الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

من خصائص الشكل القصصي، فى الادب العربي القديم

Share

لا يحتاج الخوض في التراث الى " نظرية تراثية " وانما هو فى حاجة أوكد  إلى معرفة التراث نفسه لاستخراج النظرية . فلقد كثر الحديث فى التراث ، وتباينت مشاربه حتى كاد ينحرف عن مقاصده وينزلق فى مهواة معارك  ايديلوجية مفتعلة أو هو يوشك على أن يتحول إلى موضة فكرية تستهوى ذوى  العقول الكسولة المتناشطة والقوالب الجاهزة المستعملة

على هذا الاساس ننطلق في تناولنا لهذا الجانب من التراث العربى الاسلامى وهو خصائص الشكل القصصى " شعارنا فى مسعانا وعى باللحظة الحضارية مرهف وانعتاق من ربقة معايير أريد لها الاطلاق وما هى الا معايير نسبية  ووسمت بالعلم وما هي منه فى شئ ورائدنا حرية فى الفكر وكيفية النظر  لا يحدها الا موضوع الدرس نفسه وعلى ضوء هذه الاعتبارات تتحدد مواقفنا ازاء وجهات النظر في هذه القضية والتى ظهرت هنا أو هناك فذهب بعضها الى  ان العرب لم يعرفوا القصص لان مخيلتهم قاصرة عن ابداعه ) رينان ومن لف  لفه من العرب مثل أحمد أمين ) 1 ( وأبى القاسم الشابي ) 2 ( وزعم آخر ان  للعرب قصة وأسطورة وملحمة علي نحو ما عرف أهل أوربا ) عبد الحميد يونس  وادعي غيرهما أن العرب لم ينشؤوا القصة حسب المذهب الواقعي - لان خيالهم أسمى من أن يتدني الى مشاكل الواقع اليومى والاشكال الادبية المقترنة  به ) 3 ( ان جل المذاهب وما شابهها ينطوى على حكمين آيلين فى حقيقة الامر الى غاية واحدة . فأما الحكم الاول فيقول : إن العرب لم يعرفوا القصة الا عندما

اتصلوا بأوربا أو قل : اتصلت بهم أوربا واما الحكم الثاني فيقول : إن العرب قد عرفوا القصة منذ العصور القديمة كما عرفتها أوربا وأما الغاية - وهى خفية هنا مكشوفة هناك - فهى تكريس النزعة المركزية الاوربية

وليس هنا مناقشة هذه النزعة وكشف القناع عن الصيغ المغرية التى اصطنعت وتمزيق الاردية البراقة التى ارتدت وانما اردنا ان نضرب امثلة  عن الآراء التى أثارت هذه المعركة المفتعلة لاغراض مشبوهة وهي اراء صادرة جميعا عن  أحد مصدرين : فاما عن جهل بالتراث القصصى العربى الاسلامى  واما عن النظر اليه من خلال مقاييس يمتنع عن الخضوع لها ، وما هذا الامر  عن ذاك ببعيد .

لسنا اذن في حاجة الى نظرية ادبية لنتناول الاشكال القصصية فى الأدب العربي القديم وانما نحن نقبل على آثار قصصية نتفحصها ونتدبرها على ضوء مقولات فكرية عامة ومفاهيم فنية ما كانت قط حكرا على ثقافة من الثقافات او على  أدب دون غيره من الآداب . ويتعلق كلامنا فى هذا المقال بثلاثة آثار احدها مغمور لا يكاد يذكر وهو " حكاية ابي القاسم البغدادى " لابى المطهر الازدى ثانيها مشهور لا يكاد يحتاج الى تعريف وهو " رسالة الغفران " لابى العلاء  المعرى  ) توفى  سنة 49 4ه ( وأما الثالث فمعروف على أية حال وهو " حى بن  يقظان ولابي بكر بن طفيل ) توفى سنة 58٢ ه ( وقد ظهرت هذه الاثار على التوالى في القرن الرابع فالخامس فالسادس وهى تتصنف على النحو التالي :

واقعية : حكاية أبي القاسم البغدادى ) المقدمة : . لتكون كالتذكرة فى معرفة اخلاق البغداديين . - فلسفية : حي بن يقظان ) التعريف بالحكمة المشرقية ( - عجيبة : رسالة الغفران ) فى عالم الجنة والجحيم (

