الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

من حضارة الشعر الى حضارة العلم

Share

اثر نكبة جوان ( يونيو ) 1967 ظهرت في المجال العربى عدة افكار انتقد اصحابها الاوضاع العربية الفكرية والسياسية والاجتماعية ، ودعوا الى خلق جو جديد بتلاءم مع متطلبات العصر . لان المعركة ، فى نظر هؤلاء ، قد كشفت عن ضعف خطير في الحياة العربية المعاصرة بالمقارنة إلى حياة اعدائنا . وقد كانت هذه الانتقادات مفيدة ومثيرة ولكنها لم تذهب الى ابعد الحدود ، فتدع إلى القيام بثورة ثقافية عربية شاملة قوامها العلم الصادق والتواضع الخلاق والجدية البناءة .

حقا ان تلك الانتقادات للأوضاع العربية الراهنة التى كشفت عنها حوادث حوالى كانت قد فتحت المجال امام النقد الذاتى . ولكننا كنا ننتظر منها ان نواصل نفس الطريقة باسلوب اكثر فعالية ودعوة اكثر صراحة ، واذا كنا نعترف بان بعض النظم العربية لم ترحب بهذه الانتقادات ، بل لقد ذهب بعض هذه النظم الى كتبتها وخنقها ، فان ذلك لا يعفى الكتاب العرب ، وهم طليعة هذه الامة ، من مسؤولية خطيرة يتحملونها امام الشعب الذى ينتظر منهم الكثير . .

ولا بد قبل المضى من وقفة قصيرة لنعرف مفهوم الثورة الثقافية العربية , ولعلنا لا نحتاج إلى كثير من التعريفات القاموسية وحتى الايدولوجية فى هذا المجال ، ويكفى ان نلجأ الى تعريف اتفاقى منطلق من الواقع العربي نفسه . ان ابسط تعريف للثورة هو التغيير والتطوير والتحول ، وقد يعرفها البعض بالانقلابية وخلق اوضاح جديدة مغايرة للأوضاع الراهنة . والثورة الثقافية كما تكون بيضاء تكون حمراء ، مصحوبة بضجيج وعنف وارهاب او بقليل من ذلك مع رفق وتسامح وتوجيه حكيم وليس من الضرورى ان تكون الثورة الثقافية مرتبطة بالانقلابية السياسية والارهاب العسكرى اذ الثورة تعنى قبل كل شئ نقد الاوضاع والمفاهيم الحضارية الراهنة والدعوة الى خلق مفاهيم جديدة . وقد يصحب هذه الدعوة صراع حاد لا بين القديم والجديد كما قد يتخيل البعض ولكن بين نوعين من الحياة واسلوبين من المعيشة .

اما الثقافة فنعني بها المعنى العلمي القائم على التفكير الواعي المشارك الخلاق واما الثقافة بمعنى الفنون والاداب الراقية فهو مفهوم طبقى خاص نود ان لا يشمله هذا التعريف ، والثقافة التى تدعو اليها تؤمن ايمانا قويا بالتحول الجذرى على مستوى الاداب والفنون ايضا . وتدعو الى الارتفاع بها الى العملية والايجابية والتخلص من الروح الطبقية الضيقة .

وهنا نصل الى النقطة الثالثة من هذه التعاريف وهي " العربية " ان الامة العربية تعيش فى ظروف خاصة لا تعيشها مثلا امة الصين ولا امة روسيا و امة امريكا . ومن الواجب علينا العناية بدراسة اوضاعنا الخاصة فى نطاق حاجات امتنا الى مواجهة تحديات العصر والعيش فى امن وعزة وسلام . لذلك وجب ان ينطلق مفهوم " الثورة الثقافية " من نقطة ارتكاز عربية بالدرجة الاولى ، ولكن هذا لا يعنى الانعزالية والانغلاق على ما يجرى فى العالم من هزات فكرية لابد ان تؤثر فينا ولو كرهنا .

وانطلاقا من هذه التعاريف التى قلنا بانها ليست قاموسية ولا ايديولوجية بل وليست علمية دقيقة ، يمكن ان ندخل فى صميم الموضوع ، ونتناول ما نريد من الثورة الثقافية العربية ، ويمكننا ان نقسم هذا الموضوع الى قسمين : قسم يعرض وينقد بعض أوضاعنا الحضارية المعاصرة ، وقسم يقدم بعض الاقتراحات التى نظن ان هذه الثورة يجب ان تنطلق منها وتبدأ بها .

