الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

من بلادى .، حديث اللحم

Share

الى الصديق ن . ب   .

ذكرى حديثنا عن " الالتزام "  

_ ط.ع _

" ان الجماعات لا تسمح الآن " لمفكر "    

ان يتجاهلها أو يقف على بعد منها . . "  

- توفيق الحكيم

حدث أحمد بن على قال : حدثني أبو خالد الدوزى وكان من خاصة أبى حيان الصادقى قال : حدثنا أبو حبان قال : جاءت أمي بعد عشاء ليلة الجمعة الماضية تبكى قالت : مسكينة خديجة يا بني ! قلت ومن خديجة ؟ قالت امرأة جارنا محمد أنسيتها ؟ فاستغفرت وقلت : رأيتها اليوم تخرج من دارها مرات وكان قليلا والله خروجها . فهل جنت المسكينة عافانا الله ؟ قالت : " اللطف ! هي اليوم بين دارين دار الشيخ خليفة الرباحي ودار فاطمة العامرية ليت صالحا ابنها يبقى لها . فعليه وعلى الله رزقها . ( شائبها كشائبي ) لا يقدر على شئ فهل هم فى حاجة الى العسكر ؟ فقلت : نعم والربح والله لصالح ليتنى معه . فلا الشمس تصهد جسمه ولا حرث بعد اليوم ولا حصاد بل الراحة والنظافة واللحم السمين " فتنهدت أمي وقالت : " اللطف اللطف أما الموت فقد نسيتة كعادتك لا يهمك من دنياك الا اللحم السمين - اني أسمع طرقا بالباب ثم كانت أمي الى الباب حين فتحته خديجة وقالت " الحمد لله الحمد لله يا عائشة نجا صالح من العسكر . فقد قالت فاطمة العامرية " الخطوط في الرمل وحي من الله وهي مستقيمة وكانت - والذى نرجو شفاعته مستقيمة - والرمل وصالح في دارى ودارك باقيان " . اما الشيخ خليفة نور الله وجهه يا عائشة ونفعنا ببركته فأنه قال بعد ان مسح خدى بيده اللطيفة يا عائشة : اسمعي خديجة هذا الكتاب أمامك . والكتاب لا يكذب - استغفر الله العظيم - فكوني كالكتاب وموعدى بك عشية الغد وستكون لنا( زردة ) وصالح معنا . ألم تلديه بفضل الكتاب أنسيت ليلة بت عندى وأنا أقرأ لك كما بات عندى الكثيرات من نساء الحي الصالحات وقرأت لهن فالقراءة حرث للارض البور . وهذا الكتاب محراث

النجاح وسينجو صالح بفضل الكتاب ، قبلى الكتاب خديجة . مالك صامتة ؟ " وكنت انا قد صمت اذ تذكرت ليلة بات " يقرأ " لى او يحرث للنجاح ثم ودعته بعد ان قبلت الكتاب وخرجت . وما يقلقني يا عائشة الا لحم الغد . فلا مال لى ولا زيت ابيعه ؟ فقالت أمي الا تذبحين الديك : فقالت عائشة : هو للشيخ خليفة منذ عصر اليوم ولم تبقى الا الدجاجة هل أذبحها ؟ هل تحب لحم الدجاج أبا حيان ؟ ان صالحا أخوك ! أوه وهو ينتظرنى مع الشائب طابت ليلتكم " . ثم خرجت قال أحمد : قال أبو خالد : قال أبو حيان عادت جارتنا خديجة كالطائرة فرحا الى دارها وقصدت حانوت ( العلانى ) واذا بالشيخ خليفة يصيح بى : اين كنت غفر الله لك والله حسبتك مت ، الشاى " ينتظرك والحديث " وكان الشيخ خليفة بعمامته وجبته التي ورثها عن الحاج العربى بيده مسبحته التى أتاه بها خالى الحاج الشريف من مكة المكرمة اثر حجته الاولى عام العجاج الاحمر . وقد استقامت به الجلسة حتى ليخيل الى الناظر الية انه ابن الثلاثين وان كان قد نيف على السبعين فسوى عمامته والشاربين ثم رفع رأسه ، وحملق فى القوم وتنهد وقال : اين منى ذكرياتي ! كنا أبا حيان فى حديث الشيوخ نعم . كان لنا بالقربة شيخ لم ير الناس مثله قط حسن كلام وحدة ذكاء وسلامة طوية وكنا كلما جاءت ليالى الصيف نأوى اليه كما تأوون الى . فيعلمنا الادعية ويبين لنا حكمة الله في خلقه وقدرة أولبائه الصالحين . وكان - نفعنا الله واياكم بعلمة - بعلمنا كيف نداوى المرضى ونستر الحمل والولادة وتعين طلاب العلم وكان يعلمنا ويعلمنا . اما ليالي الشتاء فقد كان يروى لنا اخبار سيف بن ذي يزن ويتلو علينا اخبار فارس بنى عبس وما جرى له فى سبيل ابنة عمه وكان - والذى اصطفى محمدا صلى الله عليه وسلم - يثير فينا حمية الهاشميين كلما حدثنا عن أسد الله وسيف المولى سيدنا على بن أبى طالب ولم أر - والله شيخا يكره المال كره شيخنا له ويحب اللحم حبه . وكان لا يقبل الا اللحم أبرا وكان يقول : " اللحم لحوم ولحم الخروف أشهاها " . وقد وقف شيخنا علينا حياته ولم يتزوج ، ايه اين هو الآن " ومن المؤمنين رجال صدقوا ما عهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا " صدق الله العظيم .

