الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "المنهل"

من ذكاء الرجال

Share

تحدث الاستاذ عثمان الصالح فى عدد جمادى الاولى عام ٨٩ ه من هذه المجلة . . وفى بابه ( ملاحظات غير عابرة ) . . عن ذكاء بعض الرجال الذين سلفوا . . والواقع ان تسجيل مثل هذه الامثال والطرف التى اشتهرت . . وجرت حقيقة من رجال سلفوا يمثلون مختلف الفئات . . ويتمتعون بمختلف المقدرات . . فبعض له فى العلم باع ، وبعض مفطور على الذكاء والدهاء فى الحيلة والفراسة .

والواقع ان مثل هذه اللمحات اليسيرة . . التى يتناقلها المجتمع ، من المستحسن تسجيلها فضلا عن انها دليل على مستوى الحياة الفكرية . . والحضارية فى ذلك العصر . ففيها العبرة والعظة . . وفيها الحكمة والذكاء والفطنة . . وجماع ذلك درس مفيد بالنسبة للقارئ المجد . . واثر يشرف بتسجيله الكاتب الفطن عن ذلك الجيل . . او لهذا الجيل . ولو تيسر مثل ذلك مؤلفينا القدامى الذين اتحفونا بالكثير من هذا النمط .. لبادروا اليه ، واستعجلوه رصيدا وتسجيلا .

والاستاذ الصالح أحسن صنعا بهذا العمل النبيل ، وتجاوبا مع طلب الاستاذ فى الملاحظة رقم ( ٢١٠ )التى عرض فيها لذكاء قنى . . اذ قال : ( وهناك شخص اخر مشهور

بالذكاء الحاد ، والفراسة العجيبة التى تصل احيانا الى انها تكون مذهلة . . وهذا الشخص يسمى ( قنى ) بضم القاف وفتح النون - احد الآمرين بالمعروف ف بريدة منذ ( ٣٠ ) عاما وليت احد اخواننا فى بريدة يعطينا بعض المعلومات عنه . . وعددا من القصص الغريبة ). . تجاوبا مع هذا الطلب عرض عن ذلك الشخص ما استطعت معرفته من بعض معاصر به .

ترجمته :

- اسمه : عبدالكريم العثمان العبيد السموحى ويقلب (قنى ) .

- ولادته : في بريدة عام ١٢٧١ ه - توفى : عام ١٣٦١ ه - ظل فى الحسبة ما بين عام ١٢٩٧ ه الى عام ١٣٥٦ ه تقريبا ، وكانت خدمته خلال فترتين .

عاش رحمه الله فى فترة كانت أمور الناس المادية فيها ضيقة ، وأسباب المعيشة محدودة مما يضطر مكتسب المعيشة للسفر الى الشام او الى بلد آخر يظن فيه تحصيل مهنة . . يكتسب منها رزقا . . فاذا جمع ما تيسر له يعود الى بلده - او كما يقول منهم العامى(( يطلع لنجد)) . أى يعود الى وطنه .

وفى ذلك الوقت كان " قني " يمثل فى بريدة رجل الحسبة الوحيد . . ويتمتع بمكانة طيبة فى نفوس الاهالى واولى الامر فى البند . . لما اتصف به من حكمة وعدل واخلاص . . ونية صادقة . ولهذا كان لكلمته وحكمه فى الشخص أكبر الاثر فباشارة منه يؤنب ذلك الشخص . . أوينذر بالسجن أو العقاب الصارم . كما كان موفقا فى استكشافاته لبعض الجرائم . . وله شهرة جيدة فى هذا المجال . . حتى ان بعض

الناس عندما يسمع عن نجاح تحقيقاته النادرة يظن انه يستخدم . . هذا وكانت له معرفة قوية بالقيافة .

أمثلة من ذكائه:

المثال الاول :

لقد كان ذكيا فى اكتشاف الجرائم . . وموفقا فى معرفة الاماكن والحالات الى يمكن ان تتم فيها الجريمة . . وخاصة السرقة . . والحالات الخلقية . فقد اشتكى اليه شخص ما ، سرقة نقوده ، وهو قادم الى بريدة ومعه شخصان آخران ، وكان صاحب المال لا يشك فيهما . . ويطلبهما على كل ما لديه ، ولكنه عندما بقى على وصوله مرحلة فقد نقوده . . ولم يستطع ان يكاشف صاحبيه بهذا . . لعدم توقعه السرقة منهما مع انه متأكد من عدم فقدها ضياعا وصمم على عدم افشاء هذا الامر . . وحمد الله وشكره على هذه النقيصة وسأله العوض الكريم . . الا ان صاحبه المقيم ببريدة لما عرف منه ذلك طلب اليه وألح عليه ان يشرح وضعه لرئيس الحسبة ببريدة ( قنى) لعله يستفيد من مهارته أو يرشده الى حل يستطيع به استرداد نقوده . . ولم يقبل صاحب النقود المفقودة هذه النصيحة . . واجاب صاحبه الناصح بان (( قني )) لا يستطيع ذلك اذ لم يصحبهم فى الرحلة .

