فى غضون شهر جوان زرت الصين الشعبية واطلعت عن كثب على بعض جوانب الحياة فيها وتمكنت من التحول الى عدد من مدنها ( بيكين ، تيان تشين ، شنغاي ، شوسو ) وحصلت لى بعض الانطباعات التى وإن كانت غير مكتملة نظرا الى ضيق الوقت وعدم معرفة اللغة فانها يمكن أن تكون منطلقا الى أفكار لا تخرج فى الواقع عما كتب عن الصين فى هذه السنوات ولكن ليس الخبر كالخبر .
إن من يطأ أرض الصين ، يشعر أنه فى بلاد عظيمة أثقلت القرون تاريخها وافسحت لها من المجالات ما لم تعرفه بلاد أخرى فى الدنيا ، شساعة فى المساحة وضخامة فى عدد السكان وخطورة فى صنع الاحداث والتأثير فيها .
فلقد تضخمت الصين مساحة بما خاضته ، طيلة قرون من أول التاريخ على يد أباطرة عديدين ، من المعارك الطاحنة والجولات الدموية المثيرة لاثبات الكيان الصينى كحدود قارة أولا وحضارة متميزة ثانيا رغم حكم الدخلاء الاجانب فى فترات عديدة ومحاولة جر البلاد الى هويات مختلفة .
ولقد تجلى هذا الحفاظ على أرض الوطن فى هذا السور العظيم الذى بني لرد الغزاة ودحر الطامعين وخاصة الامم الضاربة فى البداوة فكان عملا جبارا امتد من القرن الرابع قبل المسيح الى القرن السادس عشر بعده وطوله حوالى 2300 كلم على خط مستقيم وما يقرب من 5000 كلم فى الواقع بما احتواه من تحصينات ملتوية ومتماشية مع وعورة الارض وتعرجاتها . وهذا السور
العظيم الذى يصل فى بعض الأماكن الى علو يقرب من ستة أمتار وعرض يتراوح بين الخمسة والستة أمتار يحتوي على أبراج للرصد قائمة على أسوار مسننة تلتوي مع تضاريس الارض . وقد ساعد هذا السور العظيم على ملاحظة كل تحركات الأعداء وحماية الصينيين من الهجومات وتسهيل التنقل بين شرقى الصين وغربيها .
وإن صعودي لما يقرب من ست مائة متر من هذا السور على بعد مائة كلم من بيكين أبان لى عظمة هذا الانجاز وما يرمز اليه - بشموخ تحصينات أعلى قمة فى الجبل - من معانى الاصرار على بناء حضارة شامخة تميزت على مر الدهور بخصوصيتها وعمق أبعادها وطرافة روافدها .
وليست عظمة السور بأقل وقعا فى النفس من أثر ضخامة عدد السكان . إذ لا يمكن لأى متجول فى مدينة من مدن الصين وخاصة بيكين أن لا يشعر بأن هذا السيل الجارف من المارة - إما على الدراجات أو على الاقدام - سيل لا ينقطع ممتد كامتداد سور الصين ثابت رغم تحركه كثبوت التحصينات : إنه أكثر من مليار نسمة يصنعون الصين الجديدة كما صنعها الذين بنوا الأسوار واخترعوا البارود والورق وافتنوا فى ضروب الفنون والمرافق .
وإنه ليس بخاف عند مشاهدة هذا السيل العظيم من البشر وكذلك اذا ما توغل الباحث فى تاريخ الصين وتتبع بكل إعجاب الفنون التى ما تزال متوارثة من رسم وتطريز وتخريم ونسج على الحرير وغيره وموسيقى وصنع خزف وبرنز ومعمار وتفنن فى إقامة الحدائق ، إنه ليس بخاف أن هذا الشعب يعتز بذاته ويتمسك بهويته ولكنهما هوية وذاتية لا تشبهان ما درجنا فى هذه السنوات على إعطائهما مفهوما غربيا بل هما ملتصقان بحكمة الشرق التى لا تنفصل عن الواقع المعيش وعن الوجود المتلبس به والتى لم تعرف مفهوم « الكائن » الذى أبرزه ديكارت وأدى الى الفردية أو قتلها فى الانظمة الكلاتية وجر العالم الغربى الى التسليم كما قال ليفي ستروس بحدوث كسر بين الماضى والحاضر وبناء المجتمعات على أساس إيديلوجيات وأفكار مجردة أدت الى الصراعات والازمات المتواصلة .
