الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

من رفعة أبى سعيد الى اسبانية العرب

Share

ضحك الربيع يومئذ فوق ربوة " أبى سعيد " وهاجت فى صدرى حملة شوق الى السفر . فحملنى عشية الى المقهى " العالى " اسما ومقاما ، خطو مختال عبر ديار بيضاء ، أبوابها مقوسة زرقاء نوافذها العتقية تتدلى كعناقيد من العنب مشرفة على شارع متعطف . . أحلنى السير المختال عتبة المقهى العالى . ضجة هائلة وقهقهة عالية .

قد تربع لاعبوا الاوراق على حصير فوق علوة فى يمين المقهى . غالبهم يضحك على مغلوبهم وأعين البعض الحاضرين الى اوراقهم المتطايرة . انهم لاعبو الاوراق ! تعرفهم جميع أهالى الربوة . يجتمعون أوائل الليل يتبادلون " الرى " و " الكوال " فى انتظار أوائل الفجر وهم أثناء اللعب يأتون فى السمر على أبدع ما سمعت الأذن من أساطير عجيبة وأحاديث طريفة وتعابير بليغة جميلة .

الربيع دفيء ولياليه ساحرة والربوة جلابة الانظار فى بهجتها حمالة الاشواق بسرها . أتانى الساقى . اسمه " العالي " . صنم يتحرك . صورة انسان منحنى الرأس يحضر هادئا متمهلا ثم يغيب كما حضر بعد ان يلقى مريد الشراب اسم المشروب فى أذنه الفسيحة الوعاء . سيمته الصمت فلم أعرف له قولا سوى " حفظك الله " أو " أغناك الرب " أو " دعنى مع عقلي " . . وقلت : " قهوة يا عالى ! " فانصرف صامتا باهت العينين كدت أشك فى طاقته على السمع .

بسطت الطرف من علو مكانى على خضرة فرشت ارضا بعيدة ، والشمس فى ساعة غروبها ، فراع العين مشهد جنان يحترق . والطريف فى الامر أن لم يكن للدخان أثر . فما أنقى الجو وما أصفى السماء بتونس . رجع " العالي " وفنجان قهوتى وديع كفه الرحيم . قصير نحيف مسن أصلع الرأس عاريه بخيل بحركاته كأنه بين الموت والحياة . وضع الفنجان أمامى وأخذ النقود من يدى ثم تمتم " أغناك الرب " ويده الى جيب قميصه

الرمادى الطويل . رأيت نعله يتحرك وهندامه عنى يغيب . لقد خدر " التكرورى " أعصابه . كان العالى من أولائك الذين ألفوا المجون منذ الصغر . فلقد نشأ فى مجتمع باع الوقت في احياء ذكرى أيام العرب فى الاندلس . مجتمع راعته بهجه تقهقر السلطان الاسلامى فى قاووق حضارة وشتها البساتين وعطرتها الخمور والحشائش المخدر تدخينها . ولم يعرف التاريخ ثم لن يعرف انهمارا ابهج من انهمار العرب في الاندلس . تلك حضارة صارت الى الدمار وأصوات أبدع الغانيات ترافقها الى الهاوية ، تتبعها الى المقبرة والاسلام فى تابوت من ذهب على عاتقى أجمل راقصة وأحسن غلام . اطلق الشاهد يا صاحبى ثم حدد معى الأذن ! هذه نغمة في أذني ! هذه ذخيرة فى ارثنا ! حدد الأذن ! أرجوك . هلا سمعت ؟

" الخلاعة تعجبني لأننى وليع "

" والملام لا ينفع فى من لا يطيع "

لعل " العالي " رجع صوت غانية من الزهراء أم طيف أتى من البندقية القديمة العتيقة ليسقينى قهوة . فما اسعدنى فى هذا المكان ! هوي بي التفكير الى الاحلام والاحلام أحلتنى الذهول فهمت وحدى فى اسبانية العرب وفق ما صورت قوافى ابن زيدون واشعار ابن سهل اليهودى -" رأيت ظبية . ويا لها من ظبية . ظبية : وأما بنعمة ربك فحدث . "

طرق هذا القول سمعي فأفقت من ذهولى فسألت بالعين عن صاحبه . فرأيت على مقربة منى شيخا نحيف الجسم طويل القامة قوى العظم لين النظر لطيفه أزرق العينين أبيض الرأس جميلا فى شيخوخته على ملامح هيئته ارث رخاء ورغد عيش وأصل أصيل كريم ركن فى حركاته الانيقة السلسه . و كان لباسه قليلا ، نظيفا عرفته حسب اللون والقماش رفيع المتجر وبقية أيام غنى . كان صحبة الشيخ رجل " سمين " مستبشر الوجه أحمره على رأسه شاشية . جبته الحريرية بائنة الجودة فى الصنع والاناقة فى اللبس رغم سمن الرجل . لونها احمر قان . وأخذ الشيخ والرجل يتحادثان والرجل يرتعد ضحكا ووجهه يتهلل طربا بما يرويه الشيخ .

- " وتبعت الظبية من نهج الى زقاق حتى طرقت بابا متقن الصنعة جميل الشكل . . " تركتهما والحديث عقد بينهما ورجعت للذهول من حيث لا أدرى .

عجبت لتعرض الشيخ على فى الخيال فى صورة ملك عائق يتعاطى من اللهو واللعب ما شاء ويصل ، حسب القول الجارى ، فى لذاته اليوم بالأمس وينام فلا يوقظه الا حر الشمس . . ثم أفلت من الخيال من باب خفي ولفظني الحلم الى الواقع فرجعت بالنظر الى الشيخ . وتفحصته بعين من أراد اشتراء حصان عربى كريم الاصل . يا للمشهد ! كان الشيخ عندئذ منفردا فلقد انصرف جليسه من دون ان أشعر . جماد راسخ على كرسى ، انطفأ نظر الشيخ . وهدأ الحراك عنده فتمددت تجاعيد وجهه وتسطرت الاعوام على جبهته وتدلى ذقنه وانفتح فمه وسال ريقة من شفته السفلى على جبته فكأنه جذع شجرة نحته الشتاء وبراه برياحه وامطاره على شكل رجل ثم حفر في أعلاه عينا تقاطر منها ماء مخزون . وسمعت صديقا ينادينى وقد رآنى فاراد الجلوس معي . فشعرت بما يشعر به الراجع من سفر . . .

اشترك في نشرتنا البريدية