ولا شك في أن مقالا كهذا يضيق عن المقام بتحليل مفصل دقيق لهذه الآثار  ولذلك فنحن مكتفون بسوق بضع ملاحظات امكن الوقوف عليها وجملة من

الخصائص المشتركة تيسر الاهتداء اليها فرأينا فيها جميعا مادة أساسية كفيلة بمدنا بتصور لطبيعة الشكل القصصى فى الادب العربى القديم ) ٥ (

1 ( هيكل القصة :

تدور الآثار الثلاثة - في درجات متفاوتة - على اتصال متين بلون ادبي  له اساليب مخصوصة وتقاليد راسخة فى الادب العربى وهو فن الترسل . فرسالة الغفران موجهة إلى أديب معاصر لابى العلاء هو ابن القارح ، وحي بن يقظان  رسالة موجهة إلى " أخ كريم صفي حميم " أما حكاية ابى القاسم البغدادى في وان صدرت عن تصور نظرى واضح ناضج لمعنى الحكاية لغه واصطلاحا ) 0 الا انها لم تخل من بصمات الرسالة . بل ان مصطلح الرسالة يرد فى اخر النص للدلالة على الحكاية كلها ) 7 ( والمرسل اليه وان لم يحدد فقد أشير اليه صراحة

) اسمع الآن . تسمع شرح قصة خضت منها فى فنون غريبة الالوان وحديثا كالدر الفت منه بين نظم الياقوت والمرجان

ان هذه الملاحظة تثير امامنا تساؤلا خطيرا ، فهل نحن ازاء دور من أدوار  تطور فن الرسالة الادبية أم نحن ازاء مرحلة تحولية من نوع ادبى الى آخر ؟

ولا بد في محاولة الاهتداء الى الاجابة عن هذا التساؤل ، من تحديد دقيق المفهوم الرسالة الادبية .

ان في كل رسالة بلاغا هذا لاجدال فيه ، أما الرسالة الادبية فبلاغ وبلاغة .  أى أن غايتها ليست ابلاغ معلومات الى المرسل اليه فحسب وانما غايتها  المميزة هي التعبير . وكلما كان التعبير غاية الكلام صار الكلام أدبا وحق لنا  اذن الحديث عن رسالة أدبية أو عن لون ادبي ما . وبحكم هذه الصفة تتجاوز  الرسالة الادبية نفسها من حيث هى رسالة فتصير أثرا ادبيا أو هي ان شئت  رسالة " مفتوحة " لا تخص المرسل والمرسل اليه فحسب بل تتعداهما الى  جمهور القراء عموما

ومن شأن هذه الخصائص ان تجعل الرسالة الادبية فنا لين العريكة مرنا يستطيع فيه الكاتب ان يجتهد فى طريقة التعبير فيتفنن تارة فيكون كلامه   سجعا ويتصرف على نحو آخر فينقلب شاعرا ويقطع السياق أحيانا فيورد   نادرة أو يحكى خبرا وقد ينشئ قصة فيها نصيب من الخيال من حيث هو  أداة من أدوات التعبير الادبي .

ومما يزيد في تطويع الرسالة وقبولها لهذه المرونة الشكلية انها تتبادل بين ادباء وكثيرا ما يكون موضوع الحديث فيها الادب بشتى فنونه والوانه وقضاياه وبذلك يمكن أن تتحول الرسالة الى تجربة كتابية أو بحث عن قوالب تعبيرية   تمتنع عن التقنين المسبق .

ومن أهم خصائص الرسالة الادبية ومن أجلها أثرا فى نشأة هذه القرابة   بين الرسالة الادبية والشكل القصصى بالذات صيغة الكلام فى الرسالة فالكاتب يتكلم الى المرسل اليه بهاء الغائب ) 8 ( حتى كأن موضوع الخطاب منفصل عن المخاطب ) 9 ( وليس الامر كذلك ابدا اذا علمنا ان من تقاليد الرسالة الادبية  ومن صبغ التقدير والاحترام في المجتمع العربى الاسلامى التوجه الى المخاطب بهاء الغائب بدل تاء المخاطب ) 10 ( . ومهما يكن من أمر فان هذه الظاهرة تجعل الرسالة الأدبية على اتصال حميم بالقوالب السردية التى تمثل قوام الشكل  القصصى عامة بل جوهره المميز