وليس بخاف أيضا أن الصين كادت ، أثناء الثورة الثقافية التى أدانها كل الصينيين الآن واعتبروها وصمة فى جبين الحركة التحررية التى بدأت سنة 1949 وفترة تأخر لا يمكن تلافيه الا بالجهد والعناء الكبيرين ، إن الصين كادت اذن أن تقع فى الأحبولة التى وقع فيها الغرب وهو يجهد الآن أن يخرج منها والتى يغرق فيها بعض القادة فى العالم الثالث تطبيقا للثورة الثقافية المجهضة ، غرورا أو جهالة أو خضوعا .
ولهذا فان الحكمة الصينية قد تغلبت وأصبح الشعب الصينى الآن يشق طريقه نحو تفتح رصين للتمكن من حذق كل ما لدى الأمم ، كل الأمم ، من تقنية وتكنلوجيا وحتى الفنون مهما كانت : نعم الحذق الى حد التقليد ولكن الحفاظ على التقاليد الصينية وعلى الحكمة الشرقية التى تقول بالتضامن والوفاء والقناعة وبالجد فى العمل وبكلمة أدق بالمحافظة على القيم الخالدة التى تستوجب لغرسها فى النفوس التربية الحق القائمة على حسن السلوك والانضباط وحب الوطن .
والحق يقال: إن شعبا مثل الصين فى كثرة عدد سكان وفى عراقة حضارته لو لم يقم بثورته التحررية فى سنة 1949 ولم يمض على النسق الذى ذكرته لما أمكن له أن يقطع أشواطا كبيرة لقهر الجوع والمرض والجهالة والجمود ، وهو بهذا حقيق بالاعجاب والتنويه .
إن شعور المسؤولين فى الصين حاد بجسامة العبء الذى يتحملونه لجعل الشعب الصينى يصبح فى اقرب الاوقات فى عداد الامم المتقدمة وبهذا فان قرارات اللجنة المركزية المنعقدة أخيرا حددت الطرق والوسائل الكفيلة بالتغلب على كل مظاهر التخلف وكسب رهان التقدم من دون الوقوع فيما تردت فيه المجتمعات الغربية من مادية مفرطة وفردية مقيتة وسيطرة على الطبيعة مخزية ونظرة الى المستقبل كأنه صورة من الحاضر أو ذيل من الماضى.
وإننى على يقين من أن الصين هى سائرة فى الطريق التى سار فيها اليابان منذ أوائل القرن الحالى ولكن مع فارق كبير هو ثقل وطأة حضارة الصين وحكمتها وتشبثها بالقيم وحذرها من الافراط فى الاقدام على النمط اليابانى أو التفريط فى سر التقدم الذى عرفه اليابان .
نعم إن هذا التقدم الذى أحرزه اليابان فى جميع المجالات برز فيما رأيته فى المعرض الدولى بتسوكوبا ( على بعد 30 كلم من طوكيو ) وهو معرض أراد أن يظهر فيه اليابان بمظهر الدولة التى كسبت الرهان فى مجالى العلم والتكنوحيا . وقد شارك فى هذا التجمع العالمى الممتاز سبعة وأربعون بلدا وسبع وثلاثون منظمة علاوة على اليابان وثمان وعشرين شركة يابانية . وكان الشعار هو : السكن والمحيط والعلم والتكنلوجيا فى خدمة الانسان .
وقد خصص الجناح اليابانى لمعالجة غرض : الارض والشمس والماء . فقد برزت استعمالات الطاقة الشمسية فى الفلاحة وفى طريقة خزن هذه الطاقة وإمكانية استغلال الماء والطاقة الشمسية والاسمدة فقط من دون استعمال الارض للتحصيل من غرس واحد للطماطم على عشرة آلاف وحدة هذا علاوة على ما عرض من تكنلوجيا الفضاء ومن آلات تمكن من رؤية العالم بمنظار الحيوانات ومن ترصد الزلازل .