قال : قال : قال أبو حيان . وهنا صمت الشيخ وعم الصمت حينا فقطعت وجوم القوم اذ صحت : " انك نعم الخلف لنعم السلف " وكانما فرح بما قلت فمسح دموعا على خديه تجارت ثم صفق وقال : " ولكننى أحب الشاى مع اللحم . هات الشاى شعبان وسيقضى الله أمرا كان مفعولا " وكانما لم يقو على مواصلة الحديث بعد الخصام الناشب بين العلانى وشعبان وقد استهلك هذا فى طبخة رطلا من الفحم . فلعن الشيطان وأسر لى ان عشاء الغد لحم وعاد الى بيته وعدت قال : قال : قال : وفي فجر الغد قصدت سوسة وكنت طول الطريق والحمار يسير امامي احدث نفسى واقول : " ابيع هذا الحمل بنصف دينار فاشترى التبن واشترى التبغ واشترى سمكا واشترى واشترى .لا.لا. لا اشترى

سمكا . ان عشائى الليلة ورك دجاجة . ولحم الدجاج لذيذ " وكنت ارفع عقيرتي من حين لآخر اغنى " ولحم الدجاج لذيذ " فيرد الفضاء صوتى فاسمع صداى فاقول " انى مغن ليس كمثلى احد " وكان الحمار يشم الارض من حين لآخر ثم يرفع عقيرته نحو السماء ينهق كنه يجيب غنائى فاضحك ثم انظر حولى هل سمعني احد الى ان بلغت " بطحاء الباب الجديد " وقد اشرقت الشمس فحطت عن الحمار وعرضت ما عندى من التين الهندى على المارة ومضى حين ولم أبع منه الا قليلا . ثم جاءنى شيخ قال : هل تبيع ما عندك بمائة مليم ؟ " فأبيت وآبى ان يزيد ثم هم بالانصراف وكان النهار قد انتصف فأوحى الى ربى ان بع فبعت وكان محصولي ثلاثة وستين وماية مليم . فامتطيت حمارى وعجت على الباب الغربى ثم لعنت الشيطان وقصدت القرية فابصرت جارنا التلميذ محمودا يمزق أوراقا ثم يخرج من جيبه ترابا ويذروه فسلمت عليه فانتبه ورد السلام وقد احمر وجهه وقال : ها هى سيارة البلد " وجرى نحوها فناديه وقلت ما قولك يا محمود لو ركبت معى الحمار فالربح خمسون مليما وهى ثمن ثلاثة ارطال من السمك او تزيد " فرافقنى وخرجنا من سوسة وغربنا فانطلقت اغنى وينهق الحمار وبكى محمود . فسألته ما يبكيك محمود ؟ فقال : جئت سوسة واثقا من النجاح سرقت البارحة صاع زيت واعطيته فاطمة العامرية فاعطتنى شمعة وقالت : ضعها " بقبة " سيدى العربى واملأ جيبك ترابا تنجح فوضعت وملأت ولم أنجح اما الشيخ خليفة فانه قال لى ايضا : " قرأت في الكتاب ان الفوز لك واللحم لى والكتاب لا يكذب واعطانى اوراقا لم افهم ما فيها ومسح خدى وقبل جبينى وقال : رحم الله الشيخ انه اوصانى ان يكون الاجر لحما " هل تحب اللحم أبا حيان ؟ " فثنيت بصرى اليه وكان يحاذى الحمار فاذا الحزن يضفى على الوجه حسنا غير معهود فقد انسدل شعره على جبينه وفترت عيناه ورقت شفتاه فسبحت اسم ربك الاعلى ثم تنهدت وقلت : ومن يكره اللحم محمود ورحم الله شيخ الشيخ خليفة اذ كان يقول لله دره " اللحم لحوم ولحم الخروف أشها ؟ لكن اين اللحم ؟ ألا نرتاح فظل الزيتون وارف " وكانت لنا راحة . ثم ركب محمود فسارت بثلاثتنا الطريق حتى وصلنا البلدة فدخلت دارنا وحطت عن الحمار وصحت : الورك يا أمى . لحم الدجاج لذيذ ! " فبكت أمي وقالت : اللطف لو كنت انت لقلت : لقد كذب الرمل وكذب الكتاب " نعم لقد اراح الله صالحا من الحصاد . فعشاؤنا خبز شعير يابس ينتظر الحوت . ولله الحمد ؟ فماذا حصلت انت اليوم ؟ فغضبت ولعنت الكذب والرمل والكتاب ونفسى وقلت : أزور الشيخ خليفة . فأنه لا يصبر عن اللحم فدخلت عليه