ان اهم ما يميز حياتنا العربية المعاصرة هو السلبية اننا نشاهد ونعيش احداثا كبيرة تجرى من حولنا دون ان نحس بها او نتدخل فيها . فعلى الصعيد العربى نجد اوضاعا سياسية واجتماعية واقتصادية تطرأ على مجتمعنا من وقت لآخر دون ان يكون لنا فيها كلمة او رأى . وما زال اكثرنا يعيش فى انعزالية تامة عن هذه الامور كأنها لا تعنيه او لا تقرر مصيره وعلى الصعيد العالمى كذلك تتجدد كل يوم الصراعات على مناطق النفوذ ونشر الايديولوجيات وتقدم العلوم ونحن لا نزال فى قدرية صامتة امام هذه الامور التى يمكن ان نسميها بتحديات العصر .

وتحديات العصر هذه كثيرة متنوعة ، ولعل من اهمها التقدم العلمى والتحول التقني الذي يغير حياة الانسان المعاصر ولعل من اهمها ايضا هذا الغزو الصهيونى الامبريالى لبلادنا ان البعض لا يزال يغط فى التقاليد فيرى التقدم العلمى جناية على " الروح الشرقية " الهادئة " وحضارة الشعر " العريقة ,

وكفران بالطبيعة والانسان ، ويرى فى الغزو الصهيونى الامبريالى على ان درس وامتحان " لا بد " ان يزول وان يد الله التى ازاحت كلكل الصليبيين الشرق منذ قرون قادرة ايضا على ازاحة الوحش الصهيونى عنه فى القرن . العشرين . ان هذه الروح السلبية التواكلية او ما نسميه بروح حضارة الشعر و الروح الشرقية هى شر لابد من محاربته ، وهى مرض لابد من التخلص منه .

وقد تكون ظاهرة التخلف المتولدة عن قرون من الجمود الفكرى والسياسي و الاضطهاد الاستعمارى اكثر ظواهرنا المعاصرة خطورة على مستقبلنا ومصيرنا والتخلف الذي نعنيه يتجاوز انخفاض مستوى المعيشة والهبوط الفكرى لدى المثقفين والحكم المطلق فى السياسة . ان هذه الامية المتفشية الى اقصى حدود التفشى لدى جماهيرنا العربية . واذا استثنينا القليل من الجهود التى تبذلها بعض المصالح العربية ، فان الامية فى مجتمعنا قد بلغت حدا مخيفا يجعل اى نوع من انواع المشاركة الفعالة لهذه الجماهير فى معركة المصير غير مأمونة العواقب ، وغير ذات اهمية . ومن الجناية على هذه الجماهير ان ثرواتها الطبيعي ومصادر دخلها الاساسية تصرف فى شتى انواع البذخ والترفيه على اقلية محظوظة وطبقة ممتازة فى عصر نحن فيه فى اشد الحاجة الى الثقافة الشعبية ونشر الوعى وازالة الحواجز الطبقية وتكوين مجتمع " الصالح العام "

ولا بد من الالحاح على هذه الطبقية الثقافية التى تميز واقعنا العربى . وليس يخاف ان قرون الجمود وسنوات الاستعمار المظلمة قد مكنت طائفة من الشعب العربى ان تسمن فكريا كما سمنت اقتصاديا . وبذلك تكونت " نخبة " ممتازة فى ميدان الفكر والثقافة كما تكونت " اقطاعيات " ممتازة فى ميدان الاقتصاد والاجتماع . واذا كانت هذه الاقطاعيات قد بدأت تتساقط كاوراق الخريف فى الوطن العربي ، فان النخبة الثقافية ما تزال تمد جذورها وتبسط نفوذها وسوء التوازن بين التقدم الاجتماعى والاقتصادى الذى احرزت عليه بعض المناطق العربية وبين النخبة راجع الى هذه الظاهرة . ان هذه النخبة العربية ما تزال تجد مصالحها مرتبطة ارتباطا وثيقا بالاستعمار ومع القوى المعادية للثورة العربية ، تكونها فى الواقع مدينة له بوجودها وامتيازاتها وتوجيهها .