وبالحاح كبير ذهب الرجل الى قنى وسلم عليه . . ولعله لاول مرة يصافحه . . أو يتعرف اليه واخبره بذلك . . وقد استفهم قنى من الرجل جيدا ، عن الاماكن التى مروا بها ، وعن المدة التى قضاها فى السفر ، وعدد النقود (( الذهبية )) وعن حالات صاحبيه الاجتماعية . . والخلقية . . وعن اصلهما، عرف قنى هذا جيدا . . ولم يجب صاحب

المال المفقود الا انه دعا الله أن يخلف عليه .. ووعده بالمحاولة ان تمكن والا فهذا أمر مستحيل.

حاول قنى اكتشاف هذه السرقة .. تقابل احد الرجلين الذي يظن فيه هذا العمل . . وسلم عليه ، واستغرب ذلك السلام الذى لم يعتده منه ، وأخذ يسأله - محققا- للاماكن والمياه التى مروا بها فى رحلتهم ، وعن بعض الحالات والظروف مما جعل الرجل يتضايق ويشعر منه بخيفة ، ويجيبه بانه رجل حسبة ما له وللطرق والاماكن التى يمر بها المسافر من الشام الى نجد . . وبعدما                                                                                           أثقل عليه بالسؤالات وقد بدا له أمل فى تحقيق هذه السرقة ، قال له مودعا ومؤكدا بانه يأمل ان يواجهه بعد الغروب عند باب دكانه - اى دكان قنى - كما طلب اليه ان يحضر معه زميله الآخر وذلك لامر يهمهما جميعا . . وقد اجابه الرجل بانهما سيحضران بحكم مكانة قنى من البلد . . وفى الوقت المحدد حضرا . . وقد بقى قنى داخل الدكان وقفل الباب عليه ، وبقى الرجلان على رصيف او عتبة الباب ، فى انتظار مجيئه ، دون علم انه داخل الدكان . . وفى مدة الانتظار أفاض الرجلان فى الحديث ، حول هذا الامر المهم ، وانتكهن فى موضوعه .

وفى الاثناء يؤكد كل واحد منهما على الآخر ان لا يقر بالذهب المسروق من صاحبهما . . وذلك على احتمال ان يكون لامر المهم لاستحضارهما هو هذا . . وقد اعتراهما الخوف من ذكاء قنى . ويكاد المريب يقول خدونى ! وفى اثناء هذه التأكيدات فتح الباب نجأة . . وخرج عليهما وطلب منهما احضار الذهب بموجب اقرارهما على أن لا يخبر

أحدا بذلك . . وحيال هذا الاعتراف الذي تم بطريقة تسجيلية غريبة . . اعترفا واعادا اليه نقود صاحبهما . . فأعادها الى صاحبها بعدما أنب الرجلين ودعاهما الى ترك من هذا العمل الردئ .

المثال الثانى:

استعمل فيه قنى طريقةاكتشاف غير الطريقة السابقة . . وهذه الحالة تتتخصص بأن رجلا قدم من الكويت بعدما أمضى فيها مدة يعمل . . وبالطبع عاد ومعه نقود . . وبعد فترة قصيرة جدا افتقد نقوده . وشك فى شخص . . ولم يستطع ان يكاشفه بالامر ، فذهب الى قنى يستشيره . ويطلب منه العون على حل مشكلته ، وكانت البلدة كما قلنا سابقا متقاربة الاطرف . ويعرف بعض رجالها بعضا والحال على العموم متوسطة وكان أغلى شئ هو اللحم فى ذلك الوقت .. فكان الفرد يرتب وضعه على جعل ادامه من اللحم بالاسبوع مرة او مرتين . . والبعض الآخر تطول مدته . . ولهذا اخذ قنى من تلك السوق التى أعدت لبيع اللحوم مكانا يرقب فيه ذلك الشخص وهو يعرف حالته لمادية وضعفها . . فمح منه كثرة اشترائه للحم يوميا . . ومن النوع الثمين . . ولما استلفت انتباهه لحق به مرة وهو يحمل ادامه . . وطلب منه فورا ان يسلمه نقود فلان . وتعهد له بان لا يخبر احدا بذلك . . وظل معه حتى اعترف بالنقود واشترط فى اعترافه ان لا يطلب منه ما ذهب عنها لعدم مقدرته على تسديده . . وهكذا تحصل عليها قنى رحمه الله بذكائه الحاد من طريق تتبعه ودراسته لتغير وضع الرجل المالى.

(بريدة)

(صالح السليمان الوشمى)

اشترك في نشرتنا البريدية