وصفوة القول : إن الرسالة الادبية تبدو شكلا حرا الى حد بعيد أو قل : إنه لا يتقيد الا ببعض تقاليد فن الترسل من جهة وبمعايير الادب ومفهوم الادبية  من جهة اخرى . فاذا علمت ان المفهوم الجاحظى للادب ظل مهيمنا على التصور  العربي للادب رأيت ان ذلك القيد ليس من القيد في شئ وأدركت ان الرسالة  الادبية تنطوى فى أحشائها على قدرات تولدية مبدعة

2 - العلية الكلامية :

لا شك في أن من أهم العمليات التى ينبغى على دارس الشكل القصصى أن  يقوم بها دراسة منطق الاحداث ونظام اعتمالها . ففي ذلك علة وجود القصة

ودراسته انما تكون بمحاولة الاهتداء الى القوانين الداخلية المتحكمة  فى حركة  النص من حيث هو كلام مهيكل ذو دلالة

ومما يلفت الانتباه حقا فيدعو الى التبصر والتمعن فى هذه الآثار القصصية الثلاثة هو ضآلة نصيب الاحداث فيها . فالابطال لا يفعلون وانما يتكلمون ) ابن  القارح ، أبو القاسم ( أو يفكرون ) حي بن يقظان ( حتى تكاد القصة تنقلب الى  حكاية أقوال أكثر منها حكاية أفعال ، أو لعل الفعل الاغلب عليها هو الكلام ذاته .

وقد يحمل هذا الامر على الميل الى اعتبار هذه النصوص اقرب الى الشكل المسرحي ) حسب المعايير المالوفة ( منها الى القصصى ) 11 ( ، غير ان الحقيقة فى نظرنا أشد تعقيدا من ذلك . فالكلام يدور حول الكلام ) الشعر وقضاياه ، اللغة  ، وعلومها ومسائلها الخ . ( وهو الذي يسير البطل غالبا فيسعى الى طلبه  او بثه واثناء هذه العملية ثمة احداث تدور ومجالس تعقد وانفعالات ومواقف  ذلك هو الشأن مع ابن القارح في رسالة الغفران حتى ان الرحلة فى عالم الجنة  والحجيم تكاد تكون رحلة فى عالم الادب واللغة . بل ان رسالة الغفران قائمة  من بدايتها على عمليات كلامية مهمة جدا فى فهم طبيعة الكلام وفهم هذه  الظاهرة التى نحن بصددها . فالكلام يبدو منطويا على قدرات فعالة وطاقات تولدية عجيبة . فانظر الى بداية الرسالة تجدها منطلقة من التلاعب بالكلام  ) بالاعتماد على الاساليب البلاغية وخاصة التورية ( ثم انظر الى بداية القصة  فى الرسالة تجدها أيضا منطلقة من عملية كلامية عجيبة استحالت بها كلمات رسالة ابن القارح ) 12 ( الى اشباح نور والى اشجار واذا نحن فى الجنة ) وهذه  الكلمة الطيبة كأنها المعنية بقوله : ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة  : طيبة أصلها ثابت وفرعها فى السماء تؤتى أكلها كل حين باذن ربها ( ) 13 (

وثمة وجه آخر من العلية الكلامية تلتقي فيه رسالة الغفران بحكاية ابى  القاسم البغدادى وهو الكلام لذات الكلام . ولا يعنى هذا أن النص ينقلب الى

ضرب من " الأدب الأبيض " ) 14 ( - ان صح ان للأدب صباغا - وانما المقصود أن الكلام يستعمل لغاية التعبير أى لغاية فنية بلاغية من شأنها أن تفيض على النص   صفة الادبية فى المفهوم العربي للأدب . ان الكلمة هنا اشبه ما تكون بالعبارة الشعرية لا يراد منها البلاغ وانما غايتها التعبير أولا ، بل نكاد نقول : إن   فى هذين النصين القصصين لونا من فرط التعبير مما يجعل الكلام يدور على  نفسه فيفرز تركيبات جديدة

