الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

من خطباء القيروان :, الشيخ محمد شويشة

Share

منذ أربعة عشر شهرا فقدت منابر القيروان فارسها المغوار ، وخلت الساحات من خطيبها المفوه ، وسكت صوت دوى فى محافل القيروان طيلة ستين عاماً يحرك الراكد ، ويوقظ الراقد ، ويثير العزائم والهمم ، ويدفع مواكب الشباب إلى أعلى القمم .

مات الشيخ محمد شويشة فى شهر جويلية 1965 بعد أن صنع أجيال القيروان ، وتسنم تلامذته مقاعد العزة ، وعمروا مجالات القضاء والطب والاستاذية والإدارة ومدارج النيابة والاقتصاد والسياسة وبعد أن عاش ثمانين عاماً نذرها لله وللعلم وللوطن فسلام عليه يوم مات ويوم يبعث حيا .

ولقد عرف الشعب التونسي الشيخ محمد شويشة عام 1910 وهو في الخامسة والعشرين من عمره بين حنايا البهو الشرق من جامع الزيتونة المعمور بخطب فى زملائه الطلبة يرمى سلطات الحماية بالشرر ، وينذر بما تتهدد مستقبل تونس من خطر ، ويطالب بضرورة التحول السريع بالتعليم الزيتونى من الوضع الذى هو عليه الى مجاراة المناهج المتبعة فى عواصم الدنيا ، ويدعو الى الاضراب عن التعليم حتى تستجاب مطالب الزيتونيين ، وأتت تلك الحركة المباركة نتائجها الباهرة فأضيفت المواد الرياضية والفنون الحية الى برنامج التعليم الزيتوني على نطاق واسع وانسجمت هذه البرامج مع منهج التعليم الخلدوني واكتشف فيه المصلح المرحوم البشير صفر هذه الطاقة الخطابية الهائلة فرغب اليه أن يتولى التدريس بالمدرسة القرآنية المنوطة بادارة الشيخ محمد صفر آنذاك بعد أن أحرز على التطويع عام 1909 ، ولم يمض على التحاقه بالتعليم أمد طويل حتى تحول وفد من أعيان القيروان يرجونه أن يعود الى مسقط رأسه ويدير أول مدرسة قرآنية فتحت أبوابها بالقيرواوان عام 1912 أسوة بالمدارس التى فتحت فى حاضرة تونس وعاصمة الجنوب .

وما يزال أبناء فواتح هذا القرن يذكرون ذلك الشاب الاسمر اللون المتزن الحركات يقف مفتر الثغر ، مفتول السواعد ، جميل الطلعة ، طويل القامة ، مستدير الوجه ، واسع العينين ، خفيف العارضين ، عريض الكتفين ، يلهب الحماس ، ويدغدغ الاحساس ، ويخيف جبناء الشيوخ ، ويهاجم نظام الحماية

بعد ما توفر له من رسوخ . وقد اخترت أيها السادة أن أتحدث عن الخطابة في شخص علم من أعلامها وإمام من أيمتها وعن فن من فنون الادب وشعبة من شعب البيان ومن المؤسف أن يهمل الكثيرون الحديث عن الخطابة والخطباء وتاريخ القيروان من عقبه بن نافع الى روح بن حاتم - ومن ابن أبى الحواجب الى محمد شويشة حافل بذكر خطباء المنابر والساحات ، وقادة الجماهير فى المجامع وميادين القتال ، واذا كان الجانب الدينى من الخطابة شغل المؤرخين ونقل لنا الكثير الطيب من تراثهم الخالد فان الخطباء فى المحافل والمناسبات والاعياد وتحركات الجيوش خلد التاريخ أقوالهم وروتها عنهم الاجيال جيلاً بعد جيل .

