وقائع حياة :
ولد الشاعر محمد بوشربية بمدينة القيروان ، مدينة الأمجاد الاسلامية العريقة سنة ألف وتسعمائة وثلاث ، فى عائلة مكافحة عامة تعتمد فى حياتها على ما يقوم به عائلها من صناعته اليدوية .
وكان لهذا الواقع العائلى الكادح الأثر الأكبر فى زرع بذور التشاؤم والنقمة والسخط فى نفس الشاعر ، لا لأن هذه العائلة كانت غير قادرة على مده بما يحتاج اليه ، ولا لأنه كان يأنف من الانتساب اليها لبساطتها ، وانما لأنه فشل فى حبه البكر بسببها ، وبسبب التقاليد التى كانت قد تآزرت معها .
والواقع أننا لا نلمس فى آثار الشاعر التى بين ايدينا ما يؤكد تأثير هذا الوجود العائلى فى نفسيته ، ولكننا نلمس ذلك فى بعض ما سجل من تاريخ حياته . وقد أورد الاستاذ زين العابدين السنوسى فى رواية له عن أحد سكان القيروان ما يؤكد على هذا المذهب الذى ذهبنا اليه اذ يقول :
" إن صاحبنا قد اصطدم فى فجر فتوته ، فانقلب الى الاهتمام والعبوسة ، والحادث لا يرجع الى حواء ، وانما يرجع الى أمها ... وهو حادث غرام من طرف واحد تحالف فيه ضد أديبنا : التقاليد والثروة والجمال ، فهو قد تعلق بأجمال صبية فى القيروان لعصره ، وكانت أمها ترى فيها أملها الوحيد لتستدرك بها
ما فاتها من نعيم وجاه وغنى . وهكذا لم تهتم الطفلة بحبه ، وسخرت منه الام الأيم ، فهو لم يكن فى جمال ابنتها ولا فى ثرائها ولا من طبقتها العائلية إذ كان أبو الطفلة من العلماء بينما صاحبنا كان من عائلة عمل وصناعة وليست الصناعة البدوية مثل التدبير العلمى فهى من الأعيان وهو من السوقة )) .
ان عقدة الشاعر حسب ما يفهم من هذا القول كانت منبثقة من الفارق بين وجود عائلته العامى ، وبين وجود عائلتها الثقافى ولعل فى ذلك ما يفسر لنا حرصه الشديد على التعلم ، وانكبابه المتواصل على النهل من منابع المعرفة . فملاحظته لهذا الفارق هى التى حركت دواعيه لأن يصبح فى مستوى عائلتها ثقافة وعلما ، ودفعته - بعد حصوله على الشهادة الابتدائية 1922 - الى الالتحاق بجامع الزيتونة الذى أحرز منه على الاجازة سنة 1928 .
وربما كان فى حلم الشاعر أن يحقق أمنيته فى حب فتاته بعد أن أصبح فى مستوى أبيها علما وثقافة ، ولكن يبدو أن سوء طالعه كان يترصده ، اذ أنه ما عاد اليها يطلبها حتى وجدها قد تزوجت وبذلك غار أمله واسودت الحياة فى عينيه ووجد اليأس والتشاؤم سبيلا الى قلبه ، وفى ذلك يقول الاستاذ السنوسى :
(( كان من أصحاب الهمم ، بحيث يكد ويشقى ، ولا يبالى بما يلقى فى سبيل الذى عمل اليه ... وبالفعل فقد أحرز العلم الذى كان أهلها منتسبين اليه ، متكبرين به عليه ولكنه كان قد فقد أمله الذى جرى اليه ، اذ تزوجت ولم يعد له أمل في أن يلقاها . .ولم يعد يرى من الحياة الا قفاها الأسود ومع ذلك فربما نعذره ، فهو قد قطع سلسلة تعلمه منذ تخرج بالشهادة الابتدائية فلم يلتحق بالمدارس الثانوية ، انما التحق بالجامع الأعظم فى العاصمة التونسية ، متغربا منقطعا جادا ، لكى يشاكل آباء صاحبته التى تكبرت عليه ... الا أنه وجدها لم تنتظره أبدا ، ولم تفكر فيما يعمله ، وما ضحى به، ففاتته الى غيره ممن كان ذا قدم راسخة فى البيوتات العلمية بآبائه ، وشكلياته وتقعره ولباسه )) .
وهكذا جرفت تيارات الحياة قلب الشاعر ، فاذا به يصطدم بصخور الخيبة وتقمصه مسوح التشاؤم ، واذا به ينصرف عن أمله الضائع الى الانغماس فى خضم الحياة العادية فيشغل خطة قيم بالجامع الأعظم ، ثم يباشر التدريس به الى أن كانت خاتمة حياته المفجعة بسبب انقلاب السيارة التى كانت تقله
مع بعض زملائه وكانت وفاته فى التاسع عشر من جويلية 1952 تغمده الله برحمته .