وترتبط بخاصية العلية الكلامية ظاهرتان أخريان عنها تولدتا وعليها تدلان ،  فأما الظاهرة الاولى فهى الاستطراد وأما الثانية فهى تداخل الاشكال الادبية ولعلنا في غني عن التعريف بالظاهرة الاولى فهى مأثورة فى الأدب العربى  مشهورة عند دارسيه ، غير أننا لا نتمالك أن ننبه الى بعض الحقائق الاساسية  فى الفهم وهي ان الاستطراد ليس اختيارا أسلوبيا - من قبيل مزج الهزل  بالجد - وانما هو ظاهرة متأتية من تصور لمفهوم الادب والأدبية . وانه ابين  آية وأصدق تمثيل لهذا المفهوم الذى نسعى الى بلورته وهو العلية الكلامية  وعلى هذا الاساس يتبين ان الاستطراد ظاهرة طبيعية لصيقة بالنسيج الداخلى  للنص .

أما ظاهرة تداخل الاشكال الادبية فيفسرها من جهة نمو النثر وتكامله فى  القرن الرابع حتى أنه أخذ ينافس الشعر فى أغراضه ومن جهة اخرى مرونة شكل الرسالة وقدرتها على احتواء أشكال من التعبير مختلفة .

ان النص يبدو بمثابة البؤرة يلتقى فيها الشعر وأساليبه المختلفة بالنثر  وألوانه المتباينة ) اخبار ، نوادر ، مقامات ( ) 15 ( حتى كأنه محاولة تجاوز  للانواع المعروفة بابداع نوع جديد . فالشعر مثلا يستعمل فى مواقف كثيرة للاستشهاد فاذا هو تضمين عضوى فى صميم النص لانه مولد للحركة . ولكنها حركة من نوع خاص ، فهى حركة كلام وبلاغة اى أن الاستشهاد قد يعطل

الحركة المادية ) الاحداث ، وهي كما قلنا سابقا ضئيلة ( ولكنه ينشط الحركة  البلاغية إذ يكون مثارا لكلام جديد ، بل ان الحركة البلاغية تولد احيانا حركة    مادية وذلك حين يتحول الشعر الى مواقف واقعة يعيشها البطل فينفعل ويفعل   واكثر ما يظهر هذا فى حكاية أبى القاسم البغدادى ( أو حين يستحيل الى  مشاهد مشخصة ماثلة فى حيز النص ) واكثر هذا فى رساله الغفران ( .

وهكذا تبدو لنا القصة واقعة فى مركز تقاطع حركتين متقابلتين على مستويين متباينين : 1( حركة عمودية على مستوى الهيكل العام وفيه تظهر القرابة بين القصة  والرسالة الادبية 2 حركة افقية على مستوى الاسلوب وفيه يبدو الشبه بالشعر والنثر الفنى  في صيغه المختلفة وخلاصة القول : ان القصة تبدو نتاج حركة داخلية فى هياكل التعبير  وأساليبه المأثورة فى الادب العربى  

3 - هوية البطل :

البطل في هذه القصص من نوع خاص فهو أديب فى رسالة الغفران وفي حكاية أبي القاسم البغدادى وهو فيلسوف فى حي بن يقظان . وهذه ظاهرة  مرتبطة دون شك بما لاحظنا سابقا . فالرسالة الادبية انما تتبادل بين الادباء   والبطل الادب يمثل في هذه الحالة احسن اطار للتواصل بين الاطراف المعنية .  ولهذه الظاهرة صلة بضآلة الاحداث المادية أيضا اذ أن البطل يعلم اكثر مما يعمل ويتكلم أكثر مما يفعل وبذلك غلبت حكاية الاقوال على حكاية الافعال  فى القصة .

الا ان الابطال في هذه القصص الثلاث يختلفون من حيث مدى اتصالهم  بالواقع التاريخي . وفي هذا الصدد تنفرد رسالة الغفران بأن البطل فيها هو  المرسل اليه منزلا في عالم خيالي . أى أن متقبل الرسالة هو ابن القارح بصفته  شخصا تاريخيا وبطلها هو ابن القارح بصفته شخصا خياليا يتحرك فى عالم غير تاريخي ) 6 ( أما في النصين الآخرين فان الامر يختلف لان البطل بعيد

تماما عن المرسل اليه ) وهو بالنسبة الينا نكرة ( غير اننا نلاحظ مع ذلك نزوعا جليا الى الالتصاق بالتاريخ على هذا النحو أو ذاك . ففي بداية حكاية أبي  القاسم البغدادى حرص الكاتب على أن يخلع على البطل رداء تاريخيا كما فى  قوله " كنت أعاشره . " أو كما يظهر ذلك خاصة فى جمع البطل بأشخاص  مشهورين في القرن الرابع الهجرى كابن الحجاج ) توفى 391 ( وأبى الحسن  بن سكرة ) ت 385 ( .