فجرى امامى ديك - ووجدت بين يدى الشيخ لحما كثيرا وهو صامت فلم اسلم واكلت حتى شبعت ولا نباح كلبه يصم السامعين ثم ضحكت وقلت : لا ينقصنا الا شئ فصفق ثم قال : والله او شيان لكن لم احصل اليوم شيئا وليس لى الا هذا الديك قد تفتكه صاحبته لا قدر الله وانى انتظر رجوع محمود من سوسة فقلت : " انه رجع معى وارتحنا فى طريقنا وكان قد فقد الامل فى غير العمل " فصاح الشيخ خليفة وقال : " نحن كالليل والليل يمضى ! فقد خلفت شيخي زمنا فهل تخلفنى أبا حيان ؟ فقلت استغفر ربك يا هذا من لى بعلمك والكتاب سأظل أفلح الارض وابيع التين الهندى حتى يحين حين اخى ولكن كتبه لا تشبه كتبك " فتنهد الشيخ وقال : انى سيأرحل ثم بكى ولوح بنظرة نحو السماء وطفق يحرك دماغه حتى خيل الى انه الى الجنون فودعته وعدت الى منزلنا فاذا أمي تنتظرني تبكى : فبكيت فقالت : " الا تأكل شيئا ان الجوع مضر ألم يحدثك الشيخ خليفة عن الجنة حيث نصيبنا . ففى الجنة يا أبا حيان جميع الاكل وفيها . وفيها . وهى لنا فادع الاولياء الصالحين وادع الشيخ خليفة وهو صاحبك . . هاى وقدت . الصبر لله يرقد بلا عشاء " وكنت تناومت .

قال احمد بن على قال ابو خالد الدورى قال ابو حيان الصادقى نعم تناومت فخرج حت أمي وأطفأت الفتيلة فطرق سمعى صياح ديك الشيخ خليفة وتراقصت امام عينى فى الظلام صور فاطمة وخديجة ومحمود والشيخ خليفة واكداس اللحم . واوراق كتاب تناثرت فشوش فكرى فاستغفرت ربى ودعوت النوم ان يهجم على و " الاطمئنان " ان يعود لنفسى فلا النوم جاء ولا الاطمئنان والليل يمضى . فتذكرت قول الشيخ " نحن كالليل ، والليل يمضى " ثم لم ادر كيف نمت وما افاقني الا صوت اخي يقرأ كتابه الجديد ونهيق الحمار . واذا أمى تحذيبني من يدى وقد رفعت الغطاء عنى وتقول : بان الخيط الابيض من الخيط الاسود وسوسة بعيدة . انهض اصلح الله حالك . فأخوك يقرأ وقد خرج أبوك للصلاة فنهضت وقلت : " لا بد اليوم من الحوت "

اشترك في نشرتنا البريدية