مات اسعاف النشاشيبى .. ذلك الاديب العربى الكبير ؛ والراوية الضليع ، المحدث اللبق ، واللغوى المجيد .. اجل ماتت (( عبقرية ومات (( نبوغ )) بموت هذ الاديب العبقرى النابغ .. كان رحمه الله آية من آيات البعث والاحياء ، كان يرمى من وراء ما يكتب الى سمو العرب ، ونهضة الاسلام ، بسمو (( لسان العرب )) وأدب العرب .. كان شعلة متقدة من اصلاح .. كان شمعة تحترق لتضيء لغيرها الطريق .. كان كالزهرة العبقة .. وكالبدر الساطع فى الآفاق ..
ولقد اراد الله ان احظى بالاجتماع به فى مصر ، فكان اجتماعا ادبيا حافلا .. وكانت ذكرى من تلك الذكريات الجميلة التى تتفتح بذكراها النفوس المغلقة .
فى صبيحة يوم من ايام جمادي الاولى ١٣٦٥ ه ذهبت الى (( دار المعارف )) بالفجالة بمصر لازور الصديق النبيل الاستاذ عادل الغضبان رئيس تحرير مجلة ( الكتاب ) الغراء . وجلست فى غرفة الانتظار الرحيبة ؛ واذا برجلين يتصدران المكان ، يتحدثان حديثا أدبيا وحديثا لغويا ، فحييتهما (( من بعيد )) فردا التحية باحسن منها ، واستمرا فى حديثهما لم يقطعه الا رد التحية الملقاة عليهما من هذا الطارىء الغريب .. كان احدهما متكلما اكثر منه مستمعا ، وهو الرجل الابيض اللون المشرب بصفرة القصير المحدودب القامة بعض الشئ ؛ المستعرض الوجه بعض الشئ الواسع العينين ؛ والقوى النبرات والبشوش الجبين فى قوة وصلابة تحف بهما روح رفافة من ( النكت ) الظريفة و ( النقل ) الادبية العربية المحببة إلى النفوس .. أما الآخر فكان بدينا غير طويل وكان ضاربا الى السمرة ،
وكان من كبار رجال دار (( الكتب المصرية )) واستهوانى حديث الرجلين وثبت الفراسة فيهما ، وبعد لأي وامعان ألقي فى روعى ، نتيجة لما سمعت ولما قارنت من حديث أولهما بما قرأت عنه وبما قرأت من أدبه ومن نقله ، انه ( الاستاذ الجليل اسعاف النشاشيبى ) فقاطعت حديثه وقلت : انى سعيد اليوم باجتماعى مع أديب العربية الكبير الاستاذ محمد اسعاف النشاشيبى بك .. فدهش الرجل دهشة بالغة لمعت بها اساريره وقام يصافحنى والقى من فمه المنطيق جملة ضخمة من جملة تحمل علامة الاستفهام والتعجب معا . انه قال : هل انت يا هذا تعلم الغيب ؟ ام ماذا ؟ كيف عرفت انى فلان وما رأيتنى قط وما رأيتك كذلك قبل الآن ؟ هذا عجب من العجب
فقلت : لاعجب . قال : بل أعجب العجب !.. أوضح لى ، أوضح لى الأمر! قلت : ان الأمر واضح ليس فيه استغلاق . سمعت حديثك العربى بالرصين زاخرا بالعذوبة والفصاحة الممتازة وحاملا روح نقلك الادبية اللطيفة ، وقارنت كل هذه (( الباقة )) النضرة بما طالعته من كتاباتك فى الصحف والكتب عامة ، وبما قرأته من (( نقلك الشهية فى مجلة ( الرسالة ) خاصة فحكمت بطريقة المقارنة والإستنتاج انك أنت أنت !!
وما كدت أكمل هذه الحملة حتى نهض الاستاذ في نشاط الشباب إلى غرفة الاستاذ عادل الغضبان وجدته بهذا الحرب الذي رأي اليوم ثم عرفني به الاستاذ الغضبان اسما "القرضان" ان على وكان حديث أدبي لا في شيء كثير من اعلام (السياسة) ورجال العلم والأدب من شباب وكهول وشيب ممن قرأنا لهم في عهود الضباء وعرفناهم باثارهم فلم نعرفهم باشخاصهم وممن قرأ لهم
بعد ذلك ، وامتلأ المجلس على رحبه بهؤلاء الاعلام وانطلق صوت الاستاذ الاجش القوى يتحدث اليهم فى افانين من القول وابتدؤا يتحدثون اليه وإلى بعضهم فى شتى الشؤون والشجون ، مما يتعلق بالعرب والاسلام وتاريخ العرب وتاريخ الاسلام ماضيا وحاضرا ومستقبلا ، فكانت ليلة (عكاظية) رائعة ، وتناول الحديث فيما تناول ماضى هذه البلاد اللامع وما يرجى لها من مستقبل باهر ؛ والاستاذ يجيل عنان الحديث فى هذا الموضوع إجالة الصديق الخير فقد كان من المغرمين بجزيرة العرب وأهلها ، وكان اعجابه بها وبهم لا يكاد يقف عند أحد ، إنه يندفع كالأتي حينما يرد لهما ذكر ، فساعة يتلهف وتارة يتأفف واخرى يبش وتشع قسمات جبينه بالغبطة والحبور ، وهو فى كل ذلك لا يريم عن الحديث عن (( البلاد التى انبتت سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وانبتت اعلام الصحابة ممن استنارت بهم الدنيا بعدا اظلام )) وما يكاد يفرغ من حديث من هذه الاحاديث المتشابكة الاطراف حتى ينثنى الى (( الموضوع الخاص )) .. موضوع معرفتى له على غير سابق معرفة ، فيحلله تحليلا منطقيا فيسنده الى ذكاء أهل هذه البلاد واستعدادهم لكل تقدم وكان كثير من أولئك السادة بعد ذلك اصدقاء أعزة اشتركوا فى (( المنهل )) حسا ومعنى ، واحبوه حبا جما .. وكان فى طليعتهم حضرة صاحب المعالى محمد حلمى عيسى باشا وزير المعارف المصرية الاسبق ، ذلك الرجل الممتاز الذى ملئ علما وعملا واسلاما وتواضعا .. وانفض عقد المجتمع الكريم فى وقت متأخر من الليل ، واستأذنت فى المستأذنين فما قبل منى الاستاذ الا بعد الحاح وبيان أعذار ... وانصرفت من عنده وكلى تقدير واكبار لهذه الشخصية الفذة ، وكلى بهجة وحبور بهذه الفرصة السعيدة التى أتاحت لى التعرف بعلامة الجيل ، والاديب اللغوى الممتاز .. رحمه الله .. رحمه الله .. وعوض الأدب والعرب عن هذه الخسارة الفادحة التى منوا بها فهزت منهم نياط القلوب .