مأساة فى عناصر :
بكبت على الشباب وما تقضى له زمن ، ولا أنى اكتهلت
ولكنى صدمت به الرزايا وقارعت الزمان وما حجمت
ولم أرع لنضرته عهودا ولا أنى بما أملى وفيت
هذه هى جذور مأساة الشاعر بوشربية - كما صورها فى مقطوعة ( شبابى ) - تمتد عبر الخطوط الورائية لتتصل بحياته الاولى أيام شبابه حيث كان فشله فى الحب .
وتلك هي النفس الصامدة القوية التى لم تعبأ بقسوة المصاعب والرزايا فأخذت تقارعها وتصارعها دون إحجام .
اننا حينما نقرأ هذه الأبيات يخيل الينا وكأن الشاعر قد أراد أن يشير الى محنته برفض اليد التى تقدم بها الى حبيبته وعلى انكبابه على تحصيل العلم رغم الارهاق والغربة حتى يكون فى مستوى عائلتها .
ذلك ما يبدو بالربط بين الخلفيات التى توحى بها هذه الأبيات وبين ما كنا قد أشرنا اليه عند نظرنا فى وقائع الحياة التى كان الشاعر قد عاشها .
ولكننا فى حديثنا عن عناصر مأساة الشاعر ، لا يمكننا الاقتصار على هذا الجانب اذ ليس من المعقول أن تستمر لواعج هذه المحنة تأكل من قلبه الى ما بعد عهد الشباب ولا بد من أن تكون هناك عناصر أخرى تفاعلت وتظافرت لتغلف روحه بسويداء التشاؤم والنقمة .
وفيما أذهب اليه أن أولى المحن التى كان الشاعر قد مر بها بعد فشله فى الحب هى موت والدته . فقد تأثر كثيرا بهذا الحادث وأصبح ذكرى الوالدة يراوده بين الحين والآخر فيسيل دموعه ويبلبل فكره ويذيب قلبه وها هو يقول فى قصيدته ( الوداع الأخير ) مخاطبا أمه الفقيدة :
عليك أنوح وما كنت قبل أنوح على من دهته شعوب
فغصن شبابى بتركك ذاو وبدر الأمانى هوى للمغيب
وأنفاس بؤسى أسالت فؤادى وقلبى المعنى عليك يذوب
فلا زال حزنك ينخر عظمى الى أن يفتت منى الصليب
ولا برح الشجو يشغل لبى وينسفه نسف ريح نكوب
الى أن ألاقيك فوق جموح من الموت أو فوق نعش نهوب
واذا لم تكن هذه الأبيات من القصيدة ، أو القصيدة كلها مصورة لاحساس الشاعر بعمق الشقاء الذى يعانيه لأنه قالها فى ساعة المصاب ، فان قصيدته الأخرى ( ليالى مصابى ) تبدو أبلغ فى التصوير لأن حديثه عن نكبته بموت أمه فيها كان ضمن حديثه عن نكبته العامة ، وقد تجاوز فيها وصف الحزن المطلق الى رسم الفراغ القاتل الذى أصبح يتخبط فيه بعدها :
ليالى مصابى ظللتنى غيومها وأدجت سبيلى سحبها وغيومها
فأمسيت أسرى والهيام يقودنى الى ظلمة غابت لديها نجومها
رأيت خيالات الشقاء تدب لى دبيب الأفاعى أرمضتها سمومها
تراءت لى الآمال وهى نواكص سهاما لحتفى لا تداوى كلومها
ليالى حزنى هذه كن قبلما أصاب بأمى مقشعات ديومها
يسامرنى برى بوالدتى التى وددت بأن أقضى ويربو نعيمها
يسامرنى فيها خيال يزورنى يروح عن نفسى عناء يضيمها
فأما وقد فاءت وأقفر روضها فقل : بعدها نعم الحياة جحيمها
ومن العناصر التى عمقت احساس الشاعر بالمأساة ، التحاقه للدراسة بجامع الزيتونة فقد أدرك بعد فوات الوقت - وعن طريق التأمل والمقارنة - عقم المناهج التى كان التعليم الزيتونى يقوم عليها ، والفارق الكبير بين ما كان يتلقاه عن هذه المناهج وبين ما كان يتلقاه عن طريق مطالعته للآثار الشرقية والغربية وخاصة منها الفرنسية التى أتقنها وتأثر بها وترجم عنها . يقول الاستاذ زين العابدين السنوسى عن إغراقه فى المطالعة وشدة شغفه بها :
" وكان شغوفا بالمطالعة كأنما هو ينحر أفكاره الذاتية بالتهام أفكار الكتب التى تقع بين يديه عربية أو فرنسية ، وكان يستوعب بمطالعته خير ما تخرجه مطابع الشرق والغرب فى العربية والفرنسية )) .