وفي حي بن يقظان يتجلى هذا المنزع فى افتتاح الكاتب قصته مسندا اياها   إلى السلف الصالح وهو بذلك يحاكى قوالب التعبير فى علوم الرواية والحديث  ) وصلة هذه العلوم بنشأة فن التاريخ عند العرب لا تخفى ( كما نجد فى هذه  القصة اصداء من أدب المسالك والممالك ) صورة الارض فى رسالة حى بن يقظان  مثلا ( مما قد يدعو الى التساؤل عن علاقة القصص العربي بهذا اللون من الادب وهو من التراث العربي الاسلامي ركن ركين ) 17 ( .

ومهما يكن من أمر فان البعد الادبي مهيمن على البطل دون غيره من الابعاد - بما فيها البعد النفسي - ونعني بذلك فصاحة البطل أى قدرته على التصرف  فى شتى الوان الكلام وهذا ما جعل الحديث فى الادب وقضاياه طاغيا على هذا النصوص حتى لكأن خلفية النص ليست هى الواقع الاجتماعى المعاش وانما هي  الرصيد الادبي واللغوى المختزن فى ذهن الكاتب .

ولعل في هذه الملاحظات ما يؤكد النتيجة المتقدمة فالقصة بمختلف مقوماتها  من هيكل عام واسلوب وبطل تبدو وليدة ضغط على الادب .

4 - الالغاز :

ولا تخلو قصة من هذه القصص الثلاث من عنصر الالغاز والغموض من ناحية او من اخرى . فرسالة الغفران أثارت الجدل ولا تزال حول مدلولها فى حد ذاتها  وحول دلالتها على تفكير أبى العلاء وعقيدته ورسالة حى بن يقظان حافلة فى

مقدمتها وخاتمتها وحتى في ثنايا القصة بعبارات الحذر والتستر ، أما حكاية  أو القاسم البغدادى فالغموض يكتنفها من عدة جهات . من جهه مؤلفها اولا   فهو نكرة لا يعرف له ذكر في كتب الادب مما قد يحمل على الظن ان اسمه  أبو المطهر الازدى " انما هو اسم مستعار لكاتب مشهور من كتاب القرن  الرابع الهجرى ) 18 ( آثر التستر لاسباب يفصح عنها النص نفسه ومن اهمها تشيع البطل الواضح لآل البيت والفحش الغالب على كلامه . ومما يزيد فى دعم  هذا الظن فيكشف عن وجه آخر من اوجه الالغاز فى النص أن فى حكاية ابى  القاسم البغدادي مقاطع مطولة كثيرة مطابقة تماما لما يوجد فى الامتاع والمؤانسة  لأبي حيان التوحيدى تارة ( ولبعض مقامات بديع الزمان الهدانى تارة  أخرى .

فالى أي مدى يمكن أن تساعدنا هذه المعطيات على استخلاص نتيجة ما عن طبيعة الشكل القصصى فى الادب العربى القديم ؟

انه لمن المفيد قبل الاجابة عن هذا السؤال أن نذكر ببضعة آثار قصصية  اخرى وبما حف بها أو بمؤلفيها من شبهات أو من ظواهر تدنو مما نحن بصدده . فكليلة ودمنة من أوائل النصوص القصصية فى اللسان العربى ومن أكثرها تأثيرا فيما جاء بعد من قصص ) 20 ( ومترجمه عبد الله بن المقفع قد طعن في عقيدته وشهر بزندقته فقتل شر قتلة فى منتصف القرن الثاني . واخوان الصفاء  ما اخوان الصفاء ! أولئك في التستر المثال وهم على ظروف التعبير فى المجتمع  العربى الاسلامي أفصح شهادة . فاعلم انهم قد أدلوا فى فن القصة بدلائهم

فكتبوا في رسائلهم " الانسان والحيوان أمام محكمة الجن " كما يمكن أن نذكر فى هذا السياق بالحركة الصوفية ودورها فى القصص لما بين التصوف القائم على مشاهدة الاحوال والقصص من علاقة ) 21 ( وموقف الايديلوجية المهيمنة في المجتمع العربى الاسلامي من التصوف والمتصوفة ما علمت ! فأي متصوف لم يشنع به ان لم يقتل أو يصلب ) 22 ( !