والمجتمع القيروانى لم يهمل خطباءه عبر التاريخ أمثال أبى عبد الله بن زرقون المتوفى عام 278 ه . وأبى عمر هاشم بن مسرور التجيبى المتوفى عام 307 ه . ، وأبى جعفر أحمد بن خليل العسال المتوفى عام 308 ه . وأبى بكر محمد بن مسعود التميمي المتوفى عام 344 ه . ، وأبى الطيب عبد المنعم بن خلدون البلوى المتوفى عام 421 ه . ، وأبى عمر عثمان بن أبى بكر بن رشيق المتوفى فى نفس العام ، وأبى بكر عتيق ابن اسحاق التميمي القصرى المتوفى عام 431 ه . .

وخطباء جامع صبرة من الجد محمد بن اسحاق التميمي الى ولده وحفيده وابن الحفيد أبى جعفر المتوفى عام 470 فالمجمع وضعهم فى مستوى كبار العلماء والشعراء وقواد الجيوش .

ولا يغتفر لجيلنا أن ينصرف عن الاهتمام بالخطابة والخطباء فى عصر تشعبت الخطابة فيه فاصبحت سبيل الدفاع فى ساحة القضاء ، ووسيلة الاتهام أمام  الادعاء وطريقة المحاجة فى مجال السياسة ،وتوضيح البرامح في التنظيم الديموقراطى ، وعدة الاحزاب فى النضال الدعائى ، وأداة الاصلاح والتوعية فى المجتمع النامى ، وميدان التكريم فى المحافل ، وآية الرشد والهداية فى الدين والوعظ . وقد رأينا كيف انتصرت براعة المجاهد الاكبر الخطابية على عتاد الاستعمار وجنوده وشرطته واستطاع أن يكسب الى جانبه الشعب التونسى ، والانصار الكثيرين فى الشرق وفي الغرب بما يملكه من قوة التأثير والقدرة على الاقناع ، ولم تكن مقالات الصوت التونسي أو العمل كافية وحدها لارجاع شعب مستسلم الى الوثوق بنفسه ، وتسليح يده المشلولة لتضرب وترد الضربة بأوجع منها وانما كان تسعون فى المائة من مقومات النصر مردها الى الاتصال المباشر والخطابة الملهبة للحماس . ومن أجل ذلك حفل تاريخ الادب العربى بذكر الخطباء والخطب ونسج الادب الغربي على نفس المنوال . وكما تناقلت الكتب العربية أنباء على بن أبى طالب ، وقس بن ساعدة ، والاحنف بن قيس ، وزياد ابن أبيه وأبن الفجاءة ، ومنذر بن سعيد فى الرجال والخنساء ، وعكرشة بنت الاطرش خطيبة صفين ، وأم الخير بنت الحريش ،

والزرقاء بنت عدى ، وصفية بنت هشام الانقرية ، تناقلت كذلك الكتب الغربية أنباء ميرابو - وقمبطا - وجول فافر - ولاكوردير .

وقديماً ترجم كتاب " الخطابة " علما من أعلام الاسلام هما ابن سينا وابن رشد وألف فى الخطابة " الجاحظ " كتاب البيان والتبيين وقدامة كتاب(نقد النثر ) ومحمد بن شرف الاعلام ومحمد بن جعفر ( القزاز) فى رسالة البلاغة وجمعت خطب كثيرة من الخطباء بداية من ابن نباتة الفارقى الى الشيخ سالم بو حاجب ويمتد هذا الاهتمام ضاربا فى القدم الى العهد اليونانى - فقد تناولها سقراط - وأفلاطون وأرسطو .

والأول وضع حدود ترتيبها ، ورسم خطة هيكلها ، وبناها على التركيب والتحليل النفسي .

والثاني هو الذي إعتبرها معادلة للطريقة السياسية فى الاقناع وأشترط أن تكون نابعة عن خلق فاضل ، وسلوك طاهر والثالث دون قواعدها ووضع مناهجها .

