعة فكانت تنظر اليها من غرفتها ساخرة ضاحكة متمنية سقوطها على الرخام وموتها . وسمعت جدتى تقول مرة : " انحب شويه نفه حكتى فارغه من البارح " فذهبت واشتريت لها حكة نفة من نقودى فترقبتنى عمتى فى السقيفة واختطفتها منى . وسمعت جدتى مرة تصيح " اوه اوه اشنوه تخنقنى تخنقنى " فاسرعت الى غرفتها واذا بعمتى تنطلق منها وبيدها مقص كانت تريد ان تقص به حرز جدتى حرزها الذى لا يفارق صدرها لم افهم مراد عمتى حتى سمعتها مرة تتحدث مع الجيران زاعمة ان حرز جدتى فيه مال كثير آلاف من الفرنكات وعقد الدار . كلما تخرجين يا أمى تذهب عمتى بخطى بطيئة الى جدتى والمقص فى يدها فتسمع جدتى الحركة فتسال ، " آشكون ؟ آشكون ؟ ادخل يا على يا على وتنادينى فاتجه الى غرفتها فتعود عمتى خائبة والمقص فى يدها . تيقنى يا أمى انى لست طفلا كما تقولين لى كلما ساتك فى امرها والححت عليك فيه وانى صرت رجلا وانى افطن الى كل شىء وانى لا اسمح لعمتى هذه اية غلطة صغيرة او كبيرة فى المستقبل ! ... وانى اريد ان اقول لك يا أمى انى كلما تمارضت واقبلت على فى فراشى او كلما نظرت الى اثناء السهرة وانا صامت أتململ فى مكانى لاعبر عن التعب والمرض اريد ان اقول لك لا تجزعى يا أمى انى أتمارض لكى تتركينى فى الدار لكى لا اذهب الى الكتاب . وعندما تنادينى فوالله انى اريد ان انهض من فراشى وان اقبلك وان اقول لك لا تخافى ، انى اتناوم واطلب الماء عمدا لاقنعك بانى مريض لكنى فى صحة طيبة فلا تجزعى فما همى الا ان ابقى فى الفراش حتى تفوت الثامنة لاقوم الى اللعب والمرح . . . لكنى احس بالصداع فى رأسى واشعر بدوار عظيم ، بالعطش . انى مريض هذه الليلة انقلب فى فراشى منذ زمن . انى مريض حقا هذه الليلة ، يد تصطدم بوجهى ، فاهتز أمى تضع امام خدى قطعة باردة منتفخة طرية . اتحسسها فاذا بها قطعة خبز . اضعها تحت الوسادة بسرعة ، وانا خائف من قدوم أبى . ابقى زمنا بدون تحرك . ثم ادخل يدى ببطء ، واقطع منها قطعة كبيرة ، واضعها فى فمى . احس ألما فى حلقى ألوك بحذر ، واعمل لسانى كى ابعد الخبز عن حلقى احرك فمى بلطف ، اظل امضغ طويلا لكى تدوم القطعة فى فمى ، أشعر انها صارت حلوة ، صارت لا شئ . . . آخذ قطعة ثانية ، اتتبع كل حركات فمى ، وتنقلات اطراف الخبز بين اضراسى ، وتحت لسانى ، وداخل حنكى ، احس بألم كلما اصطدم فتات بحلقى اتفقد ما تبقى من الخبز . اخشى انتهاءه . اتناول قطعة اخرى ، وقطعة اخرى . . . اجد الخبز لذيذا جدا هذه الليلة . الآن أبحث عن الفتات بأناملى أتحسس ، اتلمس كل فتاتة على الفراش ، تحت الوسادة بين ثنايا غطائى كلما اعثر على فتاتة القى بها فى فمى . سعال أبى يعلو اكف اخفت انفاسى . اغمض عينى . أبى يقترب . يقترب ،
يمر امام غرفتى ويبتعد يدخل غرفته لينام او ليترقب الصباح كى يجرنى الى الكتاب جرا ليحدث المؤدب عن هروبى وهملتى فى الشوارع وربما عن ضرب عمتى . وسيتذكر المؤدب كيف شتمته البارحة وهربت . ستدق رجلاى بمائة ضربة على الاقل ، وأبى واقف بجانب المؤدب ويقول له عند كل ضربة :
- " زيده ! زيده الكلب ! "