ان جميع هذه الملاحظات التى تخص الآثار الثلاثة المعنية أولا في مقالنا والتى نخص غيرها مما ذكرنا على سبيل التذكير لا الاستيفاء - أقول ان جميع هذه الملاحظات تحمل على الاستنتاج ان ظهور الشكل القصصى مرتبط أمتن الارتباط بظروف التعبير وحدوده فى المجتمع العربى الاسلامى وانه لا مناص من اعتبار هذا العامل في دراسة الشكل القصصى العربى حتى يمكن فهمه وادراك خصائصه

وبعبارة أخرى تبدو لنا القصة بصفة عامة بديلا خياليا عن عالم واقعي يقمع  الفكر ويصادر حرية التعبير

تلك هي جملة الملاحظات التى بدت لنا من خلال وصف هذه الآثار القصصية وتحليلها الشكلى ، ولا شك في أن القارئ قد لاحظ أن بعض الملاحظات ينطبق  على أثر دون آخر وأن بعضها الآخر منطبق عليها جميعا فى درجات متفاوتة  غير أن ذلك لا يمنع في نظرنا من استخلاص نتائج شاملة لكل الآثار بالاعتماد  على القدر الادنى المشترك من الخصائص . ولقد تبين لنا أن هذه النتائج يمكن  أن تبلور نهائيا فى فكرتين رئيسيتين

1 ان القصة العربية تبدو افرازا لحركة داخلية فى اشكال التعبير الادبى  السائدة

2 ( ان ظروف التعبير في المجتمع العربى الاسلامى هى من العوامل الخارجية الاساسية فى نشأة هذه الحركة ودفعها

ولعله من نافل القول ان نذكر بأن أحكامنا أبعد ما تكون عن الحسم وباننا  أبرأ من أن نزعم فصل المقال فى قضية الشكل القصصى  فى الادب العربى القديم . ذلك أن مثل هذا الامر لا يزال مشروعا ضخما هو فى نظرنا رهين  عمليتين لا معدى عنهما :

- معرفة التراث : نقولها مرة أخرى فنعود الى ما انطلقنا منه . ولسنا نعنى  بهذه المعرفة ذكر الآثار القصصية المغمورة والتعريف بتاريخها وبمؤلفيها فذلك  مما لا جدال في الحاجة اليه وانما نعنى  بهذه المعرفة وصف الاثار القصصية .  ما عرف منها وما لم يعرف - من أجل الظفر بجواب كاف شاف عن سؤالنا الاساسي : هل للشكل القصصى العربى خصوصية نوعية تميزه ؟

وأما العملية الثانية فهي تفسير ما يفضى اليه الوصف من نتائج . فمما لا شك فيه أن ظهور شكل ادبي معين فى زمان ومكان معينين ليس عملية  اعتباطية ، والا فقدت دراسة الاشكال الادبية تبريرها الاساسى وهو دلالة  الاشكال . ومعنى هذا أن نتائج الوصف مهما كانت قيمتها جليلة تظل فى حاجة  إلى التفسير وان الشكل مهما بدا متكاملا مخصوصا فهو لا بد خاضع لقوة  خارجية وعوامل أخر لعله لا يستمد حركته الذاتية الا منها ونقصد بذلك  العوامل والقوى المقيمة فى عالم الكاتب الذاتى والموضوعى معا . وبعبارة اخرى ان ملاحظات مثل التى لاحظنا وان استنتاجات كالتى أخرجنا قد تبين لنا كيف  نشأ الشكل القصصي العربى وكيف استولى دون أن تبين لماذا تم ذلك .

وهكذا ترى انه لابد من تجاوز النصوص الى عالم الكتاب وعالم التاريخ  لتفسير النصوص

اشترك في نشرتنا البريدية