الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "المنهل"

من تراثنا الخالد, ( ١ ) أبو عبد الله ابن بطوطة، الرائد العربى الخالد، صفحة من طموحه ومغامراته، يخلدها كتابه " تحفة النظار في غرائب الامصار "، (٧٠٣ - ٧٧٩ هـ )

Share

( ١ )

ياشباب الاسلام ! خذوا درس الطموح السامي والمغامرة الحازمة من حياة هذا الشاب المغوار

كانت ولادة هذا الرائد العربى الخالد : محمد بن عبد الله بن محمد بن ابراهيم اللوانى ( ١ ) المعروف بابن بطوطــة ، فى ثغر طنجة ، بالغرب الاقصى ؛ فى عام ٧٠٣ ه . وفي هذا الثغر الافريقي الباسم الذي طالما غص مرساه بالسفن الشرقية والغربية نشأ رحالتنا الطموح من بيت علم ومشيخة وقضاء ( ٢ ) ؛ ومن سماء هذا للثغر الجميل ، ثغور البحر الابيض المتوسط البديع ، ومن خلال صفحات مياهه المشرقة المتدفقة ، تطلع هذا الشاب العبقري الى سماء المجد ،

وأبى الا أن يكون له اسم لماع فى " سجل " الخالدين ، فما بلغت سنة ثلاثا وعشرين حتى امتطى  غارب السفر فى همة قصـــاء نادرة ، مزمعا إنجاز مهمته بكل قواه ؛ وكان للبيئة الفاضلة التى نشأ في اكنافها ؛ وكان للحضارة الاسلامية التى تهدل غصنه المورق من دوحتها السامقة - أثر عظيم في طموحه واستسهاله المصاعب فى سبيل خدمة العلم والدين والمجتمع الاسلامي .

وقد روى لنا فى مبادئ كتابه الذى أملاه املاءا على ابن جزى ، والذي نرى انه استخلصه من مذكراته - انه خرج من مسقط رأسه فى يوم الخميس الموافق ثانى رجب عام ٧٢٥ ه وكان شعاره الاعتماد على الله وحده فى انجاح مراميه القصية ، ولهذا رأى أن يفتتح هذه السياحة العالمية بحج بيت الله الحرام وزيارة مسجد نبيه عليه الصلاة والسلام تيمنا وأداءا للواجب الدينى ، وجال جولة فى بلاد المغرب الواقعة فى طريقه الى ديار الحجاز ولم يفته تدوين أوصافها ، كما أنه وصف من بعدها مصر والشام إذ هما فى طريقه ، وبعد لاي وصل إلى الحجاز فحج وزار ، ووصف الحجاز فى عهد وصوله اليه وصفا رائعا جامعا ثم ارتحل إلى نجد فالعراقين فوصفها كذلك وارتحل إلى ماوراء النهر ، وساح فى بلاد الهـنـد واستوط . مدة مديدة عاصمتها الكبرى " دهلى " وخالط مليكها العظيم محمد شاه فاستقضاه وقربه منه وأسبغ عليه نعما وافرة ، وعنى بذكر مزاياه ووصف آثار عظمته وهمته وكرمه لكنه لم يفته ذكر ما ينتقده عليه فى تدبير مملكته وأعماله القاسية ، وسار بسيرة أهل الهند وتعلم لغتهم وحيى حياتهم ولكنه كان ينظر من خلال تفكيره العبقرى إلى كل شئ بعين الرائد البصير المستكشف الناقد ، وتوغل فى بلاد لافغان ووصفها وصفا منطبقا على حياتهم وطبيعة بلادهم ، وخاض البحار والقفار فى رسالة ملكية إلى الصين فوصلها بعد جهد جهيد ، وتجول فى نواحيها الغامضة وأتى بخبرها اليقين ، وعاد الى بلاد

الجاوة بعدما لاقى الاهوال فى المحيط الهادى فنزل بسومطرة ، ثم انقلب الى التركستان فالبلغار فوصف ما شاهده بهما من صناعات غير مألوفة وحضارة غير معروفة ثم عاد إلي مسقط رأسه بعد أن حج وزار مرة أخرى فوصل الى الشام وقد تغير كثير من مظاهرها الاولى ولم تطب له الاقامة لا في مسقط رأسه ( طنجة ) ولا عند الملك ابي عنان المريني إذ قد شعر بنقص فى سياحته العالمية فهذه الصحراء الكبرى وبلاد السودان وهذه الاندلس لم يصل اليهن جمعاء ، ومن ثم تقلب في أقطار الصحراء الكبرى باحثا واصفا وجال في السودان منقبا ثابتا ووصل الى الاندلس مدققا مستكشفا ولم يكتم هلعه من تقلص العمران الاسلامى فى هذا " الفردوس الارضى " الجميل ، ثم عاد إلى فاس مبتهجا منشرح الصدر بما أذن الله به من نجاح ، وما أكمل عليه من نعم ، وما وفقه إلى معرفته من أراض وبحار وامم.

والامر الذي يجعلنا نكبر ابن بطوطه ونرفعه الى مصاف المستكشفين بحق هو درسه العميق لاحوال الامم التى جال في بلادها درسا مملوءا بالتحقيق والحكمة والانصاف غير متحيز ولامتغرض ، ثم تنقيبه عن وجوه الكمال والنقص في حياة الامم وسياسات الممالك التى قدر له أن يتجول فيها وعنايته بعادات القوم وتتبع عقائدهم وإيضاح مناحى تفكيرهم ونظام حياتهم وما عليه مجتمعهم من رفاهية أو تقشف ، وبذخ أو تصوف ، ورقي أو انحطاط ، ثم اهتمامه بجغرافية البلاد وذكر أنواع مستنبتاتها من أشجار وفواكه ووصف هذه النباتات بدقة الرجل الفنى الخبير ثم كفاحه وجلده على النوائب ازاء الوصول إلى مراميه كفاحا وجلدا ينقطع دونهما كثير من الابطال ، ثم اقتداره على مسايرة المجتمع فهو إن حل فى الهند أصبح هندى الملبس والمطم والمشرب والمركب ، وان نزل بالفركـــتان استعمل اخر طراز من اثار مدنيتهم فتراه

هناك راكبا " العربة " ذات الخيل ، معرضا عن ركوب الخيل والجمال ، وكذلك حاله ان دخل الصين أو كان في المليبار أو في الجاوة ، ومزية أخرى لابد لنا من التنويه بها هنا ، لنضيفها الى "سجل" مزايا هذا الرائد المغوار،هى بطولته وإقدامه وعدم احتماله لحياة الذل والهوان فطالما ركب متون الاهوال مجاهدا فى سبيل الله تارة ومدافعا عن النفس والنفيس أخرى . ومع كل هذه الاحوال والاهوال والمسرات والمباهج التى مرت على رحالتنا العظيم فان له من وراء كل ذلك عينين ثاقبتى النظر، يشاهد بهما ماوراء المنظور والمحسوس ويتبصر بنورهما القوى مجاهل آماله الفيحاء ، في استطلاع كل جديد على وجه البسيطة ليعود الى قومه فى النهاية بالانباء العظيمة ، لينير امامهم سبل الحياة فى تمحيص وتدقيق إذن فابن بطوطة قد مثل النظرية العلمية الخالدة ( خدمة العلم للعلم ) وأيد النظرية القائلة بثبات العلماء المسلمين وتفانيهم فى نشدان اصلاح الانسانية من طريق تعميم المعرفة وتثقيف العقول بعلم أحوال من يمشى على الارض وما يدب أو ينبت على سطحها ؛ غير مبال بما يقابل به الرواد العالميون فى تلك العصور من صدمات التغييل والانكار المريرين ، (البحث صلة )                   المدينة المنورة

اشترك في نشرتنا البريدية