ويتصل بهذا الارتباط بين النخبة الثقافية وبين الاستعمار هروب او هجرة المثقفين من الوطن العربي الى الخارج . نحن لا ننكر ان هناك مثقفين شرفاء حاولوا التعايش مع اوضاع بلادهم السياسية والاقتصادية فلم يفلحوا ، فلم يسعهم الا الهجرة لما نديهم من فكر وما حصلوا عليه من ثقافة علمية نادرة . ولكن

يجب الاعتراف بان كثيرا من هؤلاء المثقفين الممتازين تصلح فيهم كلمة " هروب " اكثر من كلمة " هجرة " فهم لعدم التزامهم بمصير امتهم وتشعورهم بانهم طبقة ممتازة وسط جماهير متخلفة فضلوا العيش حيث يجدون الراحة والثروة والامكانيات وحرمان شعبهم الذى تثقفوا على حسابه من مواهبهم ومساهمتهم فى انقاذه من برائن التخلف . وعلى اية حال فان هذا لا يعنى اطلاقا تبرير موقف بعض النظم العربية فى محاربة هذه النخبة وسد الطريق فى وجهها على المستوى المحلى .

وادا اردنا الصراحة فى هذا المجال نجد ان روح التقليد تغلب على المثقفين اكثر من غيرهم من طبقات الشعب . وهذه نقطة خطر . فالتقليد لدى الجماهير لا خطورة فيه اذا قورن بالتقليد لدى المثقفين . ولعل اهم ما يميز ما وصفناه " بحضارة الشعر " هو الرتابة والتكرار والحشو والخيلاء والنفاق . والرتابة فى بحور الشعر واجترار الابل انعكست عندنا على طريقة تفكيرنا وحكمنا على الأشياء . ولو احصينا انتاجنا من المدائح والاهجية والمفاخر ، وهي انواع من الكذب والنفاق والتكبر الفارغ ، لوجدناه يزيد على ثلثى انتاجنا الشعرى عامة اما نثرنا فان اساسه وعموده الشروح الدينية والتلفيقات الصوفية ، ونسبة الانواع الاخرى فيه ضئيلة جدا .

وتنسحب روح التقليد والرتابة والاجترار على انتاجنا الجامعى ايضا . فالمفروض اننا فى عصر البحث العلمى ، والدراسات الجامعية المعمقة الرصينة تكون قد تجاوزنا عهد " حضارة الشعر " الى عصر " حضارة العلم " ، ولكن كل الدلائل تدل على ان ابحاثنا الجامعية ما تزال تتخبط فى التقليد ، وما زلنا ندرس الشعر والنثر الفنى على طريقة ابن رشيق والجرجانى ، والتاريخ والجغرافية على طريقة ابن الاثير وياقوت الحموى ، والاقتصاد على طريقة " اليوم خمر وغدا امر " ، والنحو على طريقة سيبويه ، وهلم جرا .

وما زلنا نحكم على جودة العمل الجامعي بما يحتوى عليه من عدد الصفحات لا بما فيه من افكار جديدة .

ومع ذلك فنحن متمذهبون متحمسون لهذا المذهب او ذاك ، نتراشق من اجله بالكلمات ونتخاصم على اساسه ونقيم من اجل ذلك احزابا وشيعا وطوائف ، وقد يزداد الامر خطورة فنقيم من اجله متاريس على الحدود او ندخل فى حرب ساخنة . ان الانتماء الايديولوجى بالمفهوم الصراعي الدولى خطر

يهددنا من الداخل . وفي اعتقادنا ان الامة العربية لها من امكانياتها الفكرية ما يمكنها به ان تشق طريفها مستقلة عن الانتماءات الايدولوجية الحادة ، ولا سيما فى المرحلة الراهنة من تطورها .

ولكن القارىء قد يتساءل : اذن ما العمل ؟ ان الجواب على ذلك بسيط وصعب فى نفس الوقت . انه بسيط لاننا تعودنا ان نتساهل فى اصدار القرارات والتوصيات العامة التى تخرج من الشفاه ! من القلوب ، وتعودنا كذلك ان نعبر عن سعادتنا واغتباطيا بلقاءاتنا فى ذاتها دون تقدير لعواقبها . كما تعودنا ان نورد عبارة " المصير العربى " و " معركة المصير " و القضايا المصيرية " ونحو ذلك من الالفاط والتعابير التى اوشكت ان تفقد قيمتها وتصبح مبتذلة ، رغم انها حقا خطيرة المدلول لو اعطيت حقها من العناية والجدية ، ولكن هذا ، على كل حال ، هو جزء من مواقفنا السلبية وميزاتنا اللفظية ، أى انه جزء من " حضارة الشعر "

والجواب على ذلك صعب ايضا لانه يفرض علينا ان نغير من سلوكنا وان نفكر بطريقة جديدة . وهنا نعود الى اصداء نكسة في النقد الذاتى والدعوة الى العلمية . ان ذلك هو صميم الموضوع . انه يمكن ان نختلف فى قيمة النصر او الهزيمة ولكن لا يمكن ان نختلف فى معناهما ومع ذلك فالعقل العربى المعاصر ، العقل الشعرى اذا صح التعبير قادر على ان يختلف حتى فى معنى النصر او الهزيمة وان يعكس المفاهيم فيحول الشمس تشرق من المغرب وتغرب من المشرق ، كل ذلك تحت تأثير " حضارة الشعر " و " حداء العيش " .

واذا كنا لا نؤمن بالخوارق فى أشياء كثيرة فاننا نؤمن اشد الايمان بان العقل الانسانى قادر على صنع المعجزات . وآيات العلم تبهرنا كل يوم بمعجزاتها وخوارقها فنصدق خاشعين خاضعين مكبرين ومحوقلين . فالله الذي شاء ان يكون عبقر وعكاظ هو الذي شاء ان تكون سفن وصواريخ الفضاء وقنابل الذرة والهيدروجين .

وفى هذا الاطار يمكننا ان نتساءل : الا يمكن القيام بثورة ثقافية عربية ؟ لما لا يكون منطلق هذا المؤتمر تحديد معالم هذه الثورة ورسم اهدافها والشروع فى تنفيذها ؟

هل نظل هكذا نصدر التوصيات والقرارات التى ينسى بعضها بعضا وينسخ احيانا بعضها بعضا ؟ أليس بامكان العقل العربي المعاصر ان يتخلى عن

تقاليد حضارة الشعر الى آفاق حضارة العلم ؟ بلى ، اننا نعتقد ان ذلك ممكن بل واجب . كما نعتقد انه فى امكان الكتاب العرب ان ينفضوا على العهد بأن بدخلوا فعلا في معركة ضد التخلف ، واللفظية ، والامية ، والامبريالية والصهيونية والتبعية . وهذه بعينها هى ابجديات الثورة الثقافية والخروج من حضارة الشعر .

ويجب ان يكون واضحا اننا لا نرفع الثورة الثقافية كشعار . ان ذلك ابعد ما يكون عن هدفنا . ان الثورة الثقافية عندنا هى قبل كل شئ ايمان بضرورة التحول الجذرى فى المجتمع العربى ، وهى ثانية عمل دائب صامت متواضع نراه فى نتائجه ولا نسمع ضجيجه وغوغاءه . والثورة الثقافية على هذا الاساس لا يتبناها ويتحمس لانجازها الا مثقفون ثائرون . وقد يقول قائل انك تبنى على الرمل وتسبح فى الهواء لانه لا وجود لمثقفين ثوريين فى الوطن العربي الا ما شذ . والجواب على ذلك اننى حذرت منذ البداية من الفكرة الطبقية في الثقافة لانها خطر لا يقل حدة عن الرجعية فى السياسة والردة فى العقائد . وعلى الجيل الصاعد من المثقفين ان يعلنوا الحرب على " الاجترايين " فى الثقافة كما اعلنوا الحرب على المترددين فى السياسة ، و " المنحرفين " فى العقائد

والواقع ان تحقيق الثورة الثقافية اصعب وأشق من تحقيق الثورة السياسية ولاضرب مثلا على ذلك بالجزائر . فالجميع يعلم مدى قسوة الثورة التحريرية وطولها وضحاياها من البشر والمدن والثروات الطبيعية والمصالح الحيوية .

ومع ذلك فالجزائريون اليوم قد يشعرون بأن ذلك كان اخف وطأة وأهون مسؤولية من الصراع من اجل اعادة المكانة للعربية وللشخصية القومية . لذلك أصبح تحقيق التعريب الشامل فى جميع مستويات التعليم ، والقضاء والادارة مطلبا حيويا وشرطا أساسيا لتحقيق الثورة الثقافية التى هى قضية الساعة هناك .

ويتبع ذلك العمل الدائم على استعادة الشخصية الوطنية وبعث التراث ، كل ذلك بعقلية متفتحة لا تنسى ابدا التزاماتها نحو التقدم الانسانى العام والاستفادة من انجازات العقل البشرى فى مختلف العصور .

فما الذى يمنع ان يقوم العرب ، وعلى رأسهم أدباء الطليعة بثورة ثقافية على مستوى الوطن العربي ؟ اننا نعتقد ان ذلك ممكن ومحتم .

ويمكننا ان نلخص اهداف هذه الثورة فيما يلى : 1 - خلق ادب جماهيري متحرر من الارتباطات التقليدية والطبقية ويجب ان يكون واضحا اننا لا ندعو هنا الى ادب سوقى وضيع .

ان الجماهيرية فى الادب لا تعنى اكثر من ان يكون انتاج الاديب فى خدمة اكبر عدد ممكن من افراد المجتمع .

2 - على ان تكون السمة البارزة لهذا الانتاج هى الروح العلمية المتفتحة ، ان على ادباء الثورة الثقافية ان يرفضوا الخرافيات والقدريات وان لا يقبلوا الانغلاف على ثقافة ضيقة يتقوقعون فيها اصدارا وايرادا . ان مستقبل الامة العربية مستقبل عالمى انسانى ، لذلك وجب على ادباء هذه المرحلة ان يبشروا بهذا المستقبل الشامل الواعي المنفتح .

3 - ولتحقيق ذلك لابد من تكريس جميع جهود الامة العربية الفكرية وحشد طاقاتها العنوية .

وهذا يستلزم العمل على استعادة النخبة المهاجرة وافساح المجالات امامها لكى تنتج على المستوى القومى بدلا من ان تظل مشردة تعمل لحساب امة اخرى قد تكون عدوة للامة العربية .

وافساح المجالات يعنى توفير الحرية الضرورية للانتاج وتوفير شروط العيش الضرورية .

4 - وعندما يتحقق ذلك يكون باستطاعة الثورة الثقافية ان تشق طريقها بأعصاب قوية مدعمة بالعلم . ومن هنا يتحتم على هذه الثورة ان تنبذ كل ما هو شعري او انشائى فى التفكير . فالروح العربية الجديدة يجب ان تكون قائمة على الايمان بالانسان وعلى الانسان وان تتيح المجال لثورة العمل لا العاطفة ومن هنا كان علينا ان نتخلى عن الروح الشعرية الى الروح العقلية اذا صح التعبير .

5 - ولا تستطيع الامة العربية ان تشق هذا الطريق الصعب الا بالقضاء على الامية ومحاربتها . ومن المسلم به انه لا يمكن للامة ان تفاخر وتنتصر إذا كان نمانون او تسعون بالمائة منها أميين وعلى هذا الاساس يكون مبدأ الثورة الثقافية الذي لا يقبل المناقشة العمل على نشر التعليم على اوسع نطاق والارتفاع بهذا

التعليم الى مستوى العقل الرياضى لا الروح التقليدية ، اى ان يكون تعليما حماهر يا حبا هادفا وليس مجرد خلق قراء او اتباع يساقون بالكلمات الجوفاء والعبارات الساحرة .

6 - ولا بد من سلاح حاد آخر تشق به الثورة الثقافية طريقها ، وهو البحث العلمى المجرد .

ان انتاج الرسائل الجامعية يجب ان لا يقاس بكثرته بل بمفعوله ونوعيته وحدته والرسالة الجامعية ليست غاية فى ذاتها بل هى بداية فى طريف صعب وهو طريق الاكتشاف والبحث المتواصل . ويجب ان تخرج رسائلنا من طريقة التراحم الشخصية وجمع المعلومات العامة وتحقيق ما انتجه القدماء ، وان تتجه الى الابداع والعمل الذاتى والاكتشاف الذى لا يكون الا بعد معاناة وتجربة عميقة مرة .

فالبحث العلمى فى الحقيقة هو اساس الثورة الثقافية وسلاحها الى المستقبل

7 - ومن أهم وسائل تحقيق الثورة الثقافية وفي نفس الوقت من اهم وسائل البحث العلمى اجادة اللغات الاجنبية والاستفادة منها تدعيما للغة العربية ودفعا للعقل العربى . وهذا لا يعنى الغض من قيمة اللغة القومية .

ان العمل على ان تكون العربية لغة علم معاصر هو من أوكد واجبات الثورة الثقافية ، ولكن هذا لا يعفينا ابدا من مهمة الاستفادة من اللغات الاخرى ولا سيما فى مجال البحث والدراسة .

وهذا لا يعنى ابدا اننا اتينا على كل ما يجب على الثورة الثقافية ان تقوم عليه وان تحققه . فما يزال هناك فراغات فى الوسائل والاهداف نأمل ان تملأ عن طريق المناقشات الحرة البناءة . وهدفنا من اثارة هذه القضية طرح موضوع نعتقد انه فى منتهى الخطورة اذا كنا نريد لامتنا ان تتخلص من عصر الشعر والخطابية والغنائية وان تتجه الى عصر العلم والبحث والاختراع .

وليس هذا البحث سوى مساهمة فى هذا المجال . ولدينا الثقة فى ان الاديب العربى ، الاديب الواعى لمسؤولياته القومية ، سيكون فى طليعة الداعين الى تحقيق هذه الثورة الثقافية على مستوى الوطن العربى .

اشترك في نشرتنا البريدية