الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5 الرجوع إلى "الفكر"

من ذكريات بغداد، الشهيد ثامر ، وقصيدة للبياتي

Share

فى شهر ديسمبر من عام 1948 انعقد مؤتمر لليونسكو فى بيروت ، فوفد عليها كل من الفقيد المرحوم الدكتور الحبيب ثامر ، والآستاذ يوسف الرويسي ، حيث قدما لأعضاء المؤتمر مذكرة عن حالة التعليم والثقافة بتونس والجزائر ومراكش في ظل الحكم الفرنسي . ومن بيروت قصد ثامر إلى دمشق حيث كان يقيم الاستاذ يوسف الرويسي مديرا لمكتب المغرب العربي بها

أول بعثة طلابية

ومن دمشق وفد كلاهما على بغداد في زيارة اخبارية قصيرة ، يطلعان فيها الرأي العام بالعراق على حقيقة كفاح شعوب المغرب العربى ، ويتفقدان - فى الوقت نفسه - أحوال الطلبة المغاربة الذين كان عددهم يومئذ ثمانية ، بينهم ثلاثة من تونس ، وواحد من الجزائر ، وأربعة من المغرب الأقصى ، وكنت احد الثلاثة التونسيين فى أول بعثة علمية مغربية إلى بغداد بواسطة مكتب المغرب العربى في القاهرة .

وفي بغداد - آوائل شهر جانفى 1949 - زارنا الشهيد المرحوم ثامر والاستاذ الرويسي واطلعا على أحوال كافة الطلاب المغارية الموزعين بين الكلية العسكرية ) سبعة ( وكلية دار المعلمين العالية ) واحد (

تكريما للوفد

ورغم أن اقامة الوفد التونسي في بغداد كانت - سلفا - محدودة ، فقد سعيت - شخصيا - لان يقيم طلبة دار المعلمين العالية حفلة شاي على شرفه تلقي فيها الخطب والقصائد تكريما للوفد من ناحية ، وتأييدا لكفاح المغرب العربي من ناحية ثانية ، وتعريفا بحقائق الوضع فيه من ناحية ثالثة

قصيدة للبياتي

وفعلا تقررت الحفلة ، واستعد لها الطلبة وتمت جميع الترتيبات لاقامتها ، ومنها خطب وكلمات عديدة من الطلبة وبعض الأساتذة ، وعلى الأخص قصيدة رائعة أعدها الشاعر العراقي الكبير عبد الوهاب البياتى الذى كان - يومئذ - طالبا في السن الثالثة من دار المعلمين العالية

وكان اعداده للقصيدة باقتراح مني ، كما سلمها لى - فيما بعد - مسودة لم تبيض ، بما عليها من تشطيب وتعديلات واصلاحات فهي - بذلك - وثيقة ذات قيمة وطنية وأدبية وتاريخية خاصة ، فضلا عن علاقتها بتونس شعبا وكفاحا ، وترحيبها بالفقيد ثامر ورفيقه الرويسي باسم شعب العراق وشبابه المثقف وعروبته المكافحة .

وكان مقررا ان تلقى القصيدة فى الحفل المذكور ، ولكن

حكومة ) نور السعيد ( تدخلت في آخر لحظة فأمرت بالغاء الحفلة قبل ساعات قليلة من افتتاحها وطلبت من المناضلين ثامر والرويسي أن يبارحا أرض العراق خلال أربع وعشرين ساعة ، وكان هذا التصرف وحده كافيا لاقناع ثامر بأن عليه أن يبارح بغداد طوعا قبل أن يبارحها كرها ، ما دامت سلطاتها لا ترغب في نشاطه السياسي الذي لا علاقة له اطلاقا بشؤونها الداخلية ولا حتى بميولها السياسية وعلاقاتها الخارجية

ولم يلبث ثامر - بعد هذه الحادثة التى تأثر منها غاية التأثر ، وقدم هو ورفيقه الاحتجاج الشديد عليها لكل من تمكنا من مقابلته من المسؤولين - لم يلبث سوى يوم واحد ثم ترك بغداد عائدا إلى القاهرة

