الليلة من ليالي الصيف مقمرة حتى الاشتهاء .. لكن الأضواء في مواطن الأعياد لا تترك مجالا للقمر يبسط فيه نفوذه على ميدان ((دار عياد ، . الميدان يضع على هامته شمسية من الفوانيس الكهربائية الملونة ، تتعدد الألوان أمام عينيك لترسم على الأرض هالات شيقة من الضياء ، فان كنت من عشاق علم تونس فأنت مضطر للقيام بعملية اختزال الألوان .. اختزل الأزرق والأخضر فسوف يرفرف في ذهنك)) الأبيض - الأحمر ، وان كنت ممن يحنون الى العهد البائد .. وجب عليك إلغاء اللون الأخضر فسوف يرفرف في ذهنك الأبيض - الأحمر - الأزرق)).
أما إذا كنت من عشاق (( حسن الجوار)) فما عليك إلا أن تطرح للأزرق البائد بديلا فسوف يرفرف فى ذهنك (( الأبيض - الأحمر - الأخضر)) .
حتى ولئن تعددت الألوان فانك ترى « الأبيض - الأحمر ، ماثلا في كل مكان .. واحدا بين خليط الألوان ... قائما بذاته في صمود أمام عينيك لأني أول ما علمت عينيك علمتهما استخلاص » الأبيض - الأحمر ، من كل شوائب المناسبات حتى صار ذلك « الأبيض - الأحمر » متحدا بذاتك .. تفنى أمامه وفي سبيله كل الألوان وكل الذوات ويبقى هو الأجدر بالخلود .. لأن المجد لا يظلك إلا تحت مظلته المقدسة
في تلك الليلة الصيفية الأنفاس .. في ذلك الميدان المتوج بشريط من الفوانيس الكهربائية الملونة ، إذا تأملت الأسلاك المتشابكة في ذلك الفضاء تقع عينك تحت نفوذ خيطين يلتفان حول نفسيهما .. ويتسللان من مقهى ( أملكار)، حبلا واحدا يلتوى أبيضه على أحمره حتى لكأنهما عشيقان في لحظة التحام دائم ، لا ينتهى إلا بأنبوبة كبيرة تنفرج شفاهها عن ألف شمعة تنصب
دفعة واحدة . حزمة ضوئية تبدأ فى توزيع نفسها على الميدان فاذا هو نهار يستوطن ليلة من ليالي الصيف المقمرة حتى الاشتهاء.
في ذلك النهار المقمر تحت الحزمة الضوئية تصطف الكراسي والأبناك والطاولات في شكل قد يطول حينا ويتربع أحيانا ولا يستدير إلا قليلا.. وفي .. انتظار مجىء (( جنادة العريس)) ترى الشكل هادئا صامتا.. صامتا هادئا وسرعان ما يتحرك ثم يتكلم ثم يصخب فاذا هو العريس بجنادته يشغل الشكل عن المضمون .. واذا المضمون فتيان عليهم من الجديد كساوى تتخللها أبهة من الجبات البيضاء - الصفراء - الحرير .. واذا زاوية من الشكل تتصاعد منها اسراب طير من الانغام النحاسية ما إن تحلق في سماء روحك حتى تتولد في شفاهك كلمات من المالوف الحنون :
شوشانه یا .. یا شوشانا آش خبرك للاك عن ملقانا !؟
وتلتقي الأنغام النحاسية أسرابها بأسراب من أزيز السيارات التى تعبر الميدان مطلقة فى صف مديد صفارات الانذار فى وقاحة : " أن ابتعدوا عن الطريق المعبد يا ناس ! فركب العروس اللحظة يمر "
ركب العروس ما عاد هودجا على جمل يتأرجح بها أميالا.. فلا يصل بها عش الزوجية إلا وقد كاد الدوار يأخذها على موجة من العرق البارد . والحادي ما عاد ذلك المغنى الذي يسوق البعير إلى حيث ينيخه لتنزل العروس وقد ضرب حولها حصار ضد العين (( العين التي كانت تدخل الجمل القدر والرجل القبر )) . لم يبق لتلك العين ذلك النفوذ ، لقد برد عزمها واستل منها ذلك المرض المتوحش هذا الطبيب الذى جاءنا وفتح بيننا عيادة يعالج فيها العين من ذلك المرض المتوحش القديم .. فأصبحت العين - من ذلك الوقت - فاقدة نفوذها فلا هي تدخل الجمل القدر ، ولا هي تدخل الرجل القبر .. بل لا تستطيع إلا أن ترى بعينها وتموت بقلبها ....