انتبهت على دقات ساعتنا الكبيرة وهى تعلن السادسة . اعترتنى قشعريرة . أتذكر كل ما يترقبنى . افتح عينى بتعب صداع راسى لم يفارقنى كامل الليلة . فمى مر جاف احرك لسانى . انه قطعة يابسة تتحرك فى فمى . ادور على جنبى الايمن قباله الحائط . اود ان انام ثانية عيناى تنغلقان رويدا رويدا أغيب . . . أغيب . . . الساعة تزعجنى باعلانها السابعة . ستاتى أمى بعد دقائق . يجب ان افارق فراشى رغم صداع راسى ، رغم جوعى وعطشى من المستحيل ان اتكلف المرض هذا الصباح . حديث يدور بين والدى . صوت أبى الخشن يعلو . كلامه يطول . لم يهدأ بعد . . . دقات ساعتنا تنشط ، تزداد دويا . أبقى مغمض العينين بدون حراك . انى لا اريد ان اذهب الى الكتاب . انى لا استطيع ان اذهب الى الكتاب انى مريض حقا هذا الصباح ، مريض حقا . . . وقع قبقاب أمى يصل الى ، يعلو ، يقترب منى . دقات قلبى تزداد . تدخل أمى تقترب من الفراش :
- " هيا يا على ما عادش بكرى . بوك يستنى فيك "
أقف وارتدى ملابسى بدون كلام ، ادخل المطبخ بدون كلام . اجد أبى يتناول قهوته ، وهو يدخن يتبع خطاى بنظرة طويلة ، لقد عزمت على ان اقول له صباح الخير لكن اضطربت وانعقد لسانى . قصدت الطرف الآخر من الطاولة . اتناول فطورى بدون رغبة . اجد صعوبة كلما حاولت البلع . آكل ببطء شديد بالجانب الايمن من فمى يقوم أبى . اسرع . ابتلع . انتهى . اقوم وقد تركت اكثر فطورى يقول لى :
- " هيا حضر روحك فيسع "
يبدو لى أبى كانه ليس أبى . والدار غريبة على . واتت أمى والبستنى ثيابى كالعادة . ومسكنى أبى من يدى . فظهرت عمتى وقالت لى : " على صباح الخير ؟ "
اسير بجانب أبى بخطى متعثرة انى لا استطيع متابعة خطاه . انه يسير دائما بسرعة ، نقترب من الكتاب ، الثامنة لم تأت بعد سوف لا نجد الاطفال او نجد القليل منهم يترقبون امام الباب . او نجد المؤدب وحده ينتظر ويقبل الاطفال واحدا واحدا كلهم ينظرون الى كان نزلت من السماء . ينظرون بعيون
حائرة ، خائفة . اننا نقترب اكثر فاكثر " صالح بومه يمر يلتفت الى " بحيرة " حمادى الاحول " يمر وطربوشه الاسود مائل فوق راسه كالعادة وهذا " الجربوع الاكحل " يقترب منا ثم ينظر الى باندهاش . المختار وأخوه عثمان يدخلان الكتاب . انهما لا يفترقان فى الذهاب الى الكتاب وفى الرجوع منه ولا يفترقان فى ايام العطل والالعاب . اتقدم بشجاعة اشعر بقوة غريبة . رائحة الحصر الندية ، سأسير عليها بشجاعة . واقف امام المؤدب بشجاعة ، وبدون جواب ، سيحدثه أبى فيمد المؤدب يده الى عصا من عصيه . فتنزل على ساقى فأبقى بدون بكاء ، بدون دموع بل فى صمت وجلد . . . نمر امام باب الكتاب ، لكن لا ندخل ، ونبتعد عنه بقى الطاهر حمزة على عتبة الباب ينظر الى فى حيرة وأنا اواصل سيرى مع أبى . . . هل تأخر أبى عن عمله لكى يقودنى الى الكتاب ؟ انه يتابع خطاه بدون ان يلتفت الى ، ولا حتى الى باب الكتاب حين لمسناه هل نظر الى عند ذلك بطرف عينه ؟ لربما فحصى بنظرة خاطفة . انى لم اعبر عن حيرتى . بقيت اسير بدون ان انظر اليه . نحن الآن فى شارع باب سويقة . اشاهد المكان الذى قبض على فيه أبى . اننا الآن نصعد نهج القعادين يميل بى الى نهج ضيق ؛ يتجه الى منزل له باب ازرق ، فندخل بدون ان نطرق واذا بنا فى وسط دار رحبة ذات غرف متقابلة ونوافذ عديدة زرقاء . يقودنى أبى بحو رجل طويل مشرق الوجه . يستقبلنا ببشاشة وترحيب هو صديق أبى ، اذن . يبتسم لى . . يتحدثان طويلا ، ثم يمسكنى الرجل من يدى بلطف ويربت على خدى واذا بأبى ينحنى على ، فاحمى وجهى ، فاذا به يقبلنى ثم يقول لى بالصوت الذى أحبه :
- " هذا معلمك اسمع كلامه ، هو يحب الاولاد الصغار "
ثم يودع المعلم ويقول لى : ١١
- " عند الاول ما تخرج من المكتب حتى انجيك ونروحو للدار اجميع " .