كيف عرفت ثامر ؟

وترجع ذكرياتي الخاصة عن ثامر ومعرفتى الأولى به إلى منتصف عام 1948 حين قصدت الشرق ضمن مجموعة من شباب الجنوب التونسي متطوعين فى حرب تحرير فلسطين فتعرفت إليه فى القاهرة ، وكان يومها مديرا لمكتب المغرب العربى بها

كما تعرفت في نفس اليوم والمكان - ولأول مرة أيضا - على المجاهد الأكبر الرئيس الحبيب بورقيبة ، وما زلت أحتفظ للان - بين كنانيشي التاريخية - بكلمات تذكارية بخطهما تتضمن انطباعاتهما عنى وتمنياتهما لي

ولما استقر بى الحال في بغداد تكونت بيني وبين الفقيد ثامر صلة أخرى عن طريق المراسلة ، كان هدفها الأول والآخير خدمة

القضية التونسية خاصة والمغربية بوجه عام ، وما زلت أحتفظ بمجموعة رسائله كأعز تذكار لعهد من عهود كفاحنا الوطني المجيد . وآخر رسالة وصلتني منه قبل استشهاده في حادثة الطائرة المشؤومة ، كانت بتاريخ 1949/11/6

استشهاد ثامر

وقد كان لاستشهاده المريع يوم 1949/12/13 صدمة عنيفة فى نفسي ، إذ فقدت فيه ، فضلا عن المناضل الشجاع والصديق الوفي ، المواطن المثالي والانسان الذي يؤثر آخراه على نفسه ولو كانت به خصاصة

وقد عبرت يومها عن لوعتى فيه وأساى لفقده برسالة أليمة بعثت بها للاستاذ المرحوم المنجى سليم ، الذى رأى فائدة فى نشرها ، فأدرجت فى جريدة " الحرية " تحت عنوان " رسالة طالب ببغداد "

إن جوانب البحث والقول في ثامر كثيرة متعددة ولكنى قصدت فقط ذكر جانب معين من نشاط الفقيد فى بغداد حيث زارها للمرة الأولى والأخيرة ، وحيث كان لهذه الزيارة آثارا آدبية ونفسية وسياسية ، أوجزت القول فيها جميعا ، بما يعطي القراء صورة عن نضال الفقيد وصداه في الشرق ، وخاصة فى بغداد

وسأكتفي هنا - إلى جانب ما ذكرته - بتقديم النص الكامل لقصيدة البياتى كما كتبها بخطه فى مطلع سنة 1949، استعدادا لالقائها فى حفل التكريم المشار إليه

حول القصيدة والشاعر

ولا شك أن هذه القصيدة ستثير ضجة حول البياتي لأنها : أولا : ذات أسلوب قديم ، فهي من شعر العمود ، موحدة القافية تشارف الثلاثين بيتا ، وقد هجر البياتي هذا النمط الشعرى ، ولم يعد يلتفت إليه ، بل أصبح من محاربيه الألداء ، وهو يحاول ليس فقط تزعم حركة الشعر الحر ، بل ادعاء الزيادة فيه ، ومما ساعده على هذا أنه صمد فى الميدان ، في حين اختفى السياب بسبب الوفاة ، واختفت نازك بسبب ميلها إلى الاحتجاب والانطواء

والذين لا يعرفون البياتى فى شبابه ، سيندهشون من هذا القصيد إذ هم لا يعلمون أن البياتي كان شاعرا تقليديا إلى سنة 1950 على الأقل ، وإنه طبع في هذا العام بالذات ديوانا كاملا من هذا الشعر تحت اسم " ملائكة وشياطين .