وجاء الاسلام فكانت الخطابة سبيل الدعوة الى الاسلام (( آدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)) .

وهكذا أصبحت الخطابة ضرورة من ضرورات المجتمع فلا جرم أن أتحدث فى عرض خاطف عن علم من أعلام الخطابة فى تونس خلال الستين عاما الماضية وهو المرحوم الشيخ محمد سلمان العربى الاصيل الذى إصطدم بالاستعمار مئات المرات وتعرضت مدرسته القرآنية الى الغلق والملاحقة ولكن شعبه عرف كيف يحميه ويذود عنه فى كل إصطدام وفي كل معركة ولقد تخرج عليه من انجبت القيروان من أديب وخطيب وشاعر ونائر - وعالم ومثقف - ومن لم يستمع إليه فى المدرسة إستمع إليه فى الاعياد - وفى الحفلات وفي المآتم والافراح يخطب فى عقد النكاح ، ويخطب مؤبنا من يموت من أبناء الوطن ويخطب فى ختم القرآن ويخطب مرحباً بالقادمين ومودعاً للراحلين ويخطب فى الازمات وفى الاستسقاء ، ويخطب فى الاحداث القومية وفي كل ذلك يغترف من نبع لا ينضب معينه ويتدفع كالسيل الدافق ، لا يتزعزع ولا يرتج عليه ، ولا يصيبه الحصر ولا الاعياء ويتجنب التوعر فلم تكن الفاظه وكزة ولا جمله موغلة فى الايحاش والغرابة وهو صاحب الكلمة فى كل مجتمع عام أو خاص لا يزال لسانه ، ولا يكبو جواده ، يرصد جمله بالآيات البيئات تنزل فى مواقعها فلا نشوز ولا استغراب وبالاحاديث النبوية وأشعار العرب .

اذكر أنا كنا فى عام 1922 بزاوية القادرية بالغسالة فى الاحتفال الذى أقامه الشيخ خليفة النجار لعرض نتائج مكتبه الليل على العموم ، وكان من ضيوف الحفلة الشيخ الطيب بنعيسي صاحب جريدة ( الوزير ) وبعد أن ألقى

الضيف كلمة مجد فيها النتائج التى رآها عزم الشيخ شويشة على الانصراف الضيف كلمة شكر مجد فيها النتائج التى رآها عزم الشيخ شويشة على الانصراف الضيف - وصاحب الاحتفال الشيخ النجار ورأينا الشيخ شويشة وقف حيث انتهى به السير قريباً من باب الخروج وبدا يخطب فاذا هو كالتيار تتزاخر أمواجه يتحدث عن همة المسلمين فى طلب العلم ونشره ، وما سجلته القيروان فى ذلك المضمار ومضت ساعة ونصف ساعة والشيخ يعب عبابه وتهدر شقاشق ارتجاله ويملك ألباب الجماهير وينتزع اهتمامها ، ويتصرف في اعنتها لا تزل به قدم ، ولا يكبو له لسان ، ولا يخرج من فكرة الا ليدخل في فكرة أشد عمقا وأقوم وأتذكر أني على صغرى حفظت له هذه الاسجاع العفوية. " ركبوا متون الاسفار ، وفارقوا الاهل والدار ، وقطعوا الفيافى والقفار ، ناشرين الوية الفخار ، رهبان بالليل وفرسان بالنهار ، بأيمانهم السيف والراية ، وفى لهواتهم السورة والآية ، ينشرون الرشد والهداية " .