ويستطرد بعد ذلك ليحدثنا عن نقمته على مناهج التعليم التقليدية بالجامع الاعظم بالرغم من تعلقه بقوميته وعروبته فيقول :
(( ... ومع ذلك ، فلم يكن راضيا عن علمه أبدا ويعتبر نفسه قد ابتلى سوء التوجه ، وفى الوقت نفسه كان فخورا بعروبته وبآداب هذه العروبة ذات الماضى الباهر والمستقبل الباسم معتزا بتاريخ الاسلام المجيد ولكنه كان ساخطا على ثقافته الموجهة نحو الأدب والفقه على الأسلوب الاتباعى القديم بينما عقله يؤمن بالعلوم التجريبية وبالنهضة الحديثة والقائمة على التحليل والتركيب ... ))
وقد كان لاحساس الشاعر بالضياع والغربة فى وطنه أثره أيضا فى تجسيم وجوده المأسوى ، إذ أدرك أن الجمود الذى كان يغلف أذهان أبناء مجتمعه قد حرم الأديب - أى أديب - من احتلال المكانة السامية التى كانت له فى الماضى ، فأصبح غريبا ينادى ولا من مجيب ويحاول الأمر فيلقى به على قارعة الطريق .. وفى ذلك يقول :
متى انتفع الأديب أديب قومى بما قضاه من نظم القريض ؟
وهل نال المنى ؟ أو رام أمرا ولم يقذف بمقارنة عضوض ؟
وهل أبقى له السخر اقتدارا فيأتى بالبيان المستفيض ؟
مضى زمن الأديب ، وفارقته غضارته بكل على ]كذا[ غضيض
زمان كان عنوان المعالى ورافع من تهاووا للحضيض
فما لأديب تونس من مقام وليس عليه فيها من فروض
هذه فى نظرى أهم العناصر الذاتية التى كثفت احساس الشاعر بمأساة وجوده : فشل فى الحب وفقد للأم ونقمة على الأوضاع التعليمية وشعور بالغربة الروحية .
واذا تجاوزنا هذه العناصر الى غيرها مما يرتبط بالواقع الاجتماعى العام ، فاننا نستطيع أن نلمسها فى استغلال بعض الطوائف لخيرات الشعب ، وتعابثهم بمقوماته وطاقاته ، كما يمكن تلمسها فى التفكك الوطنى وفى اضطراب القيم .
يقول عن الاستغلال :
عجبت لقوم يقولون : ماذا دهى القيروان وقطانها ؟
ولو علموا أن فينا أناسا أضاعوا علاها وعرفانها
لقالوا كما قلت من قبلهم وحقت شكاتى عدوانها
أيا رب فاقتك بعصبة مكر أهانوا العباد وأوطانها
وفى مقطوعة له اخرى بعنوان ( السادة الظالمون ) يتجلى عنصر الاستغلال فى صورة أبشع من التى رسمتها هذه الأبيات اذ كانت خاصة بالقيروان أما هذه فهى عامة لا تتجلى فيها الاقليمية الموطنية :
ما حاربتنا الأعادى لنيل ما كان فينا
وانما حاربتنا سراتنا الخائنونا
جاروا علينا وصالوا وأعدموا المصلحينا
وأفعموا الأرض شرا وأجدبوها سنينا
حتى اذا ما هزلنا كانوا لنا بائعينا
فلا الأعادى أرادوا امتلاكنا راغبينا
لكن أرادته طوعا ساداتنا الظالمونا
وكان الشاعر قد أدرك أن مجد أية أمة لا يمكن أن يكون الا اذا تمسك أبناؤها بالوحدة القومية وتعاونوا على النضال من أجل الحياة الحرة . لذلك فقد تفاقم ألمه وهو يرى المستعمرين يستغلون خيرات البلاد وأبناء البلاد لاهون عن ذلك بخلافاتهم ، وها هو يقول فى قصيدته ( السياسة ) مخاطب أبناء تونس :
بلا وحدة لا ترتقون ولا يرى لكم فى سماء المجد نجم محبب
فأحزابكم فوضى وأعمالكم سدى وآراؤكم شتى لها الغى مذهب
ترمون أن نعطي حقوقا ، ونحن فى بحور الكرى غرقى وفى الجهل نرسب
فياليتنا كنا اضطجعنا كعهدنا ولم نطلب الدستور ثم نؤنب
وما ذاك عن عجز دهانا وانما شغفنا بتفريق نأى عنه مأرب
أما اضطراب القيم فقد تناوله الشاعر فى قصائد متفرقة من أبرزها قصيدته ( على نفسه يجنى ) التى يقول فيها :
تعلم كل فاستفاد بعلمه ولم أر علم التونسيين نافعا
وقامت ضعاف الطير تحمى فراخها وما قام فينا من يدب مدافعا
وبات أنين الدين والقطر مشجيا يئنان من داء يهد المتالعا
عقرنا الوفا والنبل والفضل والحجا وكل خلاق كان للنفس رافعا
على نفسه يجنى مهين بلاده ويتزر العار المديد مدارعا
- يتبع -