ولكن اليابان لم يقتصر على ذلك اذ خول لكثير من شركاته فتح أجنحة خاصة أبرزت أحدث ما لديها من اختراعات : ففى مجال المسرح تم ضبط مسرح دائري له أربعة ركوح وبامكانه توزيع التذاكر والسماح بالدخول بصورة آلية وكذلك ابتكر مسرح يخلق ناظم الآلة أشخاصه وديكوره .
وهيمن على كثير من الاجنحة شبح الانسان الآلى ( Robot ) فعرض أعظم نموذج له كما عرض إنسان آلى قادر على رسم صورة لأى شخص يجلس أمامه فتراه يرسم بعد التأمل صورة قريبة للشخص .
وتمكنت من التعرف الى استعمال اللازر ( Laser ) فى مجال الرسم والى اختراع يمكن من صورة أنصع على شاشة التلفزة وابتكار آخر للسنما ذات الأبعاد الثلاثة واحكام آلة جديدة للترجمة اذ أصبح من الممكن الآن التحصيل على ترجمة فورية بين اليابانية والانڤليزية ولكنها ليست مطابقة تماما ولكن بعد سنوات قليلة سيكون فى امكان الانسان أن يتجول فى أى بلد فى العالم بدون مترجم وأن يحضر الندوات باستعمال هذه الآلة .
والحديث يطول لو تتبعنا الاختراعات الموجودة فى اجنحة البلدان الاخرى كالولايات المتحدة الاميركية والاتحاد السوفياتى وفرنسا وايطاليا وغيرها . مع
الملاحظة أن تونس تكاد تكون البلد العربى الوحيد الذى حضر هذا المعرض الدولى وأثبت فيه وجوده كحضارة عربية اسلامية تخدم الانسان وتحاول أن يكون العلم والتكنلوجيا غير مغيرين بسببها للمحيط والسكن .
وعلى كل فان الشرق الاقصى وخاصة الصين واليابان قد أوجد لنفسه طريقة تمكنه من حل مشاكله والفوز بالسبق فى عدة مجالات بهذه العزيمة التى مكنته من سن نظام للتربية ولا أقول للتعليم يرتكز على القيم أولا وبالذات هذه القيم التى تخول أن يتشبث الطفل والشاب بوطنه قبل كل شىء وأن يتعلم التضامن مع غيره وينبذ الانانية ويقبل بجد وعناء على حذق أحدث ما هو موجود عند الامم الاخرى من علم وتكنلوجيا .
ولعل الصورة التى لخص بها وزير الثقافة الصينى التمشي الذى ارتضته الصين اليوم خير ما يبرز هذا المنحى اذ قال : إننا فى حاجة الى الهواء النقي ولهذا فمن الواحب أن نفتح النوافذ ولكن مع الهواء النقي تدخل الحشرات وما شاكلها فنحن نتصدى لها بالمبيدات ويعني بالحشرات : المادية المفرطة التى تستثنى كل ما هو روحانى ومتصل بالقيم .
بهذه اللمحة الخاطفة عن هذين البلدية العظيمين أردت أن أبسط الى التونسيين والى قراء هذه المجلة من الأشقاء الى أنه من واجبنا أن نراجع أنفسنا ونقلع عما دأبنا عليه منذ نهضتنا الاولى من أنماط التفكير التى لم تجرنا الا الى ما نقاسيه اليوم من تشتت وفرقة وصراعات دموية وتأخر وإغراق فى مظاهر التخلف والجمود وتشبث برواسب عصور الانحطاط عوض الاقبال على ما تقبل عليه الامم الاخرى من إذعان للواقع ونظر الى ما يتقدم بنا وينهض بشعوبنا من دون تحد وعنتريات ومن دون المرور بالتجارب التى مرت بها بعض الدول وأقلعت عنها.ولعله من الواجب أن نقبل قبل كل شىء على مراجعة أنظمتنا التربوية على أساس ما ذكرت وأن نولي أيضا الثقافة دورا يتوازى مع تلقين المعارف لان تعليم الفنون والبرامج التثقيفية هى التى تصنع الخلاقين القادرين على الانصهار فى الواقع وفى الطبيعة وتجاوزهما لما فيه الخير للبشرية مستقبلا .