ولم يتفق أن أعاد الشيخ شويشة فى محفل بعض ما كان قاله فى محفل  مماثل مهما توحدت الاسباب وتجددت المناسبات فهو يقتطع الفاظه ومعانيه من منجم ثرى لا تنقطع معارفه ولا يشح بعطاء ولم تؤثر شعبيته العارمة وتألفه لكل مواطن مهما كان مستواه وقبوله لانواع الملاطفات والمفاكهات لم يؤثر ذلك على ماله من جلال فى مواقف الخطابة فاذا شاء أبكى واذا شاء أضحك واذا شاء وعظ واذا شاء حمس حتى لكأنه أبو زيد السروجى فى المقامة الوعظبة ، وقد أحاطت به الزمر ، احاطة الهالة بالقمر ، والاكمام بالثمر حضرت إليه فى صلاة المغرب بمسجد أبى الربيع القطان قرب السوق الجديدة بدريبة أبى رقعة وما أن انتهت الصلاة حتى رجوت اليه أن يلقى فينا موعظة الغروب استفتح بآيات من الذكر الحكيم فاذا نحن بين يدى الحسن البصرى أو وأصل بن عطاء أو جبلة بن حمود أو أبى عثمان سعيد ابن محمد الحداد وهو بين الآية والحديث القدسي يرتفع في صياغة مواعظه الى ما يقرب من مستوى الآيات والاحاديث ايجازا واعجازا فبكي وبكينا وخشع وخشعنا ولم يسكته الا غلبة الاستغراق والتأثر .

ان الشيخ محمد شويشة كان يعتز بمكانته الخطابية حتى لا يرضى أن يكون شاعرا كبيرا أو كاتبا تحريرا فهو يقول : " الخطابة كل ذلك " وهو فى هذا الاعتزاز يجرى على سنن توارثته مدينة القيروان من أقدم عصورها وفي الخلاف الذى ثار بين سليمان بن عمران قاضى القيروان وخليفة سحنون ومحمد بن سحنون العالم الرئيس والسرى النبي اتجه كل واحد منهما الى الرغبة قبل كل شئ فى كسب خطيب جامع القيروان الى جانبه ليكتسب بذلك النصر المحقق على خصمه ، ويوم فوجئ سليمان بن عمران بعبد الله بن طالب يصعد المنبر عوض ابن أبى الحواجب ويقول الحمد لله الذى ما شاء رفع ، وما شاء وضع ، وما شاء أعطى وما شاء منع والحمد لله الذى على عرشه إستوى ، وعلى ملكه إحتوى ، وهو فى الآخرة يرى علم أن محمد بن سحنون انتصر عليه ولا

سبيل لمصاولته بعد ذلك اليوم بعد أن أقام خطيبا جديدا من اتباعه على منبر جامع القيروان .

ولئن مات الشيخ محمد شويشة فان موقفه الخطابى فى الاعين ونبراته الهادئة القومية فى الاذان وتأثيره السحرى فى القلوب ما يزال حيا ولن تزال لوحاته موسومة فى الساحات والمساجد الجامعة والمهرجانات وأيام الاعياد وما أقل خطباء الارتجال الممتازين باللسان العربى المبين فى البلدان العربية وفي هذا القرن الرابع عشر وما أكبر الفراغ الذى تركه خطيب القيروان المفوه وقسها الصداح رحمه الله رحمة واسعة وبارك في أنفاس خلفه أخينا الشيخ الشاذلى عطاء الله ومنحه العافية الدائمة وختاما أرفع على كاهل الاعتزاز والفخر لكتابة الدولة للشؤون الثقافية والاخبار ولابن القيروان البار الاخ المنجى الفقيه ولاخوانى أعضاء اللجنة الثقافية بالقيروان شواهد الامتنان والشكر لما أحيوا فى عاصمة المعزين من أمسيات أدبية ولما أقاموا من أسواق تعتبر امتدادا لمجالس ابن أبى الرجال ، وابن رشيق ، ومنتديات على بن حميد وتميم بن المعز والظن كبير فى أن تنتظم حولياتها فتحيى ما درس ، وتنطق ما صمت وخرس ويشهدها أدباء العرب من كل جزء فى الوطن العربي الكبير من الخليج الى المحيط ، والأمر لله من قبل ومن بعد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

اشترك في نشرتنا البريدية