لقد انتهى ضرب الحصار ضد العين حول العروس حين تخرج من بيت أبيها لتمتطى سيارة جديدة ما زالت تحمل رقم الخارج مزدانة بالأربات البيضاء - الحمراء ، بالفوانيس الصغيرة الملونة يدب فيها النور حينا وينقطع حينا مشيدة في شكل أهرام أو صوامع أو قباب على ظهر السيارة ، تتطاير حولها بالونات ملونة ولا تطير .
تشق سيارة العروس الحشد تجر وراءها ذيلا طويلا من السيارات وكلما كان أهل الريس أكثر وجاهة كان الذيل أكثر طولا ، ومسكين من ليس له ذيل طويل !
طبيب العيون تتوسط عروسه المقعد الخلفى غارقة في البياض حرة من حصار كان يضرب حولها ضد العين .. لقد سقط نفوذ العين في الماء جمرة ، فالعروس عينها صارت أصح من رقعة جلد جديدة على أديم ثوب مهترىء ، وجهها أصبح بلاطة من الجليز الملون .. من وراء زجاج السيارة التي تقلها إلى عش الزوجية تشاهدها ، تشاهدك ، تحملق فيك بعين يكاد لها البلور يشقق .. بلور السيارة وهى تصل متباطئة أمام (( جنادة العريس)) وتنحنى العروس قيد أنملة مطلة على عريسها وهي تبتسم بشفاه لو قربت منها جهاز التقاط الأصوات المكنونة لسمعتها تقول له :(( نحن السابقون وانتم اللاحقون ... ها أنا فى انتظارك يا طبيب العيون . يا رجلا لا يؤمن بالعين التي تدخل الجمل القدر .. والرجل القبر . أرأيت كيف أدخلتك عيني بسحرها في قبر الزوجية ؟ كيف حصلتك في قبر امرأة اشترت - ذات يوم - لك ربطة عنق جميلة .؟ دفعت أنت ثمنها الباهظ .؟)) وقدمت لمن اشتراها لك هدايا .. ملابس وأسورة .. وحقائب .. بالرغم من ضوضاء المساواة بين الرجل والمرأة ها أنت ذا تدفع وها أنا ذا أقبض أيها الرجل وكأنما ستأخذ مني أكثر مما أنا آخذة منك !
المساواة ذلك البنج..... والبننج لا يحتاجه إلا طبيب جراح مثلك لتبنيج من ستجرى عليه عملية جراحية ...... ها أنا الليلة مهيأة لتلك ، بعد أن قبضت منك البنج)) .
ويتأملها العريس برهة مرورها من أمامه بعين برد عزمها واستل منها هو نفسه ذلك المرض المتوحش فلم تعد تقدر الا أن تقول بالمساواة بين الرجل والمرأة .. فأين المساواة اذا كان الرجل ما زال يدفع والمرأة ما زالت تقبض .؟ يا لسخافة هذه المرأة التي تمد يدها للرجل لتقبض منه ثمن بيعها له .! تقبض الثمن في شكل أسورة .. وأقراط .. وملابس من الدنتيل .. وثياب للسهرة... وغلائل للنوم .. تأكل من ماله ومن دمه ويا ليتها قامت بأكله وحدها .! ولكنها تأكله وتفسح المجال للآخرين كى يأكلوا منه معها تحت ستار ( صاله) حلاقه، جوقه ، شهر عسل ، موبيليا فاخرة فخورة يؤثث بها بيتا مقتصا من منزل حماته أو حميها أو مكترى من أحد سماسرة البيوت بسعر أحر من السعير !! .. ولكن .. أما قيل :((من عنده الحب ، يلعب كما يحب))؟! هذا صحيح بالنسبة لطبيب العيون الذى لا يؤمن)) أن العين تدخل الجمل القدر والرجل القبر)) فهل سيؤمن بعد أن أدخلته هذه العين - التي يشقق لها البلور - قبر الزوجية ؟ وغير صحيح بالنسبة لمن لا تملك من الحب ولا من الحب إلا اسنانها وحتى أسنانها ربما يكون بعضها ذهب ضحية الحلويات التي كانت
تحصل عليها من عند (الجربى بوبابين) بدون مقابل يوم كانت تتردد عليه في اليوم مرارا لشراء ما تحتاجه أمها أو جارتها مسعوده كانت تحصل على الحلوى فى المرة الأولى لتعود ثانية وتلتهمها فى طريق عودتها الى المنزل كم كانت تحب الحلوى المسكونة باللوز !