ثانيا : لأنها تطفح بمشاعر العروبة والحماسة للقومية العربية ، والتغنى بوحدة العرب فى نضالهم ضد الاستعمار وفي طموحهم للتقدم وفي تطلعهم إلى المصير المشترك

والذين يعرفون تاريخ البياتي الأدبي وكذلك السياسي المتأخر ، وما طرأ عليه من اتجاه لفظي متطرف نحو اليسار الماركسي ، وما كسبه ذلك من شهرة عالمية بفضل دعاية الرفاق في كل الأقطار الذين لا يعرفون من البياتى إلا يساريته المتأخرة ؛ سيستغربون هذا الاتجاه اليعربى  الذي كان عقيدة راسخة لا فى تفكير البياتى فحسب ، بل في مواقفه وأشعاره أيضا ) 1 ) وذلك حتى مطلع الخمسينات

رحلات البياتي العقائدية

ولا أحب هنا أن أشير إلى رحلات البياتي المتجددة بين الأيديولوجيات المتعددة ) 2 ( ، ففي هذه القصيدة وحدها ما يغني عن كل تفصيل

ولا أريد كذلك أن أتعرض أو أشير إلى حقيقة الاتجاه العقائدى  عند البياتى ، وعن الدوافع الخفية التى جعلته دائم التنقل كثير الترحال والمحطات بين ايديولوجيات القاهرة وبغداد وموسكو وباريس . ( إذ إن الذى يعنينا هنا هو ان شعور البياتى

كان في سنة 1949 شعورا قوميا عربيا ، وإنه بدافع من هذا الشعور قد نظم هذه القصيدة الفريدة الممتازة ترحيبا بقائدين من قواد النضال التحريرى فى تونس أيام جهادها فى سبيل الاستقلال والسيادة الوطنية ، هما المرحوم الدكتور الحبيب ثامر والأستاذ يوسف الرويسي عضو مجلس الأمة الآن .

فهذه القصيدة وثيقة هامة عن نضال ثامر وعن فترة هامة من حياته

رسائل ثامر

وتأكيدا لذلك أضيف إليها نموذجا مكتوبا من رسالة للفقيد ثامر فيما يلى ، ونسخة مصورة من آخر رسالة وصلتني منه بخطه . وكلتاهما تظهر بوضوح خصائصه الوطنية ومزاياه الفكرية والانسانية

وأعتقد أن من أقوى وأقرب الدلالات على نفسه الخيرة وعلاقاته الجدية ، إنما هى رسائله . لا من حيث البلاغة والتعبير الفني ، وإنما من حيث الموضوعات والمشاغل الكفاحية التى لا تدور رسائله إلا حولها ولا تعالج غيرها .

ومع ذلك فإن أسلوبه التحريرى فيها ينم أيضا عن روحه الفياضة وطابعه الخاص . ولعل أبرز ما تتميز به رسائله هو أنها قصيرة النفس ذات عبارات مقتضبة وجمل قصيرة وكلمات محددة .

كتب لى رسالة بتاريخ 1949/3/23 بعد رجوعه من بغداد إلى القاهرة بمدة يقول فيها :

حضرة الأخ العزيز وصلتني رسالتك

الحقيقة أننى نسيت ما كلفتني به من شراء الكتب . ويا ليتك ذكرتني الموضوع في رسالة مجرد وصولي إلى القاهرة . وعلى كل حال ، آبادر بارسال الكتابين . وجهت لك نشرات المكتب كلها حسب الاتفاق لتوزعها على المكتبات والأندية

لم تصلنا أخبار من بقية الطلبة ، فارجو أن تبلغ إليهم سلامى ، وتطلب منهم أن لا يقطعوا المكاتبة

والسلام من أخيك : الحبيب ثامر " ذلك هو الفقيد ثامر فى بعض رسائله ، وفي بغداد . ولنا عودة إليه فى غيرهما من جوانب حياته ونضاله ومؤلفاته

رحم الله ثامر وأعلى مكانته فى الأرض وفي السماء بقدر ما ناضل فى صمت ، واستبسل دفاعا عن شعبه ، وضحى بالحياة الغالية رخيصة من أجل هذا الوطن "

اشترك في نشرتنا البريدية