الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5 الرجوع إلى "المنهل"

من تراثنا المنسى، ( ١ ), موسوعة ادبية متسلسلة، من (( يتيمة الدهر )) للثعالبى - الى (( حلية البشر )) للبيطار

Share

يخطئ كثيرا من يظن من البسطاء ان العناية بتأليف (( الموسوعات )) الادبية والعلمية على نمط فنى منظم متسلسل هو من ثمار جهود الغربيين وحدهم ؛ وانهم هم الذين شقوا (( ترع )) هذا اللون من التأليف بما فطروا عليه من الجلد المستمر دون سواهم فان المطالع الحصيف يقلب النظر في صفحات تاريخ الحضارة الاسلامية فيروعه ان يجد الاسلاف هم السباقين الى نظام التأليف (( الموسوعى )) فى شتى المعارف ، فكم هى الموسوعات المتسلسلة عكف الاسلاف على تنظيمها وتوالت اجيالهم على تأثيلها وانمائها وإضافة المستجد إلى القديم فيها مع مراعات الدقة والتسجيل الفني وكم أخرجت (( معامل )) الفكر العربي من مواد علمية وطرائف فنية غير هذه من قبل ان تعلق ادمغة الاوروبيين بشئ يسمى العلم والفن . ولكن الداء الذى يحز كياننا نحن المسلمين خاصة هو زهدنا الذميم فى تراث حضارتنا القويم وتكالبنا الجنوني على ما يأتى به الغير ايا كان :

ومن (( الموسعات )) التى تضافرت جهود السلف والخلف على تنظيمها جيلا بعد جيل بدون حدوث انفصام فى حلقات هذه السلسلة التى تكون موسوعة ادبية زاخرة بالآداب و الفنون (( كتب تراجم الادباء وتسجيل آدابهم وترتيبهم حسب درجات تفوقهم ونقدهم وتبسيط سيرهم واخبارهم وتفصيل ما لاقوه فى هذه الحياة من هناء وبؤس وآلام وآمال )) فهذا اللون من التآليف تآزر المفكرون المسلمون طيلة القرون الغوابر على تخليده

ويجديده يكمل لاحقهم ما وضعه سابق وهكذا دواليك حتى وصل الينا تراث المدنية الاسلامية فى الادب مجلوا مبسطا وضاء فما علينا اليوم ازاء هذا التراث الثمين الا ان نتفنن فى اماطة اللئام عن كنوزه المنسية لنلتقط منها جواهر نحلى بها جيد معارفنا ونقوى بها من روح نهضتنا واخيرا لنضيف هذه الثروة المعنوية القديمة الى ثروة الحضارة الحديثة فيتم بذلك لنا بعث لما قدم وانهاض لما حضر وسمو بما يستقبل !

ومن الحق ان نشيد بان هذا النوع من التأليف (( الموسوعى )) انما بدأ فى القرن الثاني الهجرى يوم بدأ التدوين فى الاسلام بصورة علمية ولكنه ظل فى ذلك القرن غير مرتب شأن الامور في مبادئها ، ثم تطورت في القرن الثالث مع تطور العقلية الاسلامية وعظمة الحضارة العربية ، ثم تحسن فى القرن الرابع تحسنا رائعا ومن ثم أخذ طريقه المعبدة الى الخلود الى يوم الناس هذا . وقد نلمس أثر هذا التحسن البارز فى كتاب (( الاغاني )) لابي الفرج الاصفهاني المتوفى سنة ٣٥٦ ه ثم ماذر قرن المائة الخامسة للهجره حتى سما هذا اللون من التاليف الى ذروة التنظيم العلمى الباهر الذي دل على نضوج الحضارة الاسلامية وارتفاع مستواها الفكرى آنئذ ففي هذا القرن رأينا أبا منصور عبد المالك الثعالبى المتوفى سنة ٤٣٠ ه يفتتح عهد هذا التنظيم المجيد بكتابه الخالد (( يتيمة الدهر فى محاسن اهل العصر ولامر ما لمع اسم اليتيمة وطار صيتها فى الآفاق فقد حوت من التعابير الفنية والتعريفات الدقيقة والأوصاف الحقة وجمعت بين دفنيها مشاهير أدباء ذلك الجيل الذى ازدهرت فيه دوحة الحضارة الاسلامية واورقت فيها اغصان العلم المتحلية واثمرت فيها اكمام الادب المندلية ؛ فكانت اليتيمة عنوان ادب عصرها وكانت تجديدا فى طرائق البحث والنقد الادبيين وكانت فاتحة عصر جديد للادب الغالي المحبوب وكانت فاصلة بين عصر مضي وعصر حضر فلا غرو اذن اذا جذب تالق كوكبها انظار

رصاد الآداب ولا بدع اذن ان يقتدوا بنجمها المنير فى طريقة التأليف اقتداء ميمونا متواصلا كان له اثره الميمون المتواصل فى تسجيل آداب معاصريهم وتراجمهم جيلا بعد جيل فقد جاء على أثر الثعالبى ابو الحسن على بن الحسن الباخرزى المتوفى سنة ٤٦٧ ه فذيل اليتيمة بكتابه (( دمية القصر وعصرة اهل العصر )) وتلاه أبو المعالي سعيد بن على الوراق الخطيرى المتوفى سنة ٥٦٨ ه فذيل دمية القصر بكتابه (( زينة الدهر )) وتلاه عماد الدين محمد بن الكاتب الاصبهابى المتوفى سنة ٥٩٨ ه فذيل يتيمة الدهر ايضا بكتابه (( فريدة القصر وجريدة اهل العصر)) فى عشرة مجلدات تبتدىء بسنة ٥٠٠ ه وتنتهي الى سنة ٥٩٢ ه انت اذا امعنت الفكر فى هؤلاء المترجمين لادباء القرن الخامس تجدهم منجرفين بتيار اليتيمة مندفعين الى تذييلها وتقليدها حتى فى كيفية التسمية وهذا بحكم (( لكل جديد لذة )) وقد جاء بعد هم ياقوت الحموى فابى التقليد ، ورام التوسع والتجديد ، فوضع كتابه (( معجم الادباء ))

في ادباء القرن السابع وما قبله وياقوت ذو فكر جبار ، وكتبه حافلة بالتجديد ، ويميل بطبعه الى الترسل ، ولذلك انفلت من (( جاذبية )) اليتيمة في تسمية كتابه وفى طريقة تأليفه ، وما ضر اليتيمة هذا الخروج من ياقوت ، فبقية ادباء العالم الاسلامى مايزالون مأخوذين بنجمها المتالق فى سماء ادب القرن الرابع ، وما يزالون تستهويهم سجعاتها وتعريفاتها ونقداتها ولهذا سرعان ماعاد السيل الى مجراه بعد ياقوت ، فهذا صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدى المتوفى سنة ٧٦٤ ه قد الف (( اعيان العصر واعوان النصر فى تراجم ادباء القرن الثامن ، هذا السخاوى المتوفى سنة ٩٠٢ ه قد الف (( الضوء اللامع فى اعيان القرن التاسع )) وهذا جلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١ قد الف (( اعيان الاعيان )) في تراجم القرن العاشر وقد تلاه محمد امين المحبي المتوفى سنة ١١١١ ه فالف (( خلاصة الاثر فى اعيان القرن الحاي عشر " وقفاه ابن معصوم المتوفى سنة ١١١٩ ه فالف (( سلافة العصر فى محاسن اعيان العصر )) وجاء بعده كل من السيد خليل الدمشق المتوفى سنة ١٢٠٦ ه وياسين الخطيب الموصلى المتوفي سنة ١٢١٠ ه

فالف الاول (( سلك الدرر في اعيان القرن الثاني عشر )) والف الثاني الدر المنتثر فى تراجم فضلاء القرن الثاني عشر )) وجاء بعدهما عبد الرزاق بن حسن البيطار الميدانى الدمشقى المتوفى سنة ١٣٣٥ ه فألف حلية البشر فى تاريخ القرن الثالث عشر وبهذا الكتاب الاخير من حلقات هذه الموسوعة الادبية المتسلسلة اثبت المسلمون ثباتهم العلمي المنقطع النظير ؛ فقد اتجهت هممهم الى هذا النوع من التاليف (( الموسوعى )) الرائع ، وشرعوا في تأليف هذه الموسوعة الادبية العلمية من القرن الثاني الهجري الى القرن الثالث عشر فمرت سلسلة هذه الموسوعة التى اشترك في تأليفها ادباء القرون الغابرة والحاضرة على القرون الوسطى والحديثة وهي متلالئة وضاءة تنطق بعظمة الحضارة الاسلامية في التراث الفكرى والثبات على المبدأ العلمى والطموح الى التدوين الموسوعى الخالد .

وهذه السلسلة التى ذكرتها لك يا سيدى القارئ هى قطرة من بحر فان غير ما اطلعت عليه اكثر بكثير مما اطلعت ومادونت .

وبعد فبحسبنا اننا اهتدينا فى هذا البحث الى باب جديد من ثمار الحضارة الاسلامية نفتتحه للمفكرين بهذا المقال الذي سجلناه فيه هذه الحقيقة العلمية تسجيلا علميا لا ندعى الاجادة فيه وانما نقول اننا لم نطلع على من طرفه بهذا الصنيع من قبل . اما ما على غيرنا من ارباب الثقافة العالمية والفكر المنير فهو ان يغوصوا في هذا البحث الطريف الى الاعماق.                             المدينة المنورة

اشترك في نشرتنا البريدية