عيني على حلوات اللوز ! كسر كعبه تلقى زوز !
لربما كانت الحلوات تلك سببا هاما في ذهاب بعض أسنانها يوم صارت طالبة في معهد تكوين الممرضات حيث كان « الدكتور جمال » أحد أساتذة المعهد وهو أول من فاتحها في شأن تعويض ما ذهب من فمها وسلمها (بطاقة زيارة) لعيادته.. وزارته في أحد أيام الأحد حيث انتظرها بعيادته خصيصا ولماذا ما عوض لها الا ما ضاع من فمها فقط ..؟! لقد كسا العوض بالأصفر اللماع الذي بدأ منذ ذلك اليوم يقول لنا في صفاقة كلما فتحت شفاهها بصوت يكاد يسمع :(( يا مزين من الخارج كيف حالك من الداخل ؟!)).
اطمئن .. فداخلها كخارجها ما دام الدكتور جمال وعدها بقبولها في عيادته يوم أن تتخرج ممرضة لتقوم بينه وبين حرفائه عوض الممرضة التي تعمل عنده حاليا.....
ولما تخرجت رأت نفسها واقفة على باب ( الدكتور جمال) كأول من ستزف له خبر تخرجها فيستقبلها بكل حب كعادته وينبئها قائلا :
- ستتسلمين شغلك هنا بعبادتى إثر عودتى من الخارج مباشرة . - والممرضة التى تعمل عندك حاليا يا دكتور ؟ هل سنشتغل معا في عيادتك ؟
-لا . . ستتخلى عن مكانها إليك .
- تتخل عن مكانها الى ! هكذا بكل بساطة تستغنى عنها ؟ لا تتعسف.... لا.. لا . . لا . !
لا .. لا ستتفرغ للقيام بشؤون مولودنا الأول .. قريبا إن شاء الله !! ويقفز بغتة ما في فمها من لون أصفر .. أصفر لماع الى وجهها كله فيغشاه بصفرة .. موحشة .. باردة .. باردة .. حتى النخاع . وانتفضت من شدة .. البرد وأحست بالرعشة تسرى في كل جسمها وتستقر في مكان واحد واحد .. كحوض صغير تجمد فيه الماء واستحال الى جليد ثالج.. ويذوب الجليد في تلك اللحظة التي كانت السيارة فيها تخب بها نحو عش الزوجية في تيار من الموسيقى النحاسية الحارة وتستقر الحرارة فى (( الواحد .. الواحد)) و تحس بذهنها يمتد الى كنش صغير به بعض (( الحسابات الشهرية)) ، وتتأمله
فاذا هي على موعد مع « الشهر » الذى لم يأت منذ شهرين ، أحست عندها بالارتياح يغمرها كما تغمر حقلا عند السقوط - أوراق شقائق النعمان - الحمراء ، ويهمس لها هاجس عميق : « لقد نجحت الخطة ! وسوف أديره على
أصابعي كالخذروف .. وأركب على دين أمه كالحرذون ! وأجعله يدفع ، هو ، ثمن العين التي فقأها في باصبعه زميله الدكتور جمال .. وأى جمال !)) .
وتمضى السيارة تشق طريقها في حشود من الأنغام .. في موكب من الضوء .. في رعيل من السيارات .. بدأت العروس الآن تستمع الى الموسيقى وتشاهد الضوء .. وتتمتع برعيل السيارات الملحة على صفارات الانذار
صورة
:المتشابكة الأصداء هذا الانذار لا يبعث بالنساء والأطفال والمستطفلين من الرجال الى الاختباء في الملاجىء الأرضية .. ولكنه يخرجهم من مخابئهم جميعا ليتكدسوا على سطوح المنازل ويشاركوا بالنظر الأبله في المناورة الزوجية التي تمر من أمام بيوتهم ، ويطل المتطفلون برؤوس غيلمية من أبواب الدكاكين .. ينحنون قليلا قليلا .. محملقين في وجه العروس بعيون البقر .. وتسأل هذه البقرة أختها :
- عروس من هذه ؟ - عروس الجراح... طبيب العيون . - من هي ؟ ابنة من ؟
-الممرضة . . الممرضة ممرضة العيون بنت " الشيخ " الذى سوغ الفيلا للطبيب وانتقل هو للسكنى بدار البحر.
- بنت ( الشيخ) الممرضة! أما قالوا : تزوجت من طبيب أسنان فى المدينة المجاورة ؟
- أى والله..... العلم لله.... يا أخي.....
- طبيب أسنان . . طبيب عيون...... ممرضة عيون..... ممرضة أسنان...... لعلها مناورة يقوم هؤلاء بها فيما بينهم فظنناها جدا فى جد .
- وأى شئ جديد فى هذه المناورة ما دامت فيما بينهم ...... الله لا يرد فأسا على هراوة !
تصل السيارة بالعروس الى بيت يسكن في سحابة من الزغاريد تذكرك (ببحيرة حمزه) حين كانت الضفادع تسكنها في ليالى القمر بنقيقها المتصاعد طبقات .. فوق طبقات .. الى أن يصل الى طبقات السماء .. تذكرت ذلك وأنت منتصب كالتمثال لا يتحرك فيك الا عينان متنقلتان بين وجه العروس وتحركات البدوية خادمة « الشيخ » وهي ترسم حلقات في الهواء بكانون لاقح جمره يتدافع منه فى عيون الليل دخان العنبر .. والعود .. والبخور ... والوشق .. والداد .. وقد تصدر كفها وهي تغرنق :
- ((الوششق والداد.......... فى عيون الحساد !)).
- على أى شئ سيحسدونك يا مسكنة يا خادمة أبى لهب؟ عل صوتك المبحاح ؟ أم على عروسة الجراح ؟ أم على البلور المشقوق والعيون الصحاح؟
حلقة النسوة دارت بالعروس ، والماشطة بدأت تدق دربوكتها ، وانطلقت (الحنانة) تصيح : " يا حوات..... اقل وهات.... العاشق فى النبى يصلى
عا المختار . حكى جنبك هات دينار. ... الفلوس تجي بالفلوس . . بحياة العروسة والعروس.....))
( العروسة والعروس) كلمة واحدة في لفظتين الحنانة تعني بهما الزوجة والزوج .. وأنت لم تفهم منهما إلا ( الزوجة) لأن الزوج في قاموسك هو ( العريس) . وماذا يهم لو أن الحنانة كانت لا تعني ( الزوج) حقا ! فمن هو هذا العريس الكريم !؟(قطعة حبل) جاء بها السيل من البادية المجاورة .. تطاولت على أهلها وعلى أبناء ريفها ،(قطعة الحبل ، هذا الذي ترك له أبوه المرحوم في تلك البادية المجاورة) طبات أرض صغيرة ، باعها تنصلا منها وممن حولها بدعوى أنه بثمنها سيفتح عيادة لطب العيون .. والواقع أن ثمنها أضافه الى الكثير من دخله يوم كان يعمل موظفا في أحد المستشفيات، ثم اشترى بالكل للعروس ما طلبت منه ، وما لم تطلبه اضافته أمها لقائمة المشتريات فلبي الطلبات طائعا مطيعا بعد أن وقع جملا تحت نفوذ العين التي لا يؤمن بأنها تدخل الجمل القدر .. وها هو الليلة يدخل القدر بمحض الاختيار المغلوب على أمره ولن يخرج منه الا هابيا هباء منثورا
استقرت العروس في عشها الجديد منتظرة .. وهل تنتظره بعد أن نفذت فيه الخطة منذ شهرين أو أكثر بقليل !؟ لكن هو أضجره الانتظار فتحرك وحواليه تحركت ( جنادته) في حشد حفال تتقدمه موسيقى أطلقت أسرابا من طيور النغم الحالم .. الرؤوس تحوم عليها الأنغام صاخبة لذيذة لا يزعجها إلا خادمو الشيخ » حين ينطلقون كصهيل جياد غير أصيلة في صيحات كاشفة : (( الصلاة على رسول الله .. طارت عينك يا الاعور ... غط راسك يا فرطاس)) . هاشم أخو العروس المستقل عن أبيه منذ أن ماتت أمه ـ زوجة أبيه الاولى - كان من بين الحشد الحفال تبلغه تلك الصيحات الكاشفة التي يطلقها خادمو الشيخ ، فلا تعجبه ولا يعجبه أباه الذى أطلق أصواتهم بين الحشد الحفال.. وتصفعه صيحاتهم من جديد :(( الصلاه على رسول الله طارت عينك يا الاعور .. عر راسك يا فرطاس ..)) . ..
يحس هاشم ابن ( الشيخ) الأكبر بأسنانه تطحن بعضها بعضا ردا على تلك الكشفات يتخلل الحشد الحفال الى خادمي (الشيخ) يصلصل فيهم فى هدوء :
- ما دخل باسم الله فى عشانا يايتيمات ! ما دخل الاعور والفرطاس فى الأعراس " ؟ ويزيد فى مكنونه : يالها من تقاليد عجب ! يالها من عادات حموم !
وتنتهي الصيحات الكاشفة عند الباب .. وتعزف الموسيقى تهليلة الدخول: یا خاینه بشكون بدلتيني .. ويقذف بالعريس داخل غرفة العروس .. وتغلق الأبواب
الضيوف وغير الضيوف تقول لهم الكأس :(( هيت لكم الآن)) وتتحول الموسيقى النحاسية الى اخرى :
((ليله .. والمزود خدام. ارکز يا زينه الاقدام))
((بالمزود يحمى لى الجو. وفى جيبى ينزلى النو))
((والناس تنسى الهروب. وتدخل زينه في الجيوب))
البدوى يحمل الكأس بيد .. وبالأخرى يحاول فتح جيب سرواله وهو يصيح :
-((تعالى يا زينه ادخلى الى جيبي .. ادخلى .. ادخلى بلا جواز سفر یا جواز سفري الأخضر)).
بعد زمن - قد يطول وقد يقصر - يعود العريس الى باب الغرفة يفتحه ومن فرجة الباب يدفع ( بخمسة من الشموع الملتهبة) فترتفع الزغاريد باردة من طرف أهل العروس هذه المرة ، حارة من طرف أهل العريس الذين لم يحضر منهم إلا القليل وعلى قلتهم كانت الزغريدة حارة ، ارتفع إثرها خرطوم المزود وظل صوت ( زينه) يرتفع أكثر من الخرطوم :
اللمو .. اللمو .. اللمو. نحبو ونكره أمو دخلتو للكوجينا. خرجتو م الكوجينا
واعطيتو بوسه بنينا. واركبت على دين أمو
انحبو ديمه يدني. نحبو عاشق فني
نحبو يسكر ويغني. وبكمو يمسح فمو
.. وتضحك أنت تقهقه .. من سخافة هذه الكلمات وتميل على أذن خالى عزیز هامسا :(( آ لو كان ( العروي) ما زال حيا !! لرفعنا إليه قضية هذه الكلمات التافهة ينظر في شأنها ! ليصدر حكمه على ( زينه) المنتشرة في كل الأعراس ..)).
ويجيبك خالى عزيز بعينين جاحظتين وقد مرر يدا قصيرة على لحيته الكثة :
- اذا مات ( العروي) .. ما زال زرياب حيا !! ولكن لماذا كل هذا الهم والاهتمام والتهمم ؟! احسب أغنية ( زينه) هذه من نوع الصيحات الكاشفة التي كان يطلقها خادمو ( الشيخ)، واعتبرها من الفلكلور العجيب .. إن لم يأتك نبأ الفلكلور العجب .!
-ماذا تقول يا خالی عزیز .. فلكلور عجب ..! وهل هناك عجب أكثر من (اللمو اللمو ؟)
ل-كل زمان عجائبه ، وهذا عجب زمانك يا أستاذ ! وأعجب منه زمان هذا الشيخ الذي يحتمى الكأس إثر الكأس ويمسح فمه بكمه فعلا كما تقول (زينه) أنظر .. ألا تراه ؟
- من ؟ هذا الشيخ الأصلع كالدجاجة الاسبانية .. فعلا إنه يمسح فمه بكمه إثر كل جرعة حمراء .. من هذا المكشوف الرأس ؟
- . اسکت ( الله لا يكشف لنا حالا ) إيه .. يا .. نعم .. كان من التكاريه » من الحشاشة الكبار ! مغرما كان بتربية عصافير ( الكناري ) في حانوته .. حتى أنه صار اسمه : « عم العصفور » لم يخرج من السجن الا منذ سنوات قليلة دخله بعد شهر واحد من دخوله عريسا على زوجته الاولى التي دخل عليها متحشحشا و توجه توا الى رفع أوتاد الخيمة وحفر البئر ليخرج - بسرعة كما يفعل أبناء جيله - ستار الخيمة مبرقعا بالبترول الأحمر .. إلا أن البئر وجدها قديمة لا كما كان يعتقد .. فلم يفر منها لا بترول أحمر ولا أسود .. وحتى لا يقول عنه ناسه وكل الناس خاصة بعض أعدائه اذا علموا بالخير فسوف يجندون له أطفال الحى ويغرونهم بالحلوى لينشدوا .. أمام حانوته مصفقين :
يا ناري( عم العصفور) يا ناري سعدك مقعور
اضربها بعد الساطور. ما يفيدش فيها البخور
خاف ( عم العصفور) من أن تشيع فيه هذه ( الجانم ياللانی) فضحي فورها .. نعم ضحى بعصفوره .. ذبحه ولطخ . من أجل عص بعصوره .. بدمه ستار الخيمة - ليستر ما ستر الله - وظلت حياته معها بدون عصافير حتى ردمها ودخل السجن . ثم لما خرج من سجنه أبي أن يتزوج ثانية حتى كانت معركة (بنزرت) التي استشهد فيها خاله وترك امرأة جميلة تحمل بين أحضانها وردة صغيرة لا يتجاوز عمرها عامين .. فرق قلبه لتلك الوردة فتزوج البستان الذي نبتت فيه وهو يقول :((كذب مسلسل .. أفضل من حق مهلهل)).
أخرج العريس( خمسة الشموع الموقودة) وسحب نفسه كالحلزون الى داخل قوقعته .. وتلقى أهل العروس ( خمسة الشموع) وبعضهم يردد :(( امش...... سالما))، أما أم العروس فهى تكرر في سرها : « قل أعوذ .. وقل أعوذ .. وقل هو....... سالما » ...
.. وفي اتجاه الحافلة الرابضة هناك لتقل أهل العروس الى دار ( الشيخ) في الشط انطلقت ( الحناية) في كوكبة من الزغاريد الباردة.. وما ان عتبوا دار العريس حتى انطفأت ( خمسة الشموع) وحاول هشام أخو العروس أن يوقدها من جديد .. تك عود الوقيد الاول فاكلته ريح اللهيب قبل أن تشتعل ( الخمسة) المنطفئة وتك العود الثاني .. فالثالث .. فـ .. فرغت حقة الوقيد وأبت الشموع الطافية أن تعود الى الاشتعال . فتناول أخو العروس (ولاعة غازية ) من أحد الأقارب ليوقد بها الشموع الطافية ، وما إن قدحها حتى أولعت لسانا طويلا طويلا من نار كأنه انفجار التهم شلغوميه وأهدابه متسللا الى العمق .. الى العين التي تدخل الجمل القدر والرجل القبر .. فاستغاث وقد ألقى ما في يديه وظلل بهما عينا فتحها فلم يبصر بها إلا ظلاما ملونا يتطاير أمام عينيه فتذكر الصيحة الكاشفة :(( طارت عينك يا الاعور)) التي كان يرددها خادمو «الشيخ فيسخر منهم . وأحس وقتها كأنما كانوا يقصدونه ..((طارت عينك يا الاعور ! أنا أعور !! وانتفض راجعا بسرعة جنونية ركضا في اتجاه بيت أخته العروس يدق بابها بكلتا يديه .. ويرج المزلاج وحلقة الطرق صائحا : افتح يا طبيب العيون عيني طارت .. افتح .. افتح ..
وما إن فتح العريس الباب ورأى صهره ينظر اليه بعين واحدة وقد ضمد بيده اليمنى عينه الاخرى حتى بادره قائلا :((طارت عينك يا الاعور !)) وعــم الضحك الجميع حين علموا بالحادثة .. وأخذ العريس صهره من ذراعه وساقه الى عيادته التى هى واحدة من غرف الفيلا الكبيرة التى كان اكتراها منذ مدة من عند (الشيخ) والد العروس متخذا قسما منها مسكنا له وقسمها الآخر عيادة لطب العيون
وبعد ..؟ ما إن أعاد الطبيب لصهره الضوء الذي طار من عينه .. حتى طار وعروسه في سيارته الى حيث سيأكل شهر العسل .. وكأنما لم يذق ذلك العسل من قبل ..
وظلت المناورة قائمة بين طبيب العيون وممرضة العيون وقد ضرب حولها حصارا ضد العين والسمع .. فلم يسمع بعد ذلك لها صدى حتى صرخ في البيت صوت مولود بهي الطلعة .. بعد سبعة أشهر فقط ..
- يردده خالى عزيز على مسمعك هو :(( إن والذي ظل - بعد ذلك السبوعي .. لا يموت ! السبوعي .. لا يموت